باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها
39 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن إبراهيم بن مهاجر سمعت صفية تحدّث عن عائشة أنّ أسماء سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الغسل من المحيض ، فقال : " تأخذ إحداكن ماءها وسدرها ، فتطهر ، فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها ، فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة من مسكة ، فتطهر بها " ، قالت أسماء : كيف أتطهر بها ؟ قالت عائشة : كأنها تخفي ذلك ، تتبعي بها آثار الدم . قالت : وسألت عن الغسل من الجنابة ، فقال : " تأخذ إحداكن ماءها ، فتطهر ، فتحسن الطهور ، أو تبلغ في الطهور حتى تصب الماء على رأسها ، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تفيض الماء على جسدها . فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدّين " .
هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، وفي لفظ لمسلم : " أن أسماء بنت شكل " ، وتبعه على ذلك غير واحد ، منهم : أبو العباس الطرقي في أطرافه ، وابن بشكوال ، وأبو الفضل ابن طاهر في الإيضاح ، وابن الأثير في استدراكه على أبي عمر ، وابن فتحون ، وأبو موسى المديني في معرفة الصحابة ، ولماّ ذكرها ابن قرقول ضبط اسم أبيها بكاف ساكنة ، وأكثر النّاس على فتحها ، وأما ابن الجوزي ، فإنه اضطرب كلامه ، فذكر في مشكل الصحيحين : أنها ابنة شكل ، وقال في " التلقيح " هي بنت يزيد بن السكن : وقال الخطيب أبو بكر : هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء ، وتبعه على ذلك غير واحد ، حتى قال الحافظ الدمياطي : هذا هو الصحيح؛ لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل مستدلا بقول البخاري في هذا الحديث " أنّ امرأة من الأنصار " ، وهي شهادة على النفي ؛ لأنّ مسلمًا أثبتها ، وتبعه من أسلفناه ، أو ظهر لهم ما ظهر له ، فذكروه لا لمتابعته ، وأيا ما كان ، فلا يدفع إلا بدليل واضح ، وكون الخطيب خالف ذلك لا يقتضي وهما لاحتمال أن تكونا امرأتين سألتا عن أمر واحد كما تقدّم نظائره ، أو يكون الخطيب هو الواهم من اللام إلى النون في غير ذلك من الاحتمالات ، ويوضحه أنّ ابن سعد والطبراني وغيرهما ذكروا ابنة يزيد بأحاديث ليس فيها هذا ، وفرق ابن منده بين أسماء بنت يزيد وبين ابنة شكل ، وكذا غيره ، وذكر أبو موسى هذا الحديث في ترجمة ابنة شكل ويزيد ذلك وضوحا ، ويبرئ مسلما من التفرد ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده ، كرواية مسلم سواء ، وفي كتاب المستخرج لأبي نعيم الحافظ كذلك عن أبي جعفر محمد بن محمد ، ثنا الحسين بن محمد بن حاتم ، ثنا الوليد بن شجاع ، ثنا أبو الأحوص ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن صفية ، عن عائشة ، قالت : دخلت أسماء بنت شكل . . .
الحديث " ، قال أبو داود في كتاب التفرد ، عن إبراهيم بن مهاجر : فرصة ممسكة ، قال مسدد كان أبو عوانة يقول : فرصة ، وكان أبو الأحوص يقول : قرصة . . انتهى ، وقوله : فرصة يعني : بكسر الفاء وسكون الراء هذا هو المشهور ، وهي القطعة من الصوف ، أو غيره ، يقال : فرصت الشيء بمعنى قطعته بالفراص ، وأنكر أبو محمد بن قتيبة ذلك ، وقال : إنما هي قرضة بالقاف والضاد المعجمة : وهي القطعة ، وقال بعضهم : قرصة بفتح القاف وسكون الراء ، ثم صاد مهملة ، أي : شيئا يسيرا مثل القرصة بطرف الإصبعين ، وقوله من مسكة أي : من مسك ، وهو دم الغزال المعروف ، وقال بعضهم : من مسك بفتح الميم أي جلّد عليه شعر ، قال عياض : وهي رواية الأكثرين ، وأنكرهما ابن قتيبة ، وقال : المسك لم يكن عندهم من السعة بحيث يمتهنونه في هذا ، والجلد ليس فيه ما يتميّز من غيره ، فيخص به ، قال : وإنما أراد فرصة من شيء صوف ، أو قطن ، أو خرقة ونحوه ، وقال بعضهم : أراد قطعة من جلد عليها صوف ، والصواب : الأوّل ، وتدلّ عليه الرواية الأخرى فرصة ممسكة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها أي : قطعة من صوف ونحوها مطيبة بالمسك وروى بعضهم : ممسكة بضم الميم الأولى وسكون الثانية وسين مخففة مفتوحة ، وقيل : مكسورة أي من الإمساك ، وفي بعض الروايات : خذي فرصة ممسكة فتحملي بها ، وقيل : أراد بالممسكة الخلق التي أمسكت كثيرا كأنه السك أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به ؛ ولأنّ الخلق أصلح لذلك ، ووقع في كتاب عبد الرزاق : يعني بالفرصة السك
وقال بعضهم : هي الذريرة ، وفي الأوسط لأبي القاسم : خذي سكيكتك ، فقالت : أصنع بها ماذا ؟
وقال : لم يروه عن عطاء بن السائب ، يعني عكرمة عن عائشة ، إلا حماد بن سلمة ، تفرد به أبو عمر الضرير .
وزعم المحاملي الشافعي : أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تطيب جمع المواضع التي أصابها الدم من بدنها ، والحكمة في ذلك : تطييب المحل ورفع الرائحة الكريهة ، وقيل : لأنه أسرع إلى علوق الولد ، واختلف في وقت استعمالها لذلك ، فقال بعضهم : بعد الغسل ، وقال آخرون : قبله .
وفي صفة الاغتسال أحاديث سبق ذكرها ، ومنها حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سالم خادم النبي عليه السلام قال : " كن أزواج النبي عليه السلام يجعلن رؤوسهن أربع قرون ، فإذا اغتسلن جمعنهن على وسط رؤوسهن ، ولم ينقضنهن " .
رواه في الأوسط ، وقال : لم يروه عن جعفر إلا عمر بن هارون ، ولا يروى عن سالم إلا بهذا الإسناد .