باب وقت صلاة المغرب
حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا إبراهيم بن موسى ، نا عباد بن العوام ، عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم . هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن أبي زرعة ، نا إبراهيم بن موسى ، نا عباد بن العوام ، عن محمد بن إبراهيم به ، ويشبه أن يكون تصحيفًا من الكاتب ، وصوابه عمر بن إبراهيم كما في كتاب ابن ماجه وغيره ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإِسناد ، لما أخرجه من حديث أبي بكر بن إسحاق ، ثنا الحسن بن علي بن زياد ، أنبأ إبراهيم بن موسى ، أنبأ عباد ، عن عمر بن إبراهيم ، ومعمر ، عن قتادة ، وقال الترمذي : قد روي عنه مرفوعا وهو أصحّ ، ولما سأل مهنأ أبا عبد الله عن هذا الحديث قال : هذا حديث منكر ، وإبراهيم بن موسى من أهل الري لم يزد شيئا في تعليله ، وهو إذا حقق لم يحقق لأمرين : الأوّل : أنه متن معروف بهذا اللفظ رواه جماعة من الصحابة . الثاني : إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الرازي أبو إسحاق الفراء الصغير لا يصلح أن يكون علّة ، ولا يسأل عن حاله فإنه ممّن خرّج الشيخان حديثه في صحيحيهما على سبيل الاحتجاج ، وكان أحمد نفسه ينكر على من يقول له الصغير ، ويقول : هو كبير في العلم والجلالة ، وقال أبو زرعة : هو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة وأصحّ حديثا منه .
لا يحدّث إّلا من كتابه لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه ، وكتب عنه مائة ألف حديث ، وهو أتقن وأحفظ من صفوان بن صالح ، وقال أبو حاتم : من الثقات وهو أتقن من أبي جعفر الجمال ، وقال الخليلي : ومن الجهابذة الحفاظ الكبار العلماء الذين كانوا بالريّ ويقرنون بأحمد ويحيى ، وأقرانهما: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الفراء ارتحل إلى العراق واليمن والشّام أثنى عليه أحمد بن حنبل ، ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخه قال : ثقة مأمون ، ووثَّقه النسائي وغيره ، وقد أوضح ابن ماجه أمر هذا الحديث بقوله : سمعت محمد بن يحيى يقول : اضطرب النّاس في هذا الحديث ببغداد ، فذهبت أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عبّاد بن العوام ، فأخرج إلينا أصل أبيه ، فإذا الحديث فيه ، وليس لقائل أن يقول : لعلّ أحمد إنما أعله بكون عمر بن إبراهيم قال فيه أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، وقال أبو أحمد بن عديّ : يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها ، وقال ابن حبان حين ذكره في كتاب الثقات : يخطئ ويخالف ، لأنه ممن قال فيه هو نفسه : ثقة لا أعلم إلا خيراً ، وقال يحيى بن معين : ثقة ، وقال مرة : صالح ، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث : ثقة ، وفوق الثقة ، وقال الدارقطني : لا يترك ، ولأنا أسلفنا متابعًا له وهو معمر ، فلا حاجة لنا إلى النظر في حاله لو كان ضعيفاً ، وأما ما وقع في أصل ابن ماجه: عمرو بن إبراهيم ، وكذا هو في مسند الدارمي فغير صحيح والصواب عمر ، والله أعلم ، وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك حديث أنس بن مالك قال : كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نرمي فيرى أحدنا موضع نبله . رواه أبو داود بإسناد صحيح ، عن داود بن شبيب ، عن حماد عن ثابت عنه ، ولفظ ابن وهب في مسنده ، عن عمرو بن الحارث ، ويونس ، وابن سمعان ، عن ابن شهاب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب . وزعم بعضهم : أنه معارض بما رواه ابن البيع في تاريخ نيسابور ، عن أبي الطيب محمد بن عبد اللّه بن المبارك ، ثنا أحمد بن معاذ السلمي ، نا إسماعيل بن الفضل قاضي جرجان ، ثنا يحيى ، عن عقبة بن أبي العيزار ، عن محمد بن جحادة عنه بلفظ : ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب قط حتى يفطر .
وليس كذلك ، لأنه محمول على شرب الماء ، أو أكل تمرة وذلك لا يكون مؤخرًا للصلاة بحال ، وحديث مرثد بن عبد الله قال : قدم علينا أبو أيوب غازيًا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر ، فأخر المغرب ، فقام إليه أبو أيوب ، فقال : ما هذه الصلاة يا عقبة قال : شُغلنا ، قال : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال أمتي بخير ، أو قال على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم . رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب عنه ، وفي لفظ : أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال أمتي بخير ولما خرج الحاكم هذا اللفظ قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وقال ابن أبي حاتم : سئل أبو زرعة ، فقال : خولف ابن إسحاق في هذا: فرواه حيوة ، وابن لهيعة ، عن يزيد ، عن أسلم أبي عمران التجيبي ، عن أبي أيوب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم . قال أبو زرعة : حديث حيوة أصح ، وحديث كعب بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب ، ثم يرجع الناس إلى أهليهم بني سلمة وهم يبصرون موقع النبل حين يرمى بها .
ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث موسى بن أعين ، عن إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه ، وقال : لم يروه عن إسحاق إّلا ابن أعين ، ورواه في موضع آخر من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن الزهري ، وقال : لم يروه عن يحيى إّلا عمر بن حبيب القاضي تفرّد به أبو زائدة زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أحمد بن عثمان الأودي ، نا بكر بن عبد الرحمن ، نا عيسى بن المختار ، عن إسماعيل بن أمية ، عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه سأل أباه عنه ، فقال : هذا خطأ إّنما يروى عن الزهري ، عن ابن كعب أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل ، وحديث أبي طريف قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حاصر الطائف ، فكان يصلي بنا صلاة البصر حتى لو أنّ رجلاً رمى بسهم لرأى موضع نبله . قال الميموني : رواه أحمد ، عن أزهر بن القاسم الراسبي ، ثنا زكريا بن إسحاق ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي شميلة قال أحمد ، وقال غيره : ابن سميرة ، عن أبي طريف به ، قال أحمد : صلاة البصر صلاة المغرب ، وقال مهنأ: قلت لأحمد : حدثوني عن عبد الأعلى ، عن زكريا بن إسحاق ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة ، فقال أحمد : ما علمت أحدًا قال شميرة ، وبلغني عن بشر بن السري أنه قال : سميرة وكفاك به . يعني : بشر ، أرسله عن عبد الأعلى ، فقال : قد لقيناه وبشر بن السري أثبت منه ، وحديث جابر بن عبد الله قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم نأتي بني سلمة ونحن نبصر مواقع النبل .
رواه أحمد ، وفي كتاب الدارقطني من حديث حاتم بن عباد ، ثنا طلحة بن زيد ، ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه بلفظ : كان عليه السلام لا يلهيه عن صلاة المغرب طعام ، ولا غيره . نا محمد بن القاسم بن زكريا ، ثنا أبو كريب ، نا محمد بن ميمون الزعفراني ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : ذكرت لجابر تأخير المغرب من أجل عشائه ، فقال : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليؤخر صلاة لطعام ، ولا غيره . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن جعفر إلا محمد ابن ميمون ، وفيما أسلفناه ردّ عليه ، وقال ابن شاهين : هذا حديث غريب ، ومحمد هذا أبو حمزة السكري ، وحديث السائب بن يزيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم .
رواه الدارقطني أيضًا عن هارون بن معروف ، أنبأ ابن وهب ، حدثني عبد اللّه بن الأسود القرشي أنّ يزيد بن خصيفة حدّثه عنه ، وحديث رجل من الصحابة من أسلم أنهم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم يرجعون إلى أهليهم أقصى المدينة ، ثم يرمون فيبصرون مواقع نبلهم . رواه النسائي بإسناد صحيح عن ابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي بشر قال : سمعت حسان بن بلال يعني : الموثق ، عند ابن المديني وغيره فذكر عنه ، وحديث زيد بن خالد الجهني قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم ينصرف حتى يأتي السوق ، وإنه ليرى مواقع نبله . رواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث صالح مولى التوءمة عنه ، وحديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال أمتي بخير ، أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم .
رواه أبو داود ، كذا قاله المجد في أحكامه ويشبه أن يكون وهما ؛ لأن أبا داود لم يرو حديث عقبة منفردا ولعله استنبطه من حديث أبي أيوب ، وقوله : أما سمعت النبي عليه السلام ، فقال : نعم ، وقد تقدم ، وحديث أم حبيبة بنت أبي سفيان بنحوه ذكره أبو علي الطوسي الحافظ ( رحمه الله تعالى ) ، وهذه الأحاديث تدلّ على استحباب تعجيل صلاة المغرب ، ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا ما حكي عن الشيعة ، وهو شيء لا يلتفت إليه ، ولا أصل له إلا ما لعله يكون مأخوذا من حديث معاذ المخرج عند ابن حبان أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة . ومن حديث أبي بصرة المذكور قبل من عند مسلم ، وذكر العصر ، ثم قال : ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ، والشاهد النجم ، وهذان الحديثان يدلان على الجواز لا على الفضيلة ، ولا خلاف في ذلك ، وأما حديث عبد العزيز بن رفيع المذكور في مراسيل أبي داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عجلوا بصلاة النهار في يوم الغيم وأخروا المغرب . فمراده ، والله أعلم استبانة غيبوبة الشّمس حتى يتمكَّن الوقت لا نهايته ، ولهذا قال البغوي : أصح الأقوال : أنّ لها وقتين ، وآخر وقتها : إلى آخر غيبوبة الشّفق ، ومذهب أبي حنيفة : أنّ وقتها ممتد إلى أن يغيب الشفق ، احتجاجا بحديث عبد الله بن عمرو ، والمغرب ما لم يسقط ثور الشّفق ، وفي رواية: نور ، وبحديث أبي هريرة : وأول وقت المغرب حين تغيب الشمس وآخرها حين يغيب الشفق .
وبحديث الأعرابي الذي أمره النبي عليه السلام بالصلاة معه يومين ، وأنه صلى المغرب في اليوم الثاني حين كاد الشفق يغيب ، إلى غير ذلك من الأحاديث ، قال الدارقطني : اعتبرت الأحاديث في المواقيت عن ذكر للمغرب الوقت الواحد ، فبإمامة جبرائيل عليه السلام ، وأبو موسى وبريدة وغيرهما يحكون الوقتين فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وقوله : فصار متأخرا فيجب الأخذ به ، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر : آخر وقتها أن يغيب الشّفق ، لقوله عليه السلام : لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى ، وقال في الإشراف : اختلفوا في وقت المغرب ، فكان مالك ، والأوزاعي ، والشافعي يقولون : لا وقت للمغرب إّلا وقتا واحدا إذا غابت الشمس ، وفيه: قول يأتي، وهو أنّ وقت المغرب إلى أن يغيب الشّفق، هذا قول الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، وقد روينا عن طاوس أنه قال : لا يفوت المغرب والعشاء حتى الفجر ، وروينا عن عطاء أنه قال : لا يفوت المغرب والعشاء حتى النّهار ، والله أعلم ، وأما الرافضة فمذهبهم : تأخيرها حتى تشتبك النجوم قاله الشعبي وقال : وهي نزعة يهودية .