باب الحياض
حدثنا محمود بن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان ، قالا : ثنا مروان بن محمد ، ثنا رشدين ، أنبأ معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الماء لا ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه أبي الحجاج رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري ، وهو رشدين بن أبي رشدين القائل فيه الإمام أحمد بن حنبل : ليس يبالي عمن روى ، لكنه رجل صالح ، قال الميموني : فوثقه هيثم بن خارجة ، وكان في المجلس فتبسم أبو عبد الله ، ثم قال أبو عبد الله : ليس به بأس في أحاديث الرقاق ، وفي رواية حرب : وسأله عنه فضعّفه ، وقدم ابن لهيعة ، وقال ابن أبي خيثمة عنه : لا يكتب حديثه ، وفي رواية البغوي عنه : أرجو أن يكون صالح الحديث ، وفي رواية عبد الله عنه رشدين كذا وكذا ، وسئل عنه أبو زكريا ، فقال : ليس من جمال المحامل ، وفي رواية أحمد بن محمد بن حرب عنه : رشدينان ليس برشيدين ؛ ابن كريب وابن سعد ، وفي رواية ابن الجنيد والدوري عنه : ليس بشيء ، وقال أبو حاتم الرازي : منكر الحديث وفيه غفلة ، ويحدث بالمناكير عن الثقات ، ضعيف الحديث ، ما أقربه من داود بن المحبر ، وابن لهيعة أستر ، ورشدين أضعف ، وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ، [ وقال الفلاس : ضعيف الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ] ، وقال الدارقطني : ضعيف الحديث ، وقال البخاري عن قتيبة : كان لا يبالي ما دفع إليه فيقرؤه ، وقال ابن عدي : وهو مع ضعفه ممن يكتب حديثه ، وقد خصّ نسله بالضّعف : حجاج ابنه ، ومحمد بن حجاج ، وأحمد بن محمد ، وقال السعدي : هو بعد ابن لهيعة ، عنده معاضيل ، ومناكير كثيرة ، قال : وسمعت ابن أبي مريم يثني عليه في دينه ، فأمّا حديثه ففيه ما فيه ، وفي رواية الدولابي : ففيه ما قلت ، وقال أبو سعيد بن يونس : ولد سنة عشر ومائة ، ومات سنة ثمان وثمانين ، وكان رجلا صالحا ، لا يشك في صلاحه وفضله ، وأدركته غفلة الصالحين ، فخلط في الحديث ، وقال البستي : كان يقرأ كل ما دفع إليه سواء كان من حديثه أو لم يكن ، ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء ذكر عن ابن مثنى أنه كانت عنده مناكير : حدثني أحمد بن محمد ، ثنا الهيثم بن خالد ، قال : كنت مع رشدين في غرفة له ، وكان لها منظرة إلى بعد ، فأقبل شاب ، فقال رشدين : ترى هذا المقبل ؟ قلت : نعم ، قال : هذا ابني ، وهو أعلم الناس بلعب الشطرنج ما يلاعبه أحد ، قال : فرأيته فرحا بذلك ، ولما ذكر أبو حاتم هذا في كتاب العلل قال : يوصله رشدين وليس بقوي ، والصحيح : مرسل ، وقال الخليلي : ضعفوه ولم يتفقوا عليه ، وابنه حجاج أمثل منه ، وذكره في الضعفاء أبو العرب والعقيلي والبلخي ، وقال الحربي : غيره أوثق منه ، وقال البزار : لم يكن بالمعتمد ، وقال عبد الحق : هو ضعيف عندهم ، وقال أبو الحسن الدارقطني : إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد . وقال في موضع آخر : لم يرفعه غير رشدين ، وفي ما قاله نظر ؛ لأنه روي عن راشد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا بسند جيد .
ثنا بذلك الإمام أبو المحاسن بن محمد الكردي ، أنبأ ابن خليل أبو إسحاق إبراهيم ، ثنا عبد الرحمن بن المسلم ، ثنا علي بن الحسن الموازيني ، ثنا أبو عبد الله محمد بن سلوان ، أنبأ أبو القاسم الفضل بن جعفر المؤذن ، ثنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي ، ثنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا الأحوص ، عن راشد بن سعد ، قال صلى الله عليه وسلم : الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه . وفي المعرفة : قال الشافعي : وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه كان نجسا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ، لا يثبت أهل الحديث مثله ، وهو قول العامة ، لا أعلم عنهم فيه خلافا ، وقال أبو القاسم في المعجم الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين . تفرد به محمد بن يوسف ، وفيه نظر ؛ لما تقدّم من رواية مروان عنه ، ورواه البيهقي عن أستاذه ابن البيع ، عن أبي الوليد الفقيه ، عن جعفر الحافظ ، عن أبي الأزهر ، عن مروان بسنده ، أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه ، وقال : كذا وجدته ، ولفظ القلتين فيه غريب ، ورواه أيضا أستاذه عن أبي الوليد ، عن الشاماتي ، عن عطية بن بقية بن الوليد ، عن أبيه ، عن ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد به ، بزيادة : طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها ، ثم قال : والحديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغيّر بالنجاسة خلافا .
ولما ذكره ابن عدي في كامله من طريق أحمد بن عمير ، ثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم ، عن حفص بن عمر ، ثنا ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد ، قال : هذا ليس يرويه عن ثور إلا حفص بن عمر ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما أسلفناه من طريق عطية عن أبيه عن ثور ، وفيها أيضا ردّ لقول أبي الحسن والرازي : لم يرفعه غير رشْدين ، وفي الباب غير ما حديث ؛ من ذلك حديث ثوبان : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه . رواه الدارقطني من حديث رشدين بن سعد .
وحديث سهل بن سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : الماء لا ينجسه شيء . رواه أيضا عن محمد بن الحسين الحراني ، ثنا علي بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن موسى الحرشي ، ثنا فضيل بن سليمان النميري ، عن أبي حازم عنه ، وقد تقدّم طرف منه . وحديث عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الماء لا ينجسه شيء .
رواه أبو القاسم في معجمه الأوسط عن أحمد بن زهير ، ثنا أبو الربيع ، عن عبيد الله بن محمد الحارثي ، عن أبي أحمد الزبيري ، ثنا شريك ، عن المقدام بن شُريح ، عن أبيه عنها ، وقال : لم يروه عن المقدام إلا شريك ، قال بعض الحفاظ من مشايخنا - رحمهم الله تعالى - : ومن غريب ما يستدل به في هذا المعنى حديث أبي ثعلبة الخشني في الأمر بغسل أواني المشركين قبل الأكل فيها ، مع حديث عمران بن حصين في وضوئه صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة ؛ فإن الأول يدل على نجاسة الإناء ، والثاني يدل على طهارة الماء وطهوريته ، وفي القديم للشافعي : ثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب : أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص ، حتى وردوا حوضا ، فقال عُمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض لا تخبرنا ، فإنّا نرد على السباع وترد علينا . أنبأ ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار : أن عمر بن الخطاب ورد حوض مجنة ، فقيل له : إنما ولغ الكلب فيه آنفا ، فقال عمر : إنما ولغ الكلب بلسان ، فشرب وتوضأ . وزعم أبو جعفر الطحاوي أن الواقدي قال : إن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين ، فكان الماء لا يستقر فيها ، وردّ ذلك أبو بكر في المعرفة بما لا يصلح أن يكون ردّا ، وهو الطعن على الواقدي بالضعف ، وهو لم يذكره رواية ، إنما ذكره عن مشاهدة ، وإن كان كذلك فلخصمه المعارضة بالتوثيق ، قال محمد بن إسحاق الصغاني : وذكر من فضله وحسن أحاديثه ، أما أنا فلا أحتشم أن أروي عنه ، والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه ، حدث عنه أربعة أئمة : أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو عبيد ، وأبو خيثمة ، ورجل آخر ، وقيل للدراوردي : ما تقول فيه ؟ فقال : سله عني ، وفي لفظ : ذاك أمير المؤمنين في الحديث ، وكذلك قال أبو عامر العقدي لما سئل عنه ، ولما سئل عنه معن بن عيسى قال : نحن نسأل عنه ؟ ! إنما يُسأل هو عنّا ، وقال الزبيري والمسيبي وأبو يحيى الزهري : محمد بن عمر ثقة مأمون ، وقال ابن نمير : حديثه عنّا مستوي ، وقال يزيد بن هارون : هو ثقة ، وقال عباس بن عبد العظيم : هو أحبّ إلي من عبد الرزاق ، وقال أبو عبيد بن سلام : هو ثقة ، وقال أبو داود : كان أحمد ينظر في كتبه كثيرا ، ولم ينكر عليه أحد سوى جمعه الأسانيد ومجيئه بالمتن واحدا ، قال أبو إسحاق الحربي : وذكر له هذا القول ، هذا ليس بعيب ، وقال محمد بن إسحاق في كتاب الفهرست : كان حسن المذهب - رحمه الله تعالى - وأمّا ما ذكره بعض المتأخرين من أنّه مجمع على ضعفه ؛ ففي بعض ما تقدّم ردّ عليه - والله أعلم - ثم ننزل معه بأن يلغى قوله ، وينظر هل قال ذلك غيره ممن تقدّمه ، فإذا عائشة - رضي الله عنها - وهي من أفقه الصحابة ، قالت : كان بئر بضاعة قناة ، وكان لها منفذ إلى بساتينهم .
ذكر ذلك صاحب الأسرار من غير رواية الواقدي ، والعقل يشهد له ؛ لأنها متى لم تكن قناة تغيرت بالجيف لا محالة ، قال : وروي عن محمد بن الفضل البلخي أنه قال : مسحت بئر بضاعة ، فوجدتها ثمانية في ثمانية ، وقد روي عن محمد بن الحسن أنه حدّد الكثرة بهذا ، والله أعلم .