بابُ مُصافحة الجُنب
حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ح ، وثنا إسحاق بن منصور ، أنبأنا يحيى بن سعيد جميعا ، عن مسعر ، عن واصل الأحدب ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلقيني وأنا جنب ، فحدت عنه فاغتسلت ، ثم جئت ، قال : ما لك ؟ قال : كنت جنبا ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن المسلم لا ينجس . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، ولفظ ابن حبان في صحيحه : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له ، قال : فرأيته يوما بكرة فحدت عنه ، ثم أتيته حين ارتفع النهار ، فقال : إني رأيتك فحدت عني ... . الحديث .
وفي الباب حديث ابن مسعود رواه أبو عبد الرحمن بإسناد صحيح عن إسحاق بن منصور ، أنبأنا يحيى ، ثنا مسعر ، حدثني واصل ، عن أبي وائل ، عن عبد الله : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيه وهو جنب فأهوى إلي ، فقلت : إني جنب ، فقال : إن المسلم لا ينجس . وهو حديث ثابت في سائر نسخ النسائي ، ولم يذكره صاحبا الأطراف ابن عساكر والمزي . وقال أبو عيسى : وفي الباب عن ابن عباس ، فلعل ظانا أن عبد الله هذا هو ابن عباس ، وليس بابن مسعود ، فليعلم أن شقيقا لم يرو عن ابن عباس شيئا في كتب الأئمة ، والله أعلم .
ولم نر لابن عباس حديثا - فيما نعلم - إلا ما ذكره البخاري معلّقا عنه : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا . ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه ، قال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ، وروى الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، قال : سألت عائشة : عن الرجل يأتي أهله ، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه ، أنجس ذلك ؟ فقالت : قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقا ، فإذا كان ذلك مسح بها الرّجل الأذى عنه ، ولم نر أن ذلك لا ينجسه ، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ، قالت : ثم صليا في ثوبيهما . وسيأتي حديث معاوية عن أخته ، عن أم حبيبة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه .
قرأت على شيخنا العلامة أبي الحسن المكي - رحمه الله تعالى - أخبركم علامة دهره وفريد عصره شمس بن الخرقي ، بقراءتكم عليه ، في رجب سنة تسع وستين وست مائة ، أنبأنا الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع المروروذي ، أنبأنا الإمام شيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي ، أنبأنا محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود ، قال : معنى قول ابن عباس : أربع لا يجنبن ؛ الإنسان ، والثوب ، والماء ، والأرض : يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب ، ولا الثوب إذا لبسه الجنب ، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب ، ولا الماء إذا غمس الجنب يده فيه . وفي كتاب الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل عن أم القلوص الغاضرية ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرى على الثوب جنابة ، ولا على الأرض جنابة ، ولا يجنب الرجل الرجل . وقال عطاء : يحتجم الجنب ، ويقلِّم أظفاره ، ويحلق رأسه ، وإن لم يتوضأ .
وقال الحافظ رشيد الدين : قول أبي هريرة : فانخنست منه ، فيه أربع روايات : فانبجست بنون ثم باء معجمة بواحدة بعدها جيم ، ومعناه اندفعت منه ، وقال الترمذي : معناه تنحيت عنه . الثانية : فانخنست منه بنون بعدها خاء معجمة ثم نون ، ومعناها انقبضت وتأخرت عنه . الثالثة : فاختنست بتقّدم الخاء المعجمة وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم نون ، ومعناها معنى التي قبلها .
الرابعة : فانتجست بنون ثم تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم جيم ، ومعناها : اعتقدت نفسي نجسا ، لا أصلح لمجالسة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على تلك الحالة ، وقد ذكر في هذه الكلمة قول خامس ؛ وهو فانبخست بنون ثم باء معجمة بواحدة بعدها خاء من النخس ، وهو النقص ، فإن صحت هذه الرواية فقد ذكر بعض العلماء أنّ معناها أنّه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لما اعتقده في نفسه من النجاسة ، فرأى أنّه لا يقارنه ما دام في تلك الحال . وقال الحافظ : ومعنى هذه الأقوال يرجع إلى شيء واحد ، وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وذكر الحافظ أبو محمد المنذري فيه قولا سادسا ؛ وهو فانتجشت بنون وتاء ثالث الحروف وشين معجمة ، من النجش ، وهو الإسراع . قال الزمخشري : والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان ، وفي الحديث : نهى عن النجش : وهو تنفير النّاس من شيء إلى غيره ، وذكر بعضهم قولا سابعا ؛ وهو : فاحتبست بحاء مهملة وبعد التاء ثالث الحروف باء وسين مهملة من الاحتباس ، والله أعلم .
قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر ، وثبت عن ابن عمرو وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذلك ، وهو مذهب الشافعي والنعمان ، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما . قال أبو بكر : وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي عندي طاهر ، وخالف قوله هذا أبو محمد بن حزم ، فزعم أنّه منهم نجس تمسكا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن المؤمن لا ينجس ، وبقوله سبحانه : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، والله أعلم . واستنبط أبو حاتم البستي من حديث أبي هريرة أنّ الجنب إذا وقع في البئر ، وهو ينوي الاغتسال ، لا ينجس ماء البئر ، خلافا لمن قال ذلك .
وقوله : سبحان الله ، قال أبو بكر بن الأنباري في الكتاب الزاهر : معنى سبحانك : تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء ؛ أي نزهناك من ذلك ، قال الأعشى : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر . أراد : تنزيها لله من فخر علقمة ، وفي كتاب الاشتقاق للنحاس يعجب الأعشى بالتسبيح من فخره ، كما يقول القائل إذا تعجب : سبحان الله ، وقال القزاز : معناه : براءة الله من السوء ، قال الجوهري : إنّما لم ينون ؛ لأنه معرفة عندهم ، وفيه شبه التأنيث . قال ابن الأنباري : ويكون التسبيح الاستثناء ، من ذلك قوله تعالى : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ، معناه : قال : أعدلهم قولا : هلا تستثنون ، ويكون التسبيح الصلاة ، من ذلك ما روي عن الحسن أنه كان إذا فرغ من سبحته ، قال : معناه : إذا فرغ من صلاته ، ومنه قوله تعالى : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ .
قال أبو عبيدة : معنى نسبح لك : نحمدك ونصلي لك . ويكون التسبيح النور ، من ذلك الحديث : لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء . ويكون من التنزيه ؛ قال تعالى : قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا .
وقال الفراء : سُبْحَانَكَ منصوب على المصدر ، كأنك قلت : سبحت الله تسبيحا ، فجعل السبحان في موضع التسبيح ، كما تقول : كفّرت عن يميني تكفيرا ، ثم تجعل الكفران في موضع التكفير ، فتقول : كفرت عن يميني كفرانا ، قال زيد بن عمرو بن نفيل ، أو ورقة بن نوفل : سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له رب البرية فرد واحد صمد سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد . وفي الأساس : سبّحت الله وسبّحت له وكثرت تسبيحاته وتسابيحه ، ومن المجاز : وسبحى في ثلاث تعجب واسلك بسبحات وجهك . وقال أبو موسى الحافظ في كتابه المغيث : سبحان الله قائم مقام الفعل ؛ أي : أسبحه ، وسبحت أي : لفظت بسبحان الله ، وقيل : معنى سبحان الله : التسرع إليه ، والخفة في طاعته ، من قولهم : فرس سابح ، وذكر النضر بن شميل أنّ معناه : السرعة إلى هذه اللفظة ؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول : سبحان الله ، وذكر أنه سأل في المنام عن هذا ففسّر له هكذا .
وقوله : إنّ المؤمن لا ينجس ، قال أبو نصر : يقال : نجس الشيء ينجس نجسا ، فهو نجس ونجس أيضا . وقال الفراء : إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إيّاه ، قالوا : رجس نجس بالكسر ، وأنجسه غيره ونجسه بمعنى . وقال القزاز : النجس فيه ثلاث لغات : النجس بكسر النون وبفتحها ، وبفتحها وفتح الجيم ، وكل شيء قذر فهو نجس ، والجمع أنجاس ، تقول : هو نجس ، وهم أنجاس ، وفي بعض اللغات يقال للواحد : نجس ، وللجمع نجس ، وذلك إذا لم يكن على طهارة من الجنابة ، وفي كتاب ابن القوطية : وعلى فعِل وفَعُل : نجس الشيء ونجُس نجسا ، ونجاسة ضد طهر ، وفي كتاب المطالع : نجُس بضم الجيم وفتحها ، يقال : ثوب نجَس ونجِس ، وكذلك في التثنية والجمع ، والذكر والأنثي ، قاله الكسائي ، وقال غيره : إنما يقال بفتحهما ، فإذا أتبعه الرجس كسرت النون .