باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ شريك ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عن عمّه عمران بن طلحة ، عن أمه حمنة بنت جحش أنها استحيضت على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : إني استحضت حيضة منكرة شديدة قال لها : احتشي كرسفا قالت له : إنّه أشدّ من ذلك إنّي أثج ثجا ؟ قال : تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام ، أو سبعة أيام ، ثم اغتسلي غسلا فصلي وصومي ثلاثة وعشرين ، أو أربعة عشرين وأخرّي الظهر وقدمي العصر واغتسلي لهما غسلا ، وأخري المغرب وعجلي العشاء ، واغتسلي لهما غسلا ، وهذا أحب الأمرين . هذا حديث لما رواه أبو داود ، عن زهير ، ومحمد بن أبي سمينة وغيرهما ، ثنا عبد الملك بن عمرو ، عن ابن عقيل بلفظ : أو أربعا وعشرين وأيامها وصومي ، فإن ذلك يجزيك ، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهنّ ، وإن قويت على أن تؤخِّري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلي فتجمعي الصلاتين الظهر والعصر ، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي ، وتغتسلين مع الفجر فافعلي ، وصومي إن قدرت على ذلك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذا أعجب الأمرين إلي .
قال : وروى هذا الحديث عمرو بن ثابت ، عن ابن عقيل قال : قالت حمنة : فقلت : هذا أعجب الأمرين إلي ، لم تجعله قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمعت أحمد بن حنبل يقول : في الحيض حديث ثالث في نفسي منه شيء يعني هذا ، . أنبأ أحمد بن صالح ، عن عنبسة بن خالد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن أم حبيبة بهذا الحديث ، وهي حمنة ، وعن زياد بن أيوب ، وعن هشيم ، عن أبي بشر ، عن عكرمة أن أم حبيبة استحيضت بنحوه ، ولما رواه أبو عيسى ، عن ابن بشار ، عن العقدي قال فيه : حسن صحيح ، قال : ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي ، وابن جريج وشريك عن ابن عقيل ، إلا أن ابن جريج كان يقول : عمر بن طلحة والصحيح عمران ، وسألت محمدا عن هذا الحديث ؟ فقال : هو حديث حسن ، وهكذا قال أحمد بن حنبل : هو حديث حسن صحيح وهو معارض بما ذكرناه قبل ، وفي العلل : قال محمد : إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة قديم ، ولا أدري سمع منه ابن عقيل أم لا ؟ ولما سئل عنه الرازي وهنه ، ولم يقو إسناده . وخرجه الحاكم من حديث عبيد الله الرقي ، وفيه : حتى إذا رأيت أنّك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي ، وفيه قال عليه السلام : وهذا أعجب الأمرين إلي ، ثم قال : قد اتفق الشيخان على إخراج حديث المستحاضة عن عائشة ، وليس فيه هذه الألفاظ التي في حديث حمنة رواية ابن عقيل ، وهو من أشراف قريش ، وأكثرهم رواية غير أنهما لم يحتجا به وشواهده حديث الشعبي ، عن قمير ، عن عائشة ، وحديث أبي عقيل ، عن بهية عنها ، وذكرهما في هذا الموضع يطول .
وخرجه أبو علي الطوسي في أحكامه من حديث شريك ، وقال فيه : حسن صحيح ، وقال أبو جعفر في المشكل : هو من أحسن الأحاديث المروية في هذا ، وصححه أيضا أبو محمد الإشبيلي ، وقال الخطابي : وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث ؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك . وقال أبو بكر البيهقي : تفرد به ابن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به ، وقال ابن منده : وحديث حمنة ( تحيضي في علم الله ستا ، أو سبعا ) لا يصح عندهم من وجه من الوجوه ؛ لأنه من رواية ابن عقيل ، وقد أجمعوا على ترك حديثه ، انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لأن الترمذي ذكر أن الحميدي ، وأحمد ، وإسحاق كانوا يحتجون بحديثه ، وأي إجماع مع مخالفتهم ، وقد أسلفنا قول البخاري وغيره في تصحيح حديثه مع تفرده به ، وليس لقائل أن يقول: كيف يحتج به أحمد ، وقد قال : إن في قلبه من حديثه شيء ؟ لأنه لم يرد إلا اختلاف الحكم لا النظر في الإسناد وإليه نحا ابن عبد البر ، وأما قول البخاري : إبراهيم بن محمد قديم ، ولا أدري سمع منه ابن عقيل أم لا ؟ ففيه نظر ؛ لأن ابن عقيل روى عن جماعة من الصحابة ، وت ، وفي سنة خمس وأربعين ومائة بعد سن عالية ، وإبراهيم توفي سنة ست عشرة ومائة فيما حكاه غير واحد منهم : علي ابن المديني ، وأبو عبيد بن سلام ، وخليفة بن خياط ، فبيّن وفاتيهما ما ترى من القرب المسوغ للرواية لا سيما وبلدهما المدينة تجمعهما ، والبخاري لم يقل لم يسمع منه خبر ما إنما هو استبعاد يقربه ما ذكرنا ، وأما قول أبي عمر ابن عبد البر ( والأحاديث في إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة ، وفي الجمع بين الصلاتين ، وفي الوضوء لكل صلاة مضطربة كلها ) ، فليس بشيء ؛ لأن اضطرابها لا يضرّها لصحة سندها ، والحديث إذا صح من طريق لا يؤثر في صحته اختلاف لفظ من طريق أخرى غير صحيحة ، بل يكون الحكم للصحيحة على غيرها ، والله تعالى أعلم . وأما قول علي بن المديني : حمنة بنت جحش هي أم حبيبة تكنى بذاك حكاه عنه عثمان بن سعيد الدارمي تابعه عنه أكثرهم بقوله : ( أحفظ أربع نسوه في هذا عن الزهري ، وقد ركن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتبين من نسائه أم حبيبة وزينب بنت جحش وتبين من ربيبته زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة ، فقد خالفهما يحيى بن معين فزعم : أن المستحاضة المكناة أم حبيبة بنت جحش ليست بحمنة ، وهذا أسلفناه عن الواقدي أنّ من قال : هذا غلط ، وكذا قاله : أبو عمرو ، وأما قول البيهقي : وحديث ابن عقيل يدلّ على أنّها غير أم حبيبة ، وكان ابن عيينة ربما قال في حديث عائشة : حبيبة بنت جحش ، وهو خطأ إنما هي أم حبيبة كذلك قاله أصحاب الزهري سواه فكذلك أيضا لما قدمناه من كلام الحربي وغيره ، وأنّ الصواب ما خطأه هنا ، وقد ذكر الحميدي عنه ، وكذا قاله الطبراني في المعجم الكبير ، وحمنة هذه كانت تحت طلحة بن عبيد الله وأنها ولدت له محمدا ، وعمران ، قاله الزبير بن بكار ، وليست أخت أم حبيبة قاله الحاكم في الإكليل ، وبنحوه ذكره شباب في كتاب الطبقات ، وأحمد بن يحيى البلاذري ، وابن سعد ، والكلبي ، وأبو عبيد في كتاب النسب وغيرهم ، وهو مما يصحح قول ابن عقيل ، عن أمه حمنة ، وأما قول العسكري : حمنة بنت جحش هي أم حبيبة ، وأخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر الجهمي أن لها أختا أخرى ، وهي أم حبيبة بنت جحش كانت تحت ابن عوف وأنّها هي التي استحيضت ، وأصحاب الحديث على أنّ حمنة هي التي استحيضت ، وهي أم حبيبة فيردّه ما حكاه عن الجهمي وهو دائبا يعتمده ، وما أسلفناه ، والله أعلم .
قال الشّافعي : وإن روي في المستحاضة حديث مُطلق فحديث حمنة يبين أنه اختيار ، وأنّ غيره يجزئ منه ، وفي باب الاستحاضة أحاديث ، من ذلك : حديث جابر بن عبد الله : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر المستحاضة بالوضوء عند كل صلاة قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن أبي أيوب الإفريقي ، يعني عن ابن عقيل ، إلا أبو يوسف القاضي ، وحديث الأوزاعي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : المستحاضة تغتسل من قرء إلى قرء . قال : لم يروه عن الأوزاعي إلا سلمة بن كلثوم تفرد به عبيد بن جناد ، وحديث فاطمة بنت قيس قالت : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المستحاضة ؟ فقال : تعتد أيام أقرائها ، ثم تغتسل لكل طهر ، ثم تحتشي ، وتصلي قال : لم يروه عن ابن جريج ، يعني عن أبي الزبير ، عن جابر عنها إلا جعفر بن سليمان ، وقال : وهي فاطمة بنت أبي حبيش قيس . قال ابن أبي حاتم ، عن أبيه : ليس هذا بشيء ، وقال البيهقي : لا تقوم عليه الحجة ، وتقدّم حديث عائشة أنّ فاطمة جاءت إليها ، وقال فيه أبو عبد الله : حديث صحيح ، ولم يخرجاه ، وحديث سودة بنت زمعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها ، ثم تغتسل غسلا واحدا ، ثم تتوضأ لكل صلاة قال : لم يروه عن الحكم يعني ابن عتيبة ، عن أبي جعفر عنها إلا العلاء بن المسيب ، ولا عن العلاء إلا حفص بن غياث تفرد به الحسن بن عيسى ، وحديث أسماء ابنة مرشد الحارثية أنها جاءت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : تنكرت حيضتي ، قال : كيف ؟ قالت : تأخذني، فإذا تطهرت منها عاودتني قال : إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثا .
ذكره البيهقي من حديث ، وفي رواية أبي بكر بن الجهم المالكي : جعله من مسند جابر بن عبد الله ، وحديث زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة كانت تهراق الدم ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة ، وتصلي خرجه أبو داود ، عن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، عن حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة قال : أخبرتني زينب قال البيهقي : خالفه يعني : حسينا هشام الدستوائي ، فأرسله عن يحيى عن أم سلمة أن أم حبيبة ، ورواه الأوزاعي عن يحيى فجعل المستحاضة زينب ، وأنّها كانت تعتكف مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهي تهريق الدم : قال : ويروى من وجه آخر عن عكرمة بخلاف هذا أنّ أمّ حبيبة ، وهو منقطع . وقال الرازي : وقال المعلم ، عن يحيى عن أبي سلمة : أخبرتني زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة ، وهو مرسل . وفي المصنف : ثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة قالت : رأيت ابنة جحش ، وكانت مستحاضة تخرج من المركن والدّم عاليه ، ثم تصلي ، وحديث زينب بنت جحش أنها قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنّها مستحاضة ؟ فقال : تجلس أيّام أقرائها ، وتغتسل ، وتؤخر الظهر ، وتعجل العصر ، وتغتسل ، وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء ، وتغتسل ، وتصليهما جميعا ، وتغتسل للفجر .
رواه النسائي ، عن سويد ، عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، ولما ذكره البيهقي أعلّه بامتناع عبد الرحمن من رفعه ؛ وذلك أنه قيل له : عن النبي عليه السلام ؟ قال : لا أحدثك عن النبي عليه السلام بشيء ، قاله النضر بن شميل وغيره ، عن شعبة . انتهى . وحديث النسائي المذكور يقضي على قوله .
وأمّا امتناع عبد الرحمن من رفعه ؛ فلأنّه سمع : ( فأمرت ) فما بقي له بأن يقول : فأمرها النبي عليه السلام ؛ لأنّ اللفظ الأول ليس بصريح في النسب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بل هو مسند بطريق اجتهادي ، فليس له أن ينقله إلى ما هو صريح ، ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يكون مرفوعا ، على ما هو معروف من أنّ هذه الصيغة مرفوعة ، وفي صحيح البخاري ما يوضحه ، عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتكف واعتكف معه بعض نسائه ، وهي مستحاضة ترى الدم ، فرّبما وضعت الطست تحتها من الدم . وكلام أبي داود يعطي أن هذه زينب بنت جحش رضي الله عنها . وفي حديث العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر أن سودة بنت زمعة استحيضت .
وفي الموطأ أن زينب بنت جحش التي كانت تحت ابن عوف استحيضت . قال السهيلي : ولم تكن زينب قط عند عبد الرحمن ، ولا قاله أحد ، والغلط لا يسلم منه بشر ، والتي كانت تحت عبد الرحمن أختها أم حبيب ، ويقال : أم حبيبة غير أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن نجاح أخبرني أن أم حبيبة اسمها زينب ، فهما زينبان غلبت على إحداهما الكنية . قال السهيلي : فعلى هذا لا يكون في حديث الموطأ وهم ، ولا غلط ، وكان اسم زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم برة ، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب ، كره أن تزكي المرأة نفسها بذلك .
انتهى كلامه ، وفيه نظر لما أسلفناه عن جماعة من العلماء أن اسم أم حبيب : حبيبة ، ومن أن قول ابن نجاح لم نره ، فهو قول شاذ لم يعزه لكتاب ، ولا لعالم قديم قط ، والله أعلم . وحديث أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثا فيه : ودم الحيض أسود خاثر ، تعلوه حمرة ، ودم المستحاضة أصفر رقيق ، فإن غلبها فلتحتشي كرسفا ، فإن غلبها فلتعلها بأخرى ، فإن غلبها في الصلاة ، فلا تقطع الصلاة ، وإن قطر ، ويأتيها زوجها ، وتصوم ، وتصلي ، رواه البيهقي من حديث العلاء بن كثير ، وهو ضعيف الحديث عن مكحول ، ولم يسمع من أبي أمامة ، وسيأتي التنبيه على وهم من وهم في نسبته . وحديث أسماء بنت عميس قلت : يا رسول الله ، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا ، فلم تصل ، فقال عليه السلام : سبحان الله ، هذا من الشيطان ، لتجلس في مركن ، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا ، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا ، وتغتسل للفجر غسلا ، وتتوضأ فيما بين ذلك ، رواه الحاكم ، وقال فيه : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ .
وممن استحيض في زمانه عليه السلام : بادية بنت غيلان ، روى حديثها القاسم بن محمد عن عائشة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله لا أقدر على الطهر . الحديث ، ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن الزهري عن القاسم إلا محمد بن إسحاق ، ولا عن ابن إسحاق إلا عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي ، تفرد به عبد الرحمن بن صالح الأزدي ، وسهلة بنت سهيل روى حديثها أبو داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة ، فلما شق عليها أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل ، والمغرب والعشاء بغسل ، وتغتسل للصبح ، ولما رواه البيهقي قال : قال أبو بكر بن إسحاق : قال بعض مشائخنا : لم يسند هذا الخبر غير محمد بن إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعا ، وخطأه أيضا في تسمية المستحاضة ، وقد اختلف الرواة في إسناده فرواه شعبة ، وابن إسحاق كما مضى ، ورواه ابن عيينة ، فأرسله ، إلا أنه وافق محمدا في رفعه . انتهى كلامه ، وفيه ما يحتاج إلى نظر .
وقال في الأوسط : لم يروه عن العلاء بن هارون ، يعني عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها إلا أسباط بن عبد الواحد ، تفرد به إدريس بن أبي الرباب ، وروي عن أبي جعفر عن أسماء بنت عميس ، يعني المذكور قبل . قال أبو عمر : وهو إجماع من علماء المسلمين نقلته الكافة كما نقله الآحاد العدول ، ولا مخالف فيه إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة ، وأما علماء السلف والخلف قاطبة بالأمصار : فكلّهم على أن الحائض لا تصلّي ، ولا تقضي الصلاة أيام حيضتها ، إلا أن من السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة ، وتذكر الله تعالى ، وتستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة ، روي ذلك عن عقبة بن عامر ، وقال : كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهن ، وقال عبد الرزاق : قال معمر : بلغني أنّ الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة ، وابن جريج ، عن عطاء لم يبلغني ذلك ، وإنه لحسن ، قال أبو عمر : وهو أمر متروك عند جماعة الفقهاء ، بل يكرهونه ، قال أبو قلابة : سألنا عنه ، فلم نجد له أصلا ، وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرفه ، وإنا لنكرهه . قوله : فاغسلي عنك الدم : هو أن تغتسل عند إدبار حيضتها وإقبال استحاضتها كما تغتسل الحائض عند رؤية طهرها ؛ لأنّ المستحاضة طاهر ، ودمها دم عرق كدم الجرح السائل ، وهذا إنّما يكون في امرأة تعرف دم حيضتها من دم استحاضتها .
قال أبو عمر : وكان مالك يستحب لها الوضوء لكل صلاة ، ولا يوجبه عليها ، كما لا يوجبه من سلس البول ، وممن أوجبه : الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي ، وهؤلاء كلّهم ، ومالك منهم لا يرون غسلا غير مرّة واحدة عند إدبار حيضتها وإقبال استحاضتها ، ثم تغسل عنها الدم ، وتصلي ، ولا تتوضأ إلا عند الحدث ، عند مالك ، وهو قول عكرمة ، وأيوب ، وكذلك التي تقعد أيامها المعروفة ، ثم تستطهر عند مالك ، ولا تستطهر عند غيره ، وتغتسل أيضا عند انقضاء أيامها واستطهارها ، ولا شيء عليها ، إلا أن تحدث حدثا يوجب الغسل ، وأما عند الشافعي ، وأبي حنيفة، والثوري ومن ذكرنا معهم : فتتوضأ لكل صلاة على حسب ما ذكرنا ، وذهبت طائفة من العلماء : إلى أن الغسل لكل صلاة واجب على المستحاضة للأحاديث السابقة ؛ ولأنه لا يأتي عليها وقت صلاة إلا ، وهي فيه شاكة : هل هي حائض ، أو طاهر مستحاضة ؟ أو هل طهرت في ذلك الوقت بانقطاع دم حيضتها أم لا ؟ فواجب عليها الغسل للصلاة ، ورووا هذا أيضا عن علي ، وابن عبّاس ، وابن الزبير وسعيد بن جبير ، وهو قول ابن علية ، وقال آخرون : عليها أن تجمع بين كلّ صلاتين كما تقدم ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وعلي ، وهو قول النخعي ، وعبد الله بن شدّاد وفرقة ، وقال آخرون : تغتسل كل يوم مرة في أي وقت شاءت من النهار ، ورواه معقل الخثعمي ، عن علي ، وقال آخرون : تغتسل من طهر إلى طهر ، رواه مالك في الموطأ عن ابن المسيب ، وكان مالك يقول : ما أرى الذي حدثني به من طهر إلى طهر إلا قد وهم . قال الخطابي : ما أحسن ما قال مالك ، ولا أعلمه قولا لأحد من الفقهاء ، وإنما هو من طهر إلى طهر ، وفيه نظر لما قال أبو عمر : ليس بوهم ؛ لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه ، رواه عنه جماعة ، وهو قول سالم ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وروي مثله عن ابن عمر ، وأنس ، ورواية عن عائشة ، وقد روي عن سعيد بن المسيب في ذلك مثل قول مالك والفقهاء .