باب فرك المني من الثوب
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأحته عنه . هذا حديث خرجه مسلم أيضا ، وقال البزار : وحديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة قد روي من وجوه : فرواه مغيرة والأعمش وأبو معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ، ورواه منصور والحكم عن إبراهيم عن همام عنها ، ورواه ابن أبي نجيح وحميد الأعرج عن مجاهد عنها ، ورواه الزهري عن عروة عنها ، ورواه يحيى بن سعيد عن عمرة والقاسم عنها ، ورواه عنها غير من ذكرنا ، وفي الكامل من رواية أحمد بن أبي أوفى عن عباد بن منصور عن عطاء عنها : لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوبه صلى الله عليه وسلم ، ثم لا أغسل مكانه ، وقال : هذا حديث مستقيم ، وإنما أنكر - يعني على أحمد بن أبي أوفى - مخالفته أصحاب شعبة ، وقد وجدناه من غير طريق أحمد ، فسلم من المخالفة كما زعم ، قال أحمد بن منيع في مسنده : ثنا أبو قطن ، ثنا عباد بن منصور ، فذكره ، وذكره أبو جعفر الطحاوي في شرح الآثار من حديث الأوزاعي عن عطاء عنها . وذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ابن جبير عنها ، وقال : لم يروه عن سعيد إلا جعفر بن أبي المغيرة ، ولا عن جعفر إلا مندل ، تفرد به عون بن سلام ، ورواه أيضا عن أبي سفانة النخعي عنها ، وقال : لم يروه عن أبي سفانة إلا برد بن أبي زياد ، تفرد به عبثر بن القاسم ، ورواه أيضا من حديث أبي العنبس سعيد بن كثير ، قال : حدثني أبي عنها ، ومن حديث عائشة بنت طلحة ، بلفظ : ربما حككت المني .
وقال : لم يروه عن طلحة إلا كامل أبو العلاء ولا عنه إلا خالد بن يزيد ، تفرد به العباس بن محمد ، ولفظه : أفركه من ثوبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تعني : المني - . ومن حديث أبي مجلز عن الحارث بن نوفل عنها بمثله ، وفي لفظ عنده : كنت أفركه من مرط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكانت مروطنا يومئذ الصوف . وقال البيهقي في المعرفة : بين عائشة ومحارب منقطع ، ولفظه عنده : من ثياب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة ، وقال الخلال : سئل أحمد عن حديث جعفر عن الزهري عن عروة عن عائشة : كنا نراه في مرط إحدانا ثم نفركه ، فقال أبو عبد الله : ما أنكره ، وفي لفظ لابن خزيمة في صحيحه من حديث الأسود عنها : كنت أحك الجنابة من ثوبه كالنخامة ، وفي حديث محارب بن دثار عنها : أنها كانت تحتّ المني من ثوبه صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي ، وذكر الكلام في كتاب الخلال عن أحمد ، زاد حماد بن سلمة فيه زيادة حسنة : فكان يُصلِّي فيه ، وقال مهنأ : قلت لأحمد : أي شيء تنكر من حديث عباد بن منصور ؟ قال : كان يحدث عن القاسم عن عائشة : كنت أفرك المني من ثوبه صلى الله عليه وسلم .
قلت : وهذا منكر ؟ قال : نعم ، من وجه القاسم . وفي كتاب ابن حزم : روينا من طريق أبي حذيفة عن سفيان ، فمرة قال : عن الأعمش ، ومرة قال : عن منصور ، ثم استمر عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة في المني : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر بحتّه ، قال : تفرّد به أبو حذيفة موسى بن مسعود البصري ، وهو ضعيف مصحف ، كثير الخطأ ، يروي عن سفيان البواطيل ، قال الإمام أحمد : هو شبه لا شيء ، كأن سفيان الثوري الذي يحدّث عنه أبو حذيفة ليس بسفيان الذي يحدّث عنه الناس . قال ابن المنذر : اختلفوا في طهارة المني ، فممن غسله من ثوبه عمر بن الخطاب ، وأمر بغسله جابر بن سمرة وابن عمر وعائشة وابن المسيب ، وقال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجمع عليه عندنا ، وعلى هذا مذهب الأوزاعي والثوري ، غير أنّ الثوري يقدره بالدرهم ، وفيه قول ثان : وهو أنّه طاهر يفرك من الثوب .
وممن رأى أنه يفرك من الثوب : سعد بن أبي وقاص وابن عمر ، وقال ابن عباس : امسحه بأذخرة أو خرقة ، ولا تغسله إن شئت . وقال ابن المسيب : إذا صلى فيه لم يعد ، والمني عند الشّافعي وأبي ثور ليس بنجس . وقال أحمد : يفركه .
وقال أصحاب الرأي : إذا جف يحته بخرقة . قال أبو بكر : والمني طاهر ، واختلفوا في المني يصيب الثوب يخفى مكانه ، فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : يغسل ما رأى ، وينضح ما لم ير ، وقال ابن عباس : ينضح الثوب . وبه قال النخعي وحماد .
وقال عطاء : ارششه . وقالت عائشة : إن رأيته فاغسله ، وإن لم تره فانضحه . وفي مسند ابن منيع الكبير : ثنا إسحاق بن يوسف ، ثنا محمد بن قيس ، عن محارب عنها ، أنّها كانت تحت المني من ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة .
وكان ابن عمر وأبو هريرة والحسن يقولون : إذا خفي مكانه غسل الثوب كله . وفيه قول ثالث : وهو أنّ الفرك يجزئه ، فإن كان لا يدري مكانه فرك الثوب كلّه ، هذا قول إسحاق . وفيه قول رابع : وهو أنه طاهر ؛ هذا قول الشّافعي وأبي ثور ، فعلى هذا القول يجزئه إن لم يفركه ، وقال أبو محمد بن حزم : والمني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب ، ولا تجب إزالته والبصاق بمثله ولا فرق ، وقد كذب من تخرص بلا علم ، فإن قال : كانت عائشة تفركه بالماء لقولها : كنت أفركه يابسا بظفري ، قال أبو سليمان الخطابي : في قول عائشة : كنت أفرك المني ، دليل على طهارته ، ولو كانت عينه نجسة لما طهر يابسه بالفرك كالعذرة ، والله تعالى أعلم .