باب المساجد في الدور
حدثنا يحيى بن حكيم ، ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن أنس بن سيرين ، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود ، عن أنس بن مالك قال : صنع بعض عمومتي للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما ، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إني أحب أن تأكل في بيتي ، وتصلي فيه ، قال : فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول ، فأمر بناحية منه فكنس ، ورش فصلى ، وصلينا معه . قال ابن ماجه : الفحل الحصير الذي قد اسود . هذا حديث إسناده صحيح ، وقد تقدم في كتاب الطهارة صلاته - عليه السلام - في بيت أم سليم ، وفي كتاب الصلاة صلاته - صلى الله عليه وسلم - في الأماكن التي اتخذت مساجد .
غريبة : الدار مؤنثة ، وإنما قال الله تعالى : وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ فذكر على معنى المثوى ، والموضع كما قال : نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا فأنث على المعنى ، وأدنى العدد : أدر ، والهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة ، ولك ألا تهمز والكثير : ديار مثل : جبل ، وأجبل ، وجبال ، ودور أيضا مثل : أسد ، وأسد ، ذكره الجوهري ، وفي الجامع : الدور : الأرض ، والدور : القبائل ، وفي الحديث : ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد . وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا أنبئكم بخير دور الأنصار . والخزيرة : اللحم يقطع صغارا ، ثم يطبخ بالماء والملح ، فإذا أميت طبخا ، ذر عليه الدقيق فقصر به ، ثم أدم بأي أدام شيء ، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم ، وقيل الخزيرة : مرقة وهو أن تصفى بلالة النخالة ، ثم تطبخ ، وقيل : الخزيرة والخزير : الحساء من الدسم ، والدقيق .
قال : فتدخل أيد في حناجر أقنعت لعادتها من الخزير المعرف . ذكره ابن سيده ، وفي الصحاح : الخزير ، والخزيرة : أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارا ، فإذا أنضج ذر عليه الدقيق ، وإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة . وفي غريب ابن قتيبة : وقيل : هي حساء من دقيق ودسم ، وفي البخاري ، عن النضر ، والتهذيب للأزهري ، عن أبي الهيثم : إذا كان من دقيق فهي حريرة ، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة ، وقال ابن سيده : وقيل : الحريرة هي : الدقيق الذي يطبخ بلبن .
والفحل : حصير ينسج من فحال النخل يعني ذكره ، والجمع : فحول ، وزعم أبو حنيفة أن أبا عمرو الشيباني قال : لا يقال فحل إلا في ذي الروح . وكذلك قاله أبو نصر ، قال أبو حنيفة : والناس على خلاف هذا ، وقال أبو عبيد : هو الحصير المرمول من سعف النخل ، وقال شمر : قيل له ذلك ؛ لأنه مسوى من الفحل من النخيل ، فتكلم به على التجوز ، كما قالوا : يلبس الصوف والقطن ، وإنما هي ثياب تغزل منهما ، وأما منزل عتبان فكان في بني سالم بن عوف . وفي كتاب الطبراني من حديث ابن أبي أويس ، عن أبيه ، عن ابن شهاب ، عن محمود عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه يوم السبت ، ومعه أبو بكر ، وعمر ، وفي رواية : فأتاني ، ومن شاء من أصحابه ، وأما ما ورد في بعض الطرق أنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : إني أحب أن تأتيني .
وفي بعضها : بعث إليه ؛ فيحتمل أنه أرسل إليه أولا ، ثم مشى إليه بعد . وقوله : أنكرت من بصري . وفي رواية : أنا ضرير البصر .
وفي رواية : أعمى . وفي رواية : أصابني في بصري بعض الشيء يحتمل أن يريد فأنكرت ، وأصابني في بصري بعض الشيء ذهاب البصر كله ، ويحتمل أنه ذهب معظمه ، وسماه عمى لقربه منه ، ومشاركته إياه في فوات بعض ما كان حاصلا في حال السلامة . وأما قوله : السيل يحول بيني ، وبين مسجد قومي حمله بعضهم على جواز الصلاة في المساجد التي حول المدينة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي كتاب الطبراني ما يدفع هذا التأويل ، وإن كان الأول جائزا لكن من غير هذا الحديث يؤخذ وهو ما رواه من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك : فلا أستطيع أن أصلي معك في مسجدك ، وفي قوله : أتخذه مصلى ، إباحة له في أن يصلي في بيته لعذره ، وفي تعيينه - عليه السلام - موضعا للصلاة إشعار بأن قوله : ولا يوطن الرجل موضعا في المسجد ، محمول على من فعل ذلك رياء وسمعة - والله أعلم - .