باب من احتلم ولم ير بللا
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا حماد بن خالد ، عن العمري ، عن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا استيقظ أحدكم من نومه فرأى بللا ، ولم ير أنّه احتلم اغتسل ، وإذا رأى أنه قد احتلم ، ولم ير بللا ، فلا غسل عليه . هذا حديث خرجه أبو عيسى ، عن أحمد بن منيع ، ثنا حمّاد بن خالد بلفظ : سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يجد البلل ، ولا يذكر احتلاما ؟ قال : يغتسل . ، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ، فلم يجد بللا ؟ قال : لا غسل عليه ، قالت أم سلمة : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل على المرأة ترى ذلك غسل ؟ قال : نعم ، إن النساء شقائق الرجال .
وقال : إنما روى هذا الحديث ، وكذلك لما رواه أبو القاسم في الأوسط ، من حديث مقدام بن داود ، عن أبي الأسود ، عن عروة والقاسم بن محمد عنها قال : لم يروه عن القاسم إلا عبيد الله بن عمر ، وأبو الأسود تفرد به عن عبيد الله ، أخوه عبد الله ، وعن أبي الأسود ابن لهيعة . انتهى . وهو كلام ملخص للترمذي ؛ لأنّ بعضهم اعترض عليه برواية أبي الأسود ، ولا يصلح ذلك ؛ لأنّ قوله : تفرد به عبد الله عن أخيه صحيح ، ولو كان قال : تفرد به عبد الله مطلقا لجاز عليه الاعتراض بهذا ، والله تعالى أعلم .
قال أبو عمر في الاستذكار : وقد روي هذا المعنى يعني : وجد الماء في النوم ملخصا من أخبار الآحاد العدول مرفوعا ، رواه عبد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة بلفظ : إنما النساء شقائق الرجال . ولما ذكره الإشبيلي ردّه بالعمري المتقدّم الذكر ، ثم قال : وهذا اللفظ : إنّما النساء شقائق الرجال ، قد روي من حديث أنس بن مالك بإسناد صحيح ، وقرر ذلك أبو الحسن من فعله ، وقال : والحديث المشار إليه ذكره البزار فقال : ثنا عمر بن الخطاب ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس : جاءت أم سليم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام ؟ ! فقالت أم سلمة : فضحت النساء يا أم سليم فقال : إذا رأت ذلك فلتغتسل ، فقالت أم سلمة : وهل للنساء من ماء ؟ قال : نعم إنّما هن شقائق الرجال ، قال : وهذا الحديث قد رواه جماعة ، عن أنس ، ولا نعلم أحدا جاء بلفظ إسحاق عن أنس ، انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث تقريره كلام أبي محمد على صحة هذا الحديث ، ولا صحة به ؛ لأن راويه محمد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني الثقفي مولاهم المصيصي ، قال أبو جعفر العقيلي : هو من ضعفاء دمشق ، وقال أبو محمد بن الأكناني : هو من مصيصة دمشق ، وأنكر ذلك بعض العلماء ، وإن كان الحسن بن ربيع قال : هو اليوم أوثق الناس ، وكان كتب عنه أبو إسحاق الفزاري ، وكان يعرف بالخير ، وسئل عنه ابن معين فقال : كان صدوقًا ، وفي رواية : ثقة . وقال ابن سعد : نشأ بالشّام ونزل المصيصة ، وكان ثقة ، وذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال : يخطئ ويغرب .
وقال صالح بن محمد جزرة : هو صدوق كثير الخطأ ، فقد قال فيه البخاري : لين جدا وضعّفه أحمد ، وقال : بعث إلى اليمن وأتي بكتابه فرواه ، وقال عبد الله بن أحمد : ذكره أبي فضعّفه جدا ، وضعّف حديثه عن معمر جدا ، وقال : هو منكر الحديث ، أو قال : يروي أشياء منكرة ، وقال عبد الرحمن : سئل أبي عنه فقال : دفع إليه كتاب الأوزاعي من حديث كان مكتوبا ، ثنا محمد ابن كثير فقرأه إلى آخره يقول : ثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، وهو محمد بن كثير المصيصي ، وأنّه حدّثه عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس قال : نظر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أبي بكر ، وعمر . الحديث . فقال : كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ ، والآن لا أحب أن أراه ؛ وكذلك قاله علي بن المديني في علله الكبرى ، وقال ابن سعد : ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره ، وقال ابن عدي : له روايات عن معمر ، والأوزاعي خاصة لا يتابعه عليها أحد ، وقال العقيلي : وقد حدث عن معمر بمناكير لا يتابع منها على شيء ، وذكره أبو العرب في كتابه الضعفاء له ، وقال ابن سعد : توفي في أواخر سنة ست عشرة ومائتين في خلافة عبد اللّه بن هارون ؛ وكذا قاله الحافظ أبو يعقوب القراب بعد تضعيفه ، وزاد: لسبع عشرة مضت من ذي الحجة ، زاد البخاري يوم السبت ، وبنحوه ذكره ابن قانع في تاريخه ويعقوب بن سفيان ، وخالف أبو داود فقال : فيما حكاه الآجري : مات سنة ثمان عشرة ، أو سبع عشرة قال : ولم يكن يفهم الحديث ، فتبيّن بهذا صحة ما قلناه ، والله تعالى أعلم .
قال أبو سليمان الخطابي : ظاهر الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البلّة ، وإن لم يتيقّن أنّها الماء الدافق ، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين منهم : عطاء ، والشعبي ، والنخعي ، وقال أحمد بن حنبل : أعجب إلي أن يغتسل إلا رجل به أبردة ، وقال أكثر أهل العلم : لا يجب عليه الاغتسال ؛ حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق ، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط ، ولم يختلفوا أنّه إذا لم ير الماء ، وإن كان قد رأى في النوم أنّه احتلم ، فإنه لا يجب عليه الاغتسال . وقوله : النساء شقائق الرجال أي نظائرهم ، وأمثالهم في الخلق والطباع ، فكأنهن يتفقن مع الرجال ولأن حواء خلقت من آدم عليه السلام . وفيه من الفقه : إثبات القياس ، وإلحاق حكم النظير بالنظير .
وأنّ الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء ، وفيه ما دل على فساد قول أهل الظاهر : أنّ من أعتق شركا له في جارية بينه وبين شريكه ، وكان موسرا ؛ فإنه لا يقوم عليه نصيف شريكه ، ولا تعتق الجارية ؛ لأنّ الحديث إنّما ورد في العبد دون الأمة ، والله تعالى أعلم .