باب الرخصة في ذلك
حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، وعمرو بن دينار ، وعبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر خبزا ولحما ولم يتوضئوا . هذا حديث رواه الترمذي عن ابن أبي عمر ، ثنا ابن عيينة ، ثنا ابن عقيل ، سمع جابرا ، قال سفيان : ثنا ابن المنكدر ، عن جابر ، قال : خرج النبي - عليه السلام - وأنا معه ، فدخل على امرأة من الأنصار ، فذبحت له شاة فأكل ، وأتته بقناع من رطب فأكل منه ، ثم توضأ للظهر وصلى ، ثم انصرف ، فأتته بعُلالة من علالة الشاة فأكل ، ثم صلى العصر ، ولم يتوضأ . ولم يحكم عليه بشيء ، وفيه نقص عما رواه له شيخه ، والذي في مسنده : ففرشت لنا تحت صوْر لها - والصوْر : النخلات المجتمعات - وفي آخره : وشهدت أبا بكر دخل على أهله ، فقال : هل من طعام ؟ قالوا : لا ، قال : فأين شاتكم الوالد ؟ فأتي بها فحلبها ، ثم أمر بلبانها فطبخ فأكل منه ، ثم صلى ولم يتوضأ ، وشهدت عمر بن الخطاب ، وأتي بجفنتين ، فوضعت إحداهما بين يديه والأخرى من خلفه ، فأكل وأكلنا معه ، ثم صلى ولم يتوضأ .
وقال فيه الجوزقاني : حديث صحيح . رواه عن ابن المنكدر جماعة ، وخرجه أبو حاتم البُستي في صحيحه ، عن عبد الله بن محمد الأزدي ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا أبو علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فروة ، حدثني محمد بن المنكدر ، عن جابر ، قال : رأيت النبي - عليه السلام - أكل طعاما مما مسته النار ، ثم صلى قبل أن يتوضأ ، ثم رأيت بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر أكل طعاما مما مسته النار ، ثم صلى قبل أن يتوضأ ، ثم رأيت بعد أبي بكر عمر أكل طعاما مما مسته النار ، ثم صلى قبل أن يتوضأ ، وفي لفظ : دعت امرأة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكل هو وأصحابه ، وحضرت ، فتوضأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلى ، ثم عاد إلى بقيتها فأكلوا ، فحضرت العصر فلم يتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ : أكل النبي صلى الله عليه وسلم لحما ومعه أبو بكر وعمر ، ثم قاموا إلى العصر فصلوا ولم يتوضئوا .
وفي صحيح ابن خزيمة : ثنا موسى بن سهْل الرملي ، ثنا علي بن عياش ، ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن ابن المنكدر ، عن جابر ، قال : آخر الأمرين من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك الوضوء مما غيرت النار . ولما خرجه ابن حبان في صحيحه عنه ، قال : هذا خبر مختصر من حديث طويل ، اختصره شُعيب متوهما لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقا ، إنما هو نسخ لإيجاب الوضوءِ مما مست النار خلا الجزور فقط . وقال أبو داود عند تخريجه : هذا اختصار من الحديث الأول ، ولفظ الحاكم في التاريخ عن ابن عقيل عنه : أكلت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شاة صنعت له قبل العصر ، فحضرت الصلاة ، فصلى ولم يمس ماء ، ثم حضرت عمر في ولايته ، فأتي بجفنة فيها ثريد ولحم ، فأكلها مع ناس من المهاجرين ، وحضرت الصلاة ولم يمس عمر ولا أحد ممن أكل معه ماء .
وقال الدارقطني في الأفراد : تفرد به شعيب ، ولا أعلم رواه عنه غير علي بن عياش ، ورواه في موضع آخر منه بلفظ : بينما نحن مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكل مما مست النار . هذا حديث غريب من حديث ابن عيينة عن الثوري . تفرد به طاهر بن الفضل الحلبي عن ابن عيينة .
وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش : كان آخر الأمرين ؟ فقال : هذا حديث مضطرب المتن ، إنّما هو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتفا ولم يتوضأ . كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر ، ويمكن أن يكون شعيب حدّث به من حفظه فوهم فيه ، وقال في موضع آخر : إنّما هو أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتفا ، ثم صلى ولم يتوضأ . ولقائل أن يقول : الذي سلف من عند أبي داود وابن حبان أقرب مما ذكره الرازي ؛ لتباعد لفظ المتنين ، ولعدم جواز التعبير بأحدهما عن الآخر ، والانتقال من أحدهما إلى الآخر إنما يكون عن غفلة شديدة يبعد عنها شعيب ، وقول أبي داود أقرب ؛ لأنّه يمكن أن يعبر بهذه العبارة عن معنى الرواية الأولى ، ولقائل أن يقول أيضا : المراد بآخر الأمرين ما ذكره جابر أولا ، من أنه أكل لحما وخبزا ، ثم توضأ ، ثم أكل فضل طعامه وصلى ، ثم لم يتوضأ ، فكان الآخر من الفعل الأول ترك الوضوء ، فصحّ إذا الاختصار ، كان جائزا فهم من التابع الراوي عنه أنّه عرف روايته للحديث الأوّل ، فعبر له بعبارة موجزة يفهمها السامع ، والله أعلم .
وعلى هذا لا تعلق لمن ادّعى النسخ بقوله : آخر الأمرين . وأمّا ابن حزم فزعم بعد تصحيحه حديث آخر الأمرين أنّ من قال : إنّه مختصر من الأول ، قول بالظن ، والظن أكذب الحديث ، بل هما حديثان اثنان كما وردا ؛ حديث ابن المنكدر وحده ، ولفظ ابن أبي داود في كتاب الطهارة : أن امرأة اشترت حائطا ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه ويدعو فيه بالبركة .. . الحديث .
وفي لفظ : كنّا زمان النبي صلى الله عليه وسلم وما نجد من الطعام إلا قليلا ، فإذا نحن وجدنا لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ، ثم نصلي ولا نتوضأ . وفي سنن الكجي : جئنا امرأة من الأشراف ، وهي جدة خارجة بن زيد بن ثابت ، وفيه عنه أن النبي أخذ بكفه جرعة فمضمض من غبر الطعام ، انتهى . وفي الحديث علّة خفيت على من صححه ، ذكرها البخاري في التاريخ الأوسط ، فقال : ثنا علي ، قلت لسفيان : إن أبا علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر ، عن جابر : أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتوضأ ، فقال : أحسبني سمعت ابن المنكدر قال : أخبرني من سمع جابرا : أكل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم عن ابن المنكدر : سمعت جابرا ، ولا يصح ، فهذا حكم منه بعدم صحته متصلا ، وإن كان قد صرح في التاريخ الكبير بسماعه من جابر ، ولا منافاة بين القولين ؛ لاحتمال أن يكون ظهر له أنه لم يسمع منه هذا بخصوصه ، وإن كان قد سمع منه غيره ؛ كما قاله لما سأله الترمذي عن حديث ابن عباس : الشاهد واليمين .
قال : لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من ابن عباس ، مع تصريحه في صحيحه بسماعه من ابن عباس غير ما حديث ، وما ذكره الشافعي إثر رواية له في سنن حرملة عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج مختصرا ، قال : لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر ، إنّما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر . قال البيهقي : وهذا الذي قاله الشافعي محتمل ؛ وذلك لأنّ أصحاب صاحب الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح ، مع كون إسناده من شرطهما ، ولأنّ ابن عقيل قد رواه أيضا عن جابر ، ورواه عنه جماعة ، إلا أنّه قد روي عن حجاج بن محمد وعبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج عن ابن المنكدر ، قال : سمعت جابرا ، فذكروا هذا الحديث . فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهما من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح - والله أعلم - انتهى كلامه .
وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعي ، وركون إلى قول من صرح بالسماع ، وذهول عن قول الجعفي - رحمهم الله تعالى - ويزيده وضوحا أيضا : رجوع ابن المنكدر عن هذا الرأي إلى غيره . ذكر أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن شعيب بن أبي حمزة : أنّ الزهري ناظر ابن المنكدر ، فاحتج ابن المنكدر بحديث جابر ، واحتج الزهري بحديث عمرو بن أميّة في الوضوء مما مست النار ، قال : فرجع ابن المنكدر عن مذهبه إلى مذهب الزهري ، انتهى . ولقائل أن يقول : لو أخذه ابن المنكدر عن جابر شفاها لما رجع عنه ، ولا ساغ له ذلك ، ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيف رجع عنه مسرعا ، وقد رواه عن جابر أبو الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان .
ذكر ذلك الحاكم في تاريخ نيسابور ، فقال : ثنا أبو حامد الحافظ ، أنا أبو حاتم ، ثنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا الجارود بن يزيد عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، بلفظ ، قال لنا : يأتيكم رجل من أهل الجنة ، [ فجاء أبو بكر ، ثم قال : يأتيكم رجل من أهل الجنة ] فجاء عمر ، ثم قال : ليأتينكم رجل من أهل الجنّة ، اللهم إن شئت جعلته عليا ، فجاء علي . ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ، ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان ، ثنا بشر بن محمد القارئ ، ثنا ابن المبارك ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ . وقد تقدم حديث ابن عقيل عنه ، ورأيت بخط سعْد الخير : أنا ابن فراس ، أنا ابن بشران ، ثنا الحسين بن صفوان ، ثنا ابن أبي الدنيا ، عن محمد بن موسى بن الصباح ، ثنا رشدين بن سعْد ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام أربع عشرة ، في كلها أقول : يا رسول الله ، ثنا ابن شهاب عنك : أن توضئوا مما غيرت النار ، فيقول لي : لا يا رشدين .
.