باب لا وضوء إلا من حدث
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد العزيز بن عبيد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، قال : رأيت السائب بن يزيد يشم ثوبه قلت : مم ذاك ؟ قال : إني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : لا وضوء إلا من ريح أو سماع . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ لضعف رواته . الأول : إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي أبو عتبة العنسي ، وإن كان ابن معين قال : هو ثقة ، وكان أحبّ إلى أهل الشّام من بقية ، وفي رواية ابن أبي خيثمة عنه : هو ثقة ، والعراقيون يكرهون حديثه ، وبنحوه ذكره البرقي ، وقال البخاري : ما روى عن الشاميين أصحّ ، وقال الفلاس : إذا حدّث عن أهل بلاده فصحيح ، وإذا حدّث عن أهل المدينة مثل هشام بن عروة ويحيى بن سعيد وسهيل فليس بشيء ، وقال عبد الله بن أحمد : سئل أبي عن إسماعيل وبقية ، فقال : بقية أحبّ إلي ، نظرت في كتاب إسماعيل عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح ، وفي المصنف أحاديث مضطربة ، وكان حافظا ، وفي رواية المروذي عنه : هو أصلح من بقية ، وقال يعقوب بن سفيان : كنت أسمع أصحابنا يقولون : علم الشام عند إسماعيل ، والوليد بن مسلم ، قال يعقوب : وتكلّم فيه قوم ، وهو ثقة عدل ، أعلم الناس بحديث الشّام ، ولا يدفعه دافع ، وأكثر ما تكلّموا قالوا : يغرب عن ثقات المكيين والمدنيين ، وقال يزيد بن هارون : ما رأيت أحفظ منه ، ما أدري ما الثوري ؟ وقال الهيثم بن خارجة : لم يكن بالشّام أحد أحفظ من إسماعيل ، ولا الأوزاعي بعلم الشّاميين ، وسئل عنه أبو زرعة ، فقال : صدوق ، إلا أنّه غلط في حديث الحجازيين والعراقيين ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قال لي وكيع : يروون عندكم عن إسماعيل ؟ فقلت : أمّا الوليد ومروان فيرويان عنه ، وأمّا الهيثم بن خارجة ومحمد بن إياس فكأنهما ، قال : وأي شيء الهيثم وابن إياس ، إنّما أصحاب البلد الوليد ومروان ، وقال أبو أحمد الجرجاني : إذا روى عن يحيى بن سعيد ومحمد بن عمرو بن علقمة ، وهشام بن عروة ، وابن جريج ، وعمر بن محمد ، وعبيد الله الوصافي ، وإن حدّث عن غيرهم فلا يخلو من غلط يغلط فيه ، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم ، وفي الجملة : هو ممن يكتب حديثه ، ويحتج به في حديث الشّاميين خاصة .
وقال فيه النسائي : هو ضعيف ، وفي حديث الشّاميين صالح ، فقد قال أحمد : روى عن كلّ ضرب . وقال ابن حبان : لماّ كبر تغيّر حفظه ، فكثر الخطأ في حديثه وهو لا يعلم ، فخرج عن حد الاحتجاج به ، وكان عبد الله بن المبارك ينكر عليه حديثه ، وفي موضع آخر : إذا اجتمع هو وبقية في حديث فبقية أحب إلي . وقال أبو حاتم الرازي : هو لين ، يكتب حديثه ، ولا أعلم أحدا كف عنه إلا أبا إسحاق الفزاري ، وقال أبو إسحاق : لا تكتب عنه ما روى عن المعروفين ولا غيرهم .
وفي كتاب العقيلي : قال أبو صالح الفراء : قلت لأبي إسحاق : إني أريد حمص ، وثم رجل يقال له : إسماعيل فأسمع منه ؟ قال : ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه ، قال أبو صالح : وكان أبو إسحاق روى عنه ، ثم تركه . وقال الفلاس : كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه ، فقال له الرجل مرة : ثنا أبو داود عن أبي عتبة ، فقال له عبد الرحمن : هذا ابن عياش ، فقال له الرجل : لو كان ابن عياش ما أكتبه ، وذكر عبد الله لأبيه حديثا من حديث إسماعيل ، فقال : هذا باطل ، قال العقيلي : يعني أنه وهم من إسماعيل . وفي كتاب الساجي : قال ابن معين : كان إسماعيل من أجل الشّاميين ، إلا أنّه كان يضع .
قال الساجي : يعني أظنّه حيث انفرد . وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : ابن عياش بقية يتقدّمه ، وذكره في الضعفاء أبو العرب وأبو القاسم البلخي ، وضعف به الإشبيلي والبيهقي وابن القطان وابن طاهر غير ما حديث . الثاني : عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب ، وإن كان الإمام أحمد قال : كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص ، فإذا هو عندهم معروف ، قال : قالوا : هو من ولد صهيب ، ولم يرو عنه غير إسماعيل .
قال ابن أبي حاتم عن ابن معين : ضعيف ، وفي كتاب الآجري عن أبي داود عنه : ليس بشيء . زاد ابن أبي حاتم : لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش . قال : وسألت أبي عنه ، فقال : يروي عن أهل الكوفة وأهل المدينة ، ولم يرو عنه أحد غير إسماعيل ، وهو عندي عجيب ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، لا يكتب حديثه ، يروي أحاديث مناكير ، ويروي أحاديث حسانا .
قال : وسألت أبا زرعة عنه ، فقال : مضطرب الحديث ، واهي الحديث . وقال السعدي : كان غير محمود في الحديث ، ورواه أبو عبيد من حديث ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الله عن محمد بن عمرو . واختلف في راوي هذا الحديث ، فقال الحافظ عبد الغني بن سرور : هو السائب بن خباب لا السائب بن يزيد ، وزعم أنّ ذلك وهم فيه ابن عساكر ، وتبعه على ذلك الحافظ المزي ، بقوله : هو في الأصل غير منسوب ، يعني : أن صاحب الأطراف نسبه من عنده ، وليس كذلك ؛ بل الوهم منتف عن ابن عساكر لازم لهما ؛ لكونه في عدة من الأصول بخط الحافظ منسوبا كما قاله ابن عساكر ، والله أعلم .
اللهم إلا لو قالا : إن ابن ماجه هو الواهم في نسبته لكان قولا صحيحا ، وعدم نسبته إلى ابن يزيد هو الصواب ؛ لكونه ليس موجودا من حديثه ، إنما هو من حديث ابن خباب . نص على ذلك الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله - في مسنده ، والحافظان الفسوي وابن البرقي في تاريخيهما ، وأبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير ، وأبو الحسين بن قانع - رحمه الله - وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده ، وأبو عبيد في أحد قوليه . والثاني : السائب بن خلاد .
وفي الباب سوى ما تقدّم غير ما حديث ؛ من ذلك : علي بن طلق ، ذكره أبو داود . وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن مسلم مرسلا ، عن عيسى بن حطان ، عن علي بن طلق ، قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إذا فسا أحدكم فليتوضأ . قال مهنأ : قال أبو عبد الله : عاصم الأحول يخطئ في هذا الحديث ، يقول : علي بن طلق ، وإنما هو طلق بن علي .
وذكره في مسنده من حديث عبد الرزاق وابن جعفر عن شعبة وأبي معاوية عن عاصم بزيادة : ولا تأتوا النساء في أستاههن . وأبى ذلك الحافظ أبو عبد الله فيما حكاه عنه الترمذي في كتاب العلل بقوله : ثنا قتيبة وهناد ، قالا : ثنا وكيع عن عبد الملك بن مسلم ، عن أبيه ، عن علي بن طلق ، قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنا نكون بالبادية ، ويكون من أحدنا الرويحة ، فقال : إن الله لا يستحيي من الحق ، إذا فسا أحدكم فليتوضأ ، ولا تأتوا النساء في أدبارهم ، سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي غير هذا الحديث ، وهو عندي غير طلق بن علي ، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي . ثنا هناد وأحمد بن منيع ، ثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن عيسى بن حطان ، عن مسلم مرسلا ، عن علي بن طلق به .
قال : وسألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : علي بن طلق هذا أراه غير طلق بن علي ، ولا أعرف لعلي بن طلق إلا هذا الحديث ، وعيسى بن حطان الذي روى عنه هذا الحديث رجل مجهول . فقلت له : أتعرف هذا الحديث الذي روى علي بن طلق من حديث طلق بن علي ؟ فقال : لا . وقال في الجامع ، وذكره من مسند علي بن طلق : هو حديث حسن ، وسمعت محمدا يقول : لا أعرف لعلي بن طلق هذا غير هذا الحديث ، ولا أعرف هذا إلا من حديث طلق بن علي ، فكأنه رأى أنّ هذا رجل آخر من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وفي كتاب الطهور لأبي عبيد ، قال : علي هذا لا أراه علي بن أبي طالب ، إنما هو عندنا علي بن طلق ؛ لأنه حديثه المعروف عنه ، وكان رجلا من بني حنيفة من اليمامة ، وأحسبه والد طلق بن علي الذي سأل عن مسّ الذكر ، انتهى كلامه . وفيه ردّ لما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - وتبعه على ذلك الحافظ البستي بذكره له في صحيحه مسند علي بن طلق ، بلفظ : إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف ، ثم ليتوضأ وليعد صلاته ، ولا تأتوا النساء في أدبارهن . قال أبو حاتم : لم يقل : وليعد صلاته إلا جرير بن عبد الحميد ، ولفظ أبي معاوية عن عاصم ، أنه يخرج من أحدنا الرويحة وفي الماء قلة ، وخالف البخاري في عيسى ؛ فزعم أنه ثقة ، وقال غيره : روى عنه أيضا محمد بن جحادة ، وزيد بن عياض ، وعلي بن زيد ، وعبد الملك بن مسلم الحنفي ، فقد انتفت عنه الجهالتان العينية والحالية ، والله أعلم .
ولما ذكر أبو جعفر بن منيع هذا في مسند علي بن طلق فصل بينهما ، فجعلهما حديثين ، وممن ذكره أيضا في مسند علي بن طلق اليمامي ؛ أبو عبد الرحمن النسائي ، وأبو مسلم الكجي في سننه ، وأبو الحسين بن قانع - رحمهم الله تعالى - وحديث عمر بن الخطاب ، ذكر مهنأ أنه سأل أبا عبد الله عن قوم كانوا جلوسا فوجدوا ريحا ، فقال : كان عمر جالسا في أصحابه ومعه الناس فتنفس بعض القوم - يعني : أحدث - فأمرهم عمر أن يعيدوا الوضوء ، فقلت له : إنهم يروونه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا ، قال : ليقم صاحب هذه الريح ، فتلكأ القوم ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قوموا كلكم فتوضئوا . فقال أحمد : ليس هذا صحيحا ، إنما يرويه الأوزاعي عن واصل بن أبي جميل عن مجاهد ، وواصل هذا ليس معروفا ، إنما روى عنه الأوزاعي . وحديث علي بن أبي طالب : جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، إنا نكون بالبادية فتخرج من أحدنا الرويحة ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يستحيي من الحق ، إذا فعل أحدكم فليتوضأ ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن .
رواه أحمد في مسنده عن وكيع ؛ حدثنا عبد الملك بن مسلم الحنفي عن أبيه عنه . وحديث عائشة قالت : جاءت سلمى امرأة أبي رافع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تستعديه على أبي رافع ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا أبا رافع مالك ولها ؟ قال : يا رسول الله ، إنها تؤذيني ، فقال - عليه السلام - : بما آذيته ؟ قالت : يا رسول الله ، إنما قلت : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضئوا للصلاة ، فقام يضربني ، فجعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إنها لم تأمرك إلا بخير . رواه الترمذي في العلل عن عبد الله بن أبي زياد ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عنها ، وقال : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث محمد بن إسحاق عن هشام ، وسألت أبا زرعة ، فقال مثله ، وذكره الإمام أحمد في مسنده ، فجعله من مسند سلمى ، والله أعلم .
وحديث صفوان بن عسال ، قال : رخص لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين : للمسافر ثلاثا ، إلا من جنابة ، ولكن من غائط أو بول أو ريح . رواه البيهقي في السنن الكبير ، وقال الدارقطني في السنن : لم يقل في هذا الحديث : أو ريح غير وكيع عن مسعر . وقال الحاكم في تاريخ نيسابور : سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ، وسأله محمد بن عبيد : لِم ترك الشيخان حديث صفوان بن عسال ؟ فقال : لفساد الطريق إليه ، والله أعلم .
وحديث عبيدة بن حسان وحمزة بن يسار مرفوعا عند أبي عبيد : يعاد الوضوء . وزعم بعضهم أنّ هذه الأحاديث معارضة لما رواه أنس : قال صلى الله عليه وسلم : لا ينقض الوضوء أن يصيبك قذر ، ولكن ينقضه الفواحش . ذكره أبو زكريا في طبقات الموصل من حديث إبراهيم بن سعد ، ثنا غسان ، ثنا أبو عمران ، أنّه سمع أن أنسا يذكره وليس كذلك ؛ لأنّ القذر لم يقل أحد : إنه ينقض الوضوء ، وكذا لم يقل بأنّ الفواحش تنقضه .