باب الوضوء من المذي
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن بشر ، ثنا مسعر ، عن مصعب بن شيبة ، عن أبي حبيب بن يعلى بن منية ، عن ابن عباس : أنّه أتى أبي بن كعب ، ومعه عمر ، فخرج عليهما ، فقال : إني وجدت مذيا فغسلت ذكري وتوضأت ، فقال عمر : أويجزئ ذلك ؟ قال : نعم ، قال : أسمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : نعم . هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن مسعر عن مصعب إلا محمد بن بشر - يعني : العبدي المخرج حديثه في الصحيحين - وأبو حبيب ذكره أبو حاتم في كتاب الثقات ، فصح على هذا إسناده ؛ ولهذا ساغ للشيخ ضياء الدين تخريجه في المختارة ، والله أعلم . وفي الباب غير ما حديث ؛ فمن ذلك : حديث عبد الله بن سعد الأنصاري ، قال : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما يوجب الغسل ، وعن الماء يكون بعد الماء ، فقال : ذاك المذي ، وكل فحل يمذي ، فاغسل من ذلك فرجك وأنثييك ، وتوضأ وضوءك للصلاة .
رواه أبو داود ، عن إبراهيم بن موسى ، عن ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث ، عن حرام بن حكيم ، عن عمه عبد اللّه بن سعد به ، ولما ذكره في التفرد مطولا قال : الذي تفرد به منه قوله : وأنثييك . وروى ابن ماجه عن العلاء بن الحارث عن حرام بهذا السند قصة مؤاكلة الحائض في موضعين ، ليس فيها ذكر المذي ، وكذلك الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وفي بعض النسخ : حسن غريب ، وخرجه ابن الجارود في منتقاه ، واعترض الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود ، بقوله : لا يصح غسل الأنثيين ، ولا نحتج بهذا الإسناد ، يعني : متابعة لابن حزم ؛ حيث قال فيه : غريب ، وحرام ضعيف . قاله من عند نفسه ولم يعزه ، وقال ابن القطان : هو كما قال ، ولكن بقي عليه أن يُبيّن منه موضع العلة ، وهو الجهل بحال حرام بن حكيم الدمشقي ، وإذا جعلناه علة للخبر فقد تناقض فيه ؛ وذلك أن أبا محمد لا يزال يقبل أحاديث المساتير الذين يروي عن أحدهم أكثر من واحد ، وحرام هذا يروي عنه مع العلاء : عبد الله بن العلاء ، وزيد بن واقد .
قاله أبو حاتم ، وترجمه باسم ابنه أبو محمد بعد ترجمة أخرى ، ذكر فيها حرام بن معاوية ، وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا ، وروي عن عمر ، فروى معمر عن زيد بن رفيع عنه ، وروى عبيد الله بن عمرو عن زيد بن رفيع ، فقال : عن حرام بن حكيم بن حرام ، قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول ذلك ، فجعلهما كما ترى رجلين ، وتبع في ذلك البخاري ، وزعم الخطيب أنّ البخاري وهم في ذلك ، وبين أنه رجل واحد يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه ، وممن عمل فيه عمل البخاري وابن أبي حاتم الدارقطني - رحمهم الله تعالى - انتهى كلامه . وفيه نظر في موضعين : الثاني : متابعة عبد الحق في قوله : لا يصح غسل الأنثيين ، وذلك أنا قدّمنا قبل من عند أبي داود فأدخلها في لفظه على غيره ، وإن كان المنذري والخزرجي في تقريبه قد ذكرا انقطاعه فقد قدّمنا إبطاله ، وأيضا ففي حديث سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي ، وفيه : فقال - عليه السلام - : يغسل أنثييه وذكره ، ويتوضأ وضوءه للصلاة . ذكره الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق - رحمه الله - والحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحيهما ، وفيه رد لما قاله الإِمام أحمد لما سأله أبو داود : ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه ، وأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا .
وحديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي ، قال - عليه السلام - : لو اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض . ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة بسند جيد . وحديث رافع بن خديج : أنّ عليا أمر عمارا أن يسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المذي ، وقال : يغسل مذاكيره ويتوضأ .
ذكره ابن حبان في صحيحه ، وإن كان الإِمام أحمد قال - فيما ذكره البيهقي في المعرفة - حديث المقداد أصح ، فليس فيه تضعيفه - والله أعلم - . وحديث ابن عباس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني كلما توضأت سال ، فقال : إذا توضأت فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك . ذكره الدارقطني ، وقال : لا يصح ، ومن حديث أبي بن كعب مرفوعا - في غسل الفرج من المذي .
ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن مسعر - يعني : عن مصعب بن شيبة ، عن أبي حبيب بن يعلى بن منية ، عن ابن عباس - إلا محمد بن بشر . الغريب : قال الأموي : مذيت وأمذيت ، وهو المذي والمني والودي مشدّدات ، قال أبو عبيد وغيره : يخفف المذي والودي ، قال : والصواب عندنا أن المني وحده بالتشديد ، والآخران بالتخفيف ، قال ابن دريد : هو ما يخرج عند الإنعاظ ، وربما شدد ، واختلفت النسخ من كتاب العين في الودي ، ففي بعضهما مشدد ، وفي بعضها مخفف ، وقال صاحب الصحاح : المذي بالتسكين ، فقال : كل ذكر يمذي ، وكل أنثى تقذي ، وبنحوه ذكره الفراء ، وقال : لم يسمع في المني - يعني اللغتين - قال أبو الحسن : الصواب عندي أن يكون المني وحده مشدّدا ، والأخريان مخففتين ، وفي الحديث : المذاء من النفاق ، هو أن يكون الرجل يجمع الرجال والنساء فيماذي بعضهم مذاء ومماذاة ، وأمذيت فرسي : وهو أن يخليه يرعى ، فيجوز أن يكون المذاء من هذا ، كأنه تخلية الرجل امرأته لما تريد في الحرام ، قال الهروي : هو أرق ما يكون من النطفة ، وفي الاستذكار عن مالك : وهو عندنا أشد من الودي ؛ لأنّ الفرج يغسل من المذي ، والودي عندنا بمنزلة البول ، قال : وليس على الرجل أن يغسل منه أنثييه إلا أن يظن أنه قد أصابهما منه شيء ، قال : والودي يكون من الحمام ، يأتي إثر البول أبيض خاثرا ، وقال : والمذي يكون معه شهوة ، وهو رقيق إلى الصفرة ، يكون عند الملاعبة وعند حدوث الشهوة ، انتهى . قد أسلفنا أن حديث غسل الأنثيين صحيح ، والنضح هنا المراد به الرش .
جاء ذلك مبيّنا فيما أسلفناه من حديث سهل ، والله أعلم . قال ابن المنذر : وأوجب غسله من البدن جماعة من الصحابة ، وهو مذهب مالك والشافعي وكثير من أهل العلم غير أحمد بن حنبل ، فإنه قال : أرجو أن يجزئه النضح ، والغسل أحب إليّ . وقال أبو جعفر في بيان المشكل : إنما أمر بغسل المذاكير ليتقلص المذي بذلك ، فلا يخرج ؛ لأنّ الماء يقطعه كما أمر من ساق بدنة - ولها لبن - أن ينضح ضرعها بالماء حتى لا يسيل ؛ لا أن ذلك واجب كوجوب وضوء الصلاة ، والدليل عليه : ما توافر من قوله : فيه الوضوء ، فأخبر بالواجب فيه ، والله تعالى أعلم .