باب ما جاء في الاستتار عند الغسل
حدثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة الحماني ، ثنا عبد الحميد أبو يحيى الحماني ، ثنا الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يغتسلن أحدكم بأرض فلاة ، ولا فوق سطح لا يواريه ؛ فإن لم يكن يرى ، فإنه يُرى . هذا حديث جمع ضعفًا وانقطاعًا : عبد الحميد أبو يحيى الحماني ، وإن وثّقه ابن معين ، وخرج عند البخاري في صحيحه ، وقال ابن عدي : يكتب حديثه ، فقد ضعفه الإمام أحمد بن حنبل ، وقال ابن سعد : كان ضعيفا ، وشيخه الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي مولاهم أبو محمد الكوفي روى عن جماعة من التابعين ، وروى عنه جماعة كثيرة ، وإن كان عيسى بن يونس قال فيه : شيخ صالح ، وقال الفلاس : رجل صالح ، صدوق ، وأثنى عليه يزيد بن هارون بما سنذكره بعد ، فقد قال البخاري : قال لي أحمد بن سعيد : سمعت النضر بن شميل ، عن شعبة قال : أفادني الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، قال أحمد : أحسبه قال سبعين حديثا ، فلم يكن لها أصل . وقال لي عبد الله بن محمد : قيل لابن عيينة : أكان ابن عمارة يحفظ ؟ فقال : كان له فضل ، وغيره أحفظ منه ، وسئل عنه عبد الله بن المبارك ، فقيل : لم تركت حديثه ؟ فقال : جرّحه عندي سفيان ، وسفيان الثوري، وشعبة ، فبقولهم : تركت حديثه ، وفي تاريخ ابن المبارك : كان لا يحفظ ، وفي لفظ : ما كنا نثق بحفظ الشيخ .
وقال أبو داود الطيالسي : قال لي شعبة : ائت جرير بن حازم فقل له : لا يحل لك أن تروي عن الحسن ، فإنه يكذب ، فقلت لشعبة : كيف ذاك ؟ قال : ثنا عن الحسن بأشياء لم يكن لها أصل ، ويحدّث بأحاديث وضعها . وقال النضر بن شميل : قال الحسن : الناس كلّهم في حل إلا شعبة . وقال أبو طالب : قال أحمد بن حنبل : هو متروك الحديث ؛ أحاديثه موضوعة ، لا يكتب حديثه ، وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم : سألت يحيى بن معين عنه ، فقال : لا يكتب حديثه ، وقال ابن أبي خيثمة عنه : ليس حديثه بشيء ، وفي رواية : يكذب .
وقال مكي بن عبدان : سمعت مسلما يقول : هو متروك الحديث ، ومثله قاله الفسوي في تاريخه ، وعلي بن الجنيد ، والرازي ، وقال عبد المؤمن بن خلف : سألت أبا علي صالح بن محمد عنه ، فقال : لا يكتب حديثه . وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال أبو حاتم : سمعت الحميدي يقول : دمر علي ابن عمارة . وقال عبد الله بن علي بن المديني : سمعت أبي ، وذكره فقال : ما أحتاج إلى شعبة فيه ، أمره أبين من ذلك ، فقيل له : كان يغلط ؟ فقال : نعم ، وذهب إلى أنه كان يضع الحديث ، وقال الدارقطني : متروك الحديث ، وقال أبو أحمد : ما أقرب قصته إلى ما قال عمرو بن علي : إنّه كثير الوهم والغلط ، وقد قيل : إنّ الحسن كان صاحب مال ، وتحول الحكم بن عتيبة إلى منزله ، فخصه بما لم يخص به غيره ، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق ، وقال ابن حبان : كان يدلس عن الثقات بما يسمع من الضعفاء ، ثم يسقط أسماء الضعفاء ، ويروي عن الثقات .
وقال الساجي : ضعيف الحديث ، متروك أجمعوا على ترك حديثه ، سمعت ابن المثنى يقول : ما سمعت يحيى ، ولا عبد الرحمن يحدثان عنه بشيء ، ولما ولي المظالم قال الأعمش : ظالم ولي المظالم ، فبعث إليه بأثواب ونفقة ، فلما أصبح قال : هكذا ولي مظالمنا من يعرف حقوقنا ، وقال ابن معين : كان ضعيفا في الحديث ، وهو ممن لا يكتب حديثه ، وقال الحربي : غيره أوثق منه ، وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور : قال يزيد بن هارون : الويل لشعبة ، والله إني لأخشى أن يكون قد لقي ذلا في الآخرة بما صنع بابن عمارة ، وإن أهل بيت الحسن يدعون اللّه تعالى عليه حتى الساعة ، وكان والله خيرا من شعبة ، لو أني وجدت أعوانا لأسقطت شعبة ، قال الحاكم : هذا كلام المشايخ الذين لا يعرفون الجرح والتعديل ، فوالله إن شعبة كان على الحق في جرحه ابن عمارة ، والحق معه ، وشعبة إمام لا يسقط بكلام أحد من الناس ، وهذا الكلام لا أعرف له راويا عن يزيد غير إبراهيم بن عبد الله الرباطي ويقال : الحمال ، وقال الطحاوي : قال جرير بن عبد الحميد : ما ظننت أني أعيش إلى زمان يحدّث فيه عن محمد بن إسحاق ، ويسكت فيه عن ابن عمارة ، وقال البزار : سكت أهل العلم عن حديثه ، وقال الجوزجاني : ساقط ، وقال الفلاس : كثير الخطأ والوهم متروك ، وذكره أبو جعفر العقيلي في كتاب ( الضعفاء ) ، وقال أبو بشر الدولابي : ثنا عبد الله بن أحمد ، عن أبيه قال : كان وكيع إذا وقفه على حديث ابن عمارة قال : أجر عليه . قال أبو بشر : وكان ابن عيينة يضعفه . ولما ذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء قال : قال لي مالك بن عيسى : إنّ أبا الحسن الكوفي ضعف ابن عمارة وترك أن يحدّث عنه ، وأما الانقطاع فهو فيما بين أبي عبيدة وأبيه ، نصّ على ذلك شعبة ، وعمرو بن مرّة ، وأبو حاتم الرازي ، وأحمد بن حنبل في رواية الحضرمي عن أبيه عنه ، وقد تقدّم ذلك قبل ، وفي الباب : حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم قال صلى الله عليه وسلم : لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل ، ولا المرأة إلى عرية المرأة .
وحديث ميمونة قالت : وضعت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماء وسترته فاغتسل . رواه أيضا مسلم ، وحديث يعلى بن أمية : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رأى رجلا يغتسل بالبراز ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله جل وعز حيي ستير يحب الحياء والستر ؛ فإذا اغتسل أحدكم ، فليستتر . روه أبو داود من جهة عبد الملك العرزمي ، عن عطاء ، عن صفوان ، عن يعلى ، عن أبيه ، وعنه عن عطاء عن يعلى تاما .
وخرجه الإمام أحمد بلفظ : فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوارى بشيء . ولما سأل ابن أبي حاتم فقال : المتصل محفوظ ؟ قال : ليس بذاك . وفي كتاب الخلال ، عن أحمد : هذا حديث منكر ، وقال الدارقطني : أنا أنكره ؛ لأنهم رووه ، عن عطاء مرسلا ، ووصله أسود ، وحديث أبي هريرة قال عليه السلام : إذا اغتسل أحدكم بفضاء من الأرض ، فمن استطاع أن لا يغتسل بفضاء من الأرض ، فإن كان لا بد فاعلا فليخط خطا .
قال أبو القاسم في الأوسط : ورواه من حديث الزهري عن أبي سلمة عنه ، لا يروى هذا الحديث عن الزهري إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عبد المجيد بن أبي رواد يعني : عن مروان بن سالم ، عن محمد بن عقيل ، عن الزهري . وحديث عائشة قالت : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دخول الحمامات ، ثم رخّص للرجال أن يدخلوها في الميازر . ورواه أبو داود بسند جيد ، وإن خالف عبد الحق .
وحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إنها ستفتح لكم أرض العجم ، وستجدون فيها بيوتا يقال لها : الحمامات ، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر . ذكره أيضا من حديث الإفريقي ، عن عبد الرحمن بن رافع عنه ، وحديث طاوس ، عن ابن عباس قال عليه السلام : احذروا بيتا يقال له : الحمام ، قالوا : يا رسول الله ، ينقي الوسخ! قال : فاستتروا . رواه البزار ، وقال عبد الحق : هو أصح حديث في هذا الباب على أن الناس يرسلونه عن طاوس ، وأما ما أخرجه أبو داود في هذا ، فلا يصح منه شيء؛ لضعف إسناده .
وحديث ميمونة قالت : وضعت للنبي - عليه السلام - ماء فسترته فاغتسل ذكره السراج في مسنده بإسناد صحيح عن إسحاق بن إبراهيم ، أنبأ موسى القارئ ، ثنا زائدة ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس عنها . وحديث ابن عباس قال : كان عليه السلام يغتسل من وراء الحجرات فما رأى عورته أحد قط ، وفي لفظ : إن الله نهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم : الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين : الغائط والجنابة والغسل ، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء ، فليستتر بثوبه ، أو بجدر حائط . رواه أيضا من حديث حفص بن سليمان المكتب عن علقمة بن مرثد ، عن مجاهد ، وحديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأى أحدكم أن يدخل الماء لا يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء ، رواه أحمد من حديث ابن جدعان عنه وهو معارض بقوله عليه السلام : لا تدخلوا الماء إلا بمئزر ، فإن للماء عامرا ذكره أبو أحمد في كامله وضعفه ، وروي عن ابن وهب ، عن ابن مهدي ، عن خالد بن حميد ، عن بعض أهل الشّام أنّ ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ، ولا نهر إلا وعليه إزار ، فإذا سئل عن ذلك قال : إن له عامرا .
وحديث الزهري ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تغتسلوا في الصحراء ، إلا أن لا تجدوا متوارى ، فإن لم تجدوا فليخط أحدكم كالدائرة ، ثم يسمي الله ويغتسل فيها رواه أبو داود في كتاب المراسيل ، وبسنده أيضا قال عليه السلام : لا يغتسلن أحدكم إلا وقربه إنسان لا ينظر أحد وهو قريب منه يكلمه . وحديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده يرفعه : إذا اغتسل أحدكم ، فليستتر بجذم حائط . رواه السلمي في كتاب الطبقات من حديث الدوري ، عن محمد بن يوسف الأشيب ، نا عاصم ، ثنا عبد السلام عنه .
وحديث برد عن مكحول ، عن عطية ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال : من اغتسل بليل في فضاء فليحاذر على عورته ، ومن لم يفعل فأصابه لمم ، فلا يلومن إلا نفسه . ذكره ابن بطال . وحديث أبي هريرة من عند الشيخين مرفوعا : وكان موسى - عليه السلام - يغتسل وحده .
الحديث ، وفي موضع آخر : كان موسى - عليه السلام - حييا ستيرا لا يكاد أن يرى من جلده شيء . ولقائل أن يقول : اغتسال موسى عليه السلام عريانا كان في خلوة تخفي عورته على بني إسرائيل حتى رأوه عريانا فبرأه الله مما قالوا ، ويزيد وضوحا ما روى البخاري : أن أيوب عليه السلام كان يغتسل عريانا وهما من الذين أمر الله أن يقتدى بهم ، فيجوز أن نغتسل عراة في خلوة لما ثبت في هذين الحديثين ، وما أسلفناه من الأحاديث في أنه لا يغتسل عريانا في خلوة تحمل على الاستحباب ، أو ترد لإرسالها وضعف سندها ، وبهذا قال : مالك ، والشافعي وجمهور العلماء إلا ابن أبي ليلى محتجا بما قدّمناه ، كذا ذكره ابن بطال ، وفيه نظر لما ذكره أبو البركات عبد السلام بن تيمية : وقد نص أحمد على كراهية دخول الماء بغير إزار ، قال إسحاق : والأزر أفضل لقول الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - وقد قيل لهما في دخولهما الماء وعليهما بردان ، فقالا : إن للماء سكانا ، قال إسحاق : وإن تجرّد رجونا ألا يكون إثما . وحديث جابر ، عن النبي - عليه السلام - : لا تدخلوا الحمام إلا بمئزر قال الآجري : سمعت أبا داود يقول : الحسن بن بشر روى عن زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، عن جابر حديثين منكرين ذكاة الجنين ، ، ولا تدخلوا الحمام إلا بمئزر فقلت له : هما عند حماد بن شعيب ، عن أبي الزبير ، فقال : حماد ضعيف .
وحديث حيان بن ضمرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : نهينا أن نري عوراتنا . ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث معاذ بن حسان ، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي ، عن من حدّث سعدا عنه ، ثم قال : أمّا هو حيان بن صخر صحف به عند عبدان وغيره .