حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمام

باب إفراد الإقامة

حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد ، حدثني معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال : حدثني أبي محمد بن عبيد الله ، عن أبيه عبيد الله ، عن أبي رافع قال : رأيت بلالا يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى ، ويقيم واحدة . هذا حديث سبق التنبيه على ضعفه في كتاب الطهارة ، وقد وردت أحاديث تعارض ما أسلفناه ، من ذلك : حديث أبي محذورة من عند ابن خزيمة ، وعلمه يعني النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة مثنى مثنى : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . رواه عن يعقوب الدورقي ، ثنا روح ، ثنا ابن جريج ، أنبأنا عثمان بن السائب ، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عنه ، وثناه محمد بن رافع ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا ابن جريج ، حدثني عثمان ، عن أبيه السائب ، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة ، وحدثنا يزيد بن سنان ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج ، حدثني عثمان بن السائب ، أخبرني أبي ، وأم عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبي محذورة ، وهذا حديث الدورقي ، وقال في آخره : وقال يزيد بن سنان : الإقامة كذكر الدورقي سواء ، وقال ابن رافع : وإذا أقمت فقلها مرتين ، وقد تقدم عند ابن ماجه عنه صحيحا أيضا ، والإقامة سبع عشرة كلمة ، وخرجه ابن الجارود بنحوه ، وفي كتاب الترمذي ، وقال فيه : حسن صحيح : الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة ، وكذا هو في صحيح البستي ، وقد تقدم طرف منه مفصلا قبل - والله أعلم - وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري قال : لما رأى الأذان أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : علمه بلالا ، فقام بلال ، فأذن مثنى مثنى ، وقعد قعدة .

قال ابن خزيمة في صحيحه ، وأما ما روى العراقيون عن ابن زيد في تثنية الإقامة فغير ثابت من جهة النقل ، وقد خلطوا في أسانيدهم التي رووها ، فرواه الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد ثنا سلم بن جنادة ، ثنا وكيع عنه ، ورواه ابن أبي ليلى ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن زيد . ورواه المسعودي ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ . وكذا رواه أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن عمرو ، ورواه حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى مرسلا ، لم يقل : عن ابن زيد ، ولا عن معاذ ، ولا ذكر أحدا من الصحابة .

وكذا رواه شعبة ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى ، وسمعت محمد بن يحيى يقول : ابن أبي ليلى لم يدرك عبد الله بن زيد . قال أبو بكر : فهذا خبر العراقيين الذي احتجوا به عن ابن زيد في تثنية الأذان والإقامة ، وفي أسانيدهم من التخليط ما بينت ، وابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ ، ولا من ابن زيد ، فغير جائز أن نحتج بخبر غير ثابت على أخبار ثابتة . انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأول : حديث ابن أبي ليلى الذي سقته أنت بلفظ : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم متصل صحيح ، إذ من المعلوم في الاصطلاح الحديثي ، أن جهالة اسم الصحابي الذي شهد له التابعي المشهور بها لا يضر إجماعا ، ولهذا قال ابن حزم : وهذا إسناد في غاية الصحة .

الثاني : ما ذكره من التخليط غير ضائر ، إذ الاختلاف الضار لا بد أن يكون عن ضعيف ، ومتى لم يكن كذلك فغلط الغالط ، ورواية الضعيف لا تكون سببا لضعف رواية الحافظ ، ولا تناقض بين قوله ثنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو أصحابنا ، وكذلك لا يعارضه أن يرسله مرة ، أو يذكره عن معاذ مرة ، لا سيما وذلك لم يتأت هنا إلا من الآخذين عنه ، لا منه . الثالث : مجيئه صحيحا من غير رواية ابن أبي ليلى ، وهو ما ذكره البيهقي في الخلافيات من حديث أبي العميس قال : سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد يحدث عن أبيه ، عن جده : أنه رأى الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مثنى مثنى ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرته فقال : علمهن بلالا ، ، ومحمد أبوه صحح حديثه ابن خزيمة ، وكذا سماعه من أبيه فيما أسلفناه ، وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن زيد ، قال : سمعت أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى ، وأما ما ذكره البيهقي من أن عبد الله بن زيد استشهد يوم أحد ، فالروايات عنه كلها واهية فغير صواب لأمرين : الأول : تناقضه هو في هذا بقوله : ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان أصح من هذا ، يعني خبر محمد بن عبد الله بن زيد ، قال : لأن محمدا سمع من أبيه ، ومحمد لم يذكره في الصحابة أحد فيما علمت . الثاني : قوله : إنه استشهد بأحد ، واستدل على ذلك برواية إبراهيم بن حمزة ، ثنا عبد العزيز ، عن عبيد الله بن عمر قال : دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز فقالت : أنا ابنة عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان ، وشهد بدرا ، وقتل يوم أحد ، فقال عمر : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا قال الحاكم : فهذه الرواية الصحيحة تصرح بأن أحدا من هؤلاء لم يلق عبد الله بن زيد انتهى كلام الحاكم ، وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله : هذه الرواية الصحيحة ، وليست كذلك ؛ لانقطاع ما بين عبيد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ؛ لكونه ليس في طبقة من يشافه عمر بالرواية ، ولا رأيت من نص عليه .

الثاني : ذهوله هو عن هذه الحكاية الصحيحة على زعمه فلم يذكر عبد الله بن زيد في المستشهدين بأحد في سائر الروايات التي ساقها في كتاب الإكليل و المستدرك . الثالث : إجماع الرواة على أنه كان في الفتح معه راية بني الحارث حتى قال ابن سعد وابن عقبة والأموي وأبو معشر ، وغيرهم : وشهد أحدا ، والخندق ، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر ابن سعد ، عن ابنه محمد بن عبد الله : أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة ، وهو ابن أربع وستين سنة ، وصلى عليه عثمان بن عفان . الرابع : المحفوظ والذي عليه المؤرخون أن عمر بن عبد العزيز قال : هذا لما وفد عليه عاصم بن عمر بن قتادة الفقيه ، فسأله عمر عن نسبه ؟ فقال : أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أيما رد .

وقد جاء ذلك أيضا في طرق عن بلال أنه أذن كذلك . من ذلك : رواية البكائي ، عن إدريس الأودي ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، رواها الدارقطني بسند صحيح ، عن محمد بن مخلد ، ثنا إبراهيم بن محمد من أصله العتيق ، ثنا إبراهيم بن دينار قال : وثنا ابن مخلد ، ثنا أبو عون محمد بن عمرو بن عون ، ومحمد بن عيسى الواسطيان قالا : ثنا زكريا بن يحيى ، قال : ثنا ، ، وغيره ، وقال في الأوسط : لم يروه عن إدريس إلا زياد ، وروى معمر ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود مثل ذلك . وكذلك رواه النخعي قال البيهقي : هما منقطعان ، وروى سويد بن غفلة : أن بلالا كان يثني الأذان والإقامة .

قال الحاكم : سويد بن غفلة لم يدرك بلالا ، وإقامته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، فإرسال الخبر بذلك ظاهر . انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إن الطحاوي لما ذكره في شرحه صرح بقول سويد : سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى ، ويقيم مثنى . وفي الأسرار لأبي زيد الدبوسي : رأيته يؤذن ببطحاء مكة ، فعلى هذا يكون متصلا ؛ لأنه دخل المدينة كبيرا مسلما ، يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم ، فبالضرورة سمع أذان بلال ؛ لأن المشهور أن بلالا رحل إلى الشام في خلافة أبي بكر كما قدمناه ، وقيل في أيام عمر ، وأيا ما كان فقد سمع بلالا يؤذن بذلك يوم الوفاة ، وقبل الاجتماع على أبي بكر حتى لا يقول قائل لعل أبا بكر ، أو غيره أمره بذلك ، وفي الخلافيات من حديث الحجاج بن أرطاة ، عن حماد عن إبراهيم ، عن ثوبان قال : كان يؤذن يعني بلالا مثنى مثنى ، ويقيم مثنى مثنى ، قال البيهقي : وهذا لا يثبت من أوجه : أحدها : أن إبراهيم لم يلق ثوبان .

الثاني : . الثالث : الحجاج ضعيف ، وروى أبو جحيفة ما يعضده قال : أذن بلال للنبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى ، وأقام مثل ذلك . ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء ، ورده بزياد البكائي فقط ، وزياد لا يصلح أن يكون علة لحديث لا سيما وله فيه غير متابع ، وموقوف علي بن أبي طالب أنه قال : الأذان مثنى مثنى ، وإنه سمع مؤذنه يقيم مرة فقال : اجعلها مثنى .

ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن هشيم ، عن عبد الرحمن بن يحيى ، عن الهجنع بن قيس عنه ، وعن أبي هريرة قال : كان بلال إذا أراد أن يقيم ، قال : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمك الله . رواه في الأوسط من حديث كامل أبي العلاء ، عن أبي صالح عنه ، وقال : لم يروه عن كامل إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة عنه ، وعن وكيع ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع : أن سلمة كان يثني الإقامة . وثنا عفان نا عبد الواحد بن زياد ، ثنا حجاج بن أرطأة ، ثنا أبو إسحاق : كان أصحاب علي ، وأصحاب عبد الله يشفعون الأذان والإقامة .

وفي كتاب الطحاوي ، من حديث فطر بن خليفة ، عن مجاهد : في الإقامة مرة مرة ، إنما هو شيء استخفه الأمراء ، وفي لفظ : قلت لمجاهد : الأمراء يقيمون مرة مرة ، قال : إنما ذلك شيء استخفه الأمراء ، الإقامة مرتان . وفي الأسرار لأبي زيد : أول من أفرد الإقامة معاوية . وعن عون بن أبي جحيفة نحوه ، وفي الخلافيات من جهة حماد ، عن إبراهيم : أول من نقص التكبير في الصلاة ، وخطب قبل الصلاة في العيدين ، وجلس على المنبر ، ونقص الإقامة معاوية بن أبي سفيان .

قال الحاكم : هذا دليل على إفراد الإقامة فإنه قال : نقض - بالضاد المعجمة - ونقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لما رواه يحيى بن أبي طالب ، فتبين أن النقص هناك بالصاد المهملة ، الذي هو ضد الزيادة ، فقال : ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم : كان أذان بلال ، وإقامته مثنى مثنى حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة . وأما قوله عن معاوية : إنه أول من قدم الخطبة على الصلاة فمردود بما في الصحيح أن مروان بن الحكم فعل ذلك ، اللهم إلا أن يحمل ما في الصحيح على أن معاوية أمر مروان بفعل ذلك إذ يبعد في العادة استقلال مروان بذلك من غير مراجعة إمامه ، وحديث ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أفرد الإقامة فليس مني .

ذكره الجوزقاني في كتابه ، وقال : هذا حديث باطل ، وفي إسناده من المجهولين غير واحد . اختلف الناس في إفراد الإقامة وتثنيتها ، فحكى البيهقي ، عن الشافعي أنه قال : سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . قال الشافعي : وحسبتني سمعته يحكي الإقامة خبرا كما يحكي الأذان .

قال البيهقي : وروينا عن عبد الله بن الزبير الحميدي ، عن إبراهيم بن عبد العزيز قال : أدركت جدي ، وأبي ، وأهلي يقيمون فيقولون ، فذكر هذه الإقامة . ثناه أبو سعيد الإسفرائيني ، ثنا أبو بحر البربهاري ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا الحميدي فذكره ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ ، ثنا أبو زرعة : أن محمد بن المسيب بن إسحاق أخبرهم ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، بخسروجرد ، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، أخبرني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، أخبرني جدي عبد الملك مثله ففي بقاء أبي محذورة وأولاده على إفراد الإقامة ، دلالة ظاهرة على وهم وقع فيما روي في حديث أبي محذورة من تثنية الإقامة ، وأن الحديث في تثنية كلمة التكبير ، وكلمة الإقامة فقط ، فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها . وفي رواية حجاج بن محمد ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، يعني ما أسلفناه من حديثه ، عن عثمان بن السائب ، أخبرني أبي ، وأم عبد الملك ، عن أبي محذورة قال : وعلمني الإقامة مرتين ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله .

ما يدل على ذلك ، وإن كانت محفوظة في جميع كلماتها ، ففيما ذكرنا دلالة على أن الأمر صار بعد ذلك إلى إفراد الإقامة ، ولولا ذلك لم يقروا عليه في حرم الله عز وجل ، ثم إن أولاد سعد القرظ في حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا على ذلك . قال الشافعي : فإن جاز أن يكون ذلك غلطا من جماعتهم والناس بحضرتهم ، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسألنا عن عرفة ، وعن منى ثم يخالفنا ، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به . وفي السنن الكبير عن ابن خزيمة : الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة من جنس الاختلاف المباح إذ قد صح كلا الأمرين ، فأما تثنية الأذان ، والإقامة فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الأمر بهما ، قال البيهقي : وفي صحة التثنية في كلمات الإقامة سوى التكبير ، وكلمتي الإقامة نظر ، وفي اختلاف الروايات ما يوهم أن يكون الأمر بالتثنية عائدا إلى كلمتي الإقامة ، وفي دوام أبي محذورة وأولاده ، وسعد وأولاده ، ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما ، أو يقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده في الحرمين إلى أن وقع التغيير في أيام المصريين .

وزعم الحازمي أنهم قالوا : حديث خالد الحذاء ظاهر في النسخ ؛ لأن بلالا أمر بالإفراد أول ما شرع الأذان ، وأما حديث أبي محذورة فكان عام حنين ، وبين الوقعتين مدة مديدة ، وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم ، فرأوا أن الإقامة فرادى ، وإلى هذا المذهب ، ذهب ابن المسيب ، وعروة ، والزهري ، ومالك ، وأهل الحجاز ، والشافعي ، وأصحابه ، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، والأوزاعي ، وأهل الشام ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، وأحمد بن حنبل ، ومن تبعهم من العراقيين ، ويحيى بن يحيى ، وابن راهويه ، ومن تبعهم من الخراسانيين ، وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس ، وقالوا : أما حديث أبي محذورة فالجواب عنه من وجوه منها : أن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا ، وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحات على ما قررناه في مقدمة الكتاب ، وغير مخفي على من الحديث من صناعته ، أن حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس في جهة واحدة في الترجيح فضلا عن الجهات كلها . ومنها : أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة ، ولو قدرنا أنها محفوظة وأن الحديث ثابت ، كانت منسوخة بدليل ما ذكره الأثرم ، قيل لأبي عبد الله : أليس حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال : أليس قد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأقر بلالا على أذان ابن زيد؟! . وفي لفظ : ولكن أذان بلال هو آخر الأذانين انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إنه قال : من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا ، وأقوم إلى آخره ؛ لأنه ليس من شرط الناسخ ما ذكر ، بل يكفي أن يكون صحيحا متأخرا معارضا غير ممكن للجمع بينه وبين معارضه ، فلو فرضناهما متساويين في الصحة ، ووجد ما ذكرناه من الشروط ثبت النسخ ، وأما أن يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا يسلم ، نعم .

لو كان دونه في الصحة لكان فيه نظر ، وهذا الذي ذكرته هو الذي مشى عليه هو في كتابه ، من ذلك ما ذكره منسوخا من عند البخاري : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال : نعم . بحديث حسنه هو ، إلى غير ذلك من الأحاديث ، وكذا فعله ابن شاهين ، وقبله الأثرم ، وتبعهم على ذلك الخرقي - والله تعالى أعلم - وأما قوله : فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها فهو ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا ، وإنما يقوي احتماله إذا نظر إلى لفظ عام أو مطلق في ألفاظ الإقامة كرواية من روى : مثنى ، مثنى ، وأما ما فيها من الروايات حكاية ألفاظ الإقامة لفظة لفظة فتبعه هذا الظن ، قال أبو عمرو : كقول أبي حنيفة يقول الثوري ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن ، وجماعة التابعين والفقهاء بالعراق متوارث عندهم بالعمل قرنا بعد قرن ، وقال الأثرم عن أحمد : من أقام مثنى مثنى لم أعنفه ، وليس به بأس ، وكذلك قاله إسحاق الحنظلي ، وداود ، وأبو محمد بن حزم قالوا : لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع ذلك ، وعمل به أصحابه - رضي الله عنهم - ومن هذا الباب إذا كان مسافرا : هل له الاقتصار على الإقامة أم لا ؟ فروى عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان لا يؤذن في شيء من الصلوات في السفر ، ولا يقيم إلا الصبح ، فإنه كان يؤذن ويقيم . خرجه أبو عبد الله من حديث نعيم بن حماد ، عن عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه ، وقال : صحيح الإسناد .

فقد احتج مسلم بعبد العزيز ، ومحمد بنعيم ، وهو المشهور ، من فعل ابن عمر ، وفي سنن البيهقي الكبير : عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر أؤذن في السفر؟ قال : لمن يؤذن ؟ للفأر ؟! قال الشيخ : هذا الذي ذهب إليه ابن عمر يحتمل لولا حديث أبي سعيد في الأذان بالبادية . انتهى ، وكذا حديث مالك بن الحويرث مثله ، وأما الأذان والإقامة للمرأة ، فروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس ، عن ليث ، عن عطاء ، عن عائشة : أنها كانت تؤذن ، وتقيم ، وتؤم النساء . ومن حديث عبد الله بن داود الخريبي ، حدثنا الوليد بن جميع ، عن ليلى بنت مالك ، وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري ، عن أم ورقة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها ، وأمر أن يؤذن لها وتقام ، وتؤم أهل دارها في الفرائض .

قال أبو عبد الله : قد احتج مسلم بالوليد بن الجميع ، وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثا مسندا غير هذا ، ورواه ابن الجارود في منتقاه ، ولما ذكره الحافظ ضياء الدين رجح صحته ، وقال أبو موسى في كتاب الصحابة : وروي الحديث عن عبد العزيز ، عن الوليد ، عن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أم ورقة : أنها استأذنت ، ورواه وكيع ، عن الوليد ، عن جدته ، وعبد الرحمن ، عن أم ورقة ، ورواه جماعة عن الوليد ، عن جدته ، لم يذكروا عبد الرحمن . قال البيهقي : وفي حديث ابن ثوبان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كنا نصلي بغير إقامة . قال أبو بكر : وهذا إن صح مع حديث ليث ، فلا يتنافيان لجواز فعلها هذا مرة ، وذاك أخرى ، ويذكر عن جابر أنه قيل له : أتقيم المرأة ؟ قال : نعم .

ومن حديث نافع ، عن ابن عمر : ليس على النساء أذان ولا إقامة ، ولا جمعة ، ولا اغتسال جمعة . قال البيهقي : . وروينا في الأذان والإقامة ، عن أنس بن مالك موقوفا ، ومرفوعا ، ورفعه ضعيف ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب ، والنخعي ، وابن سيرين .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث