باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد
حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، أنبأنا عبد الله بن وهب ، أخبرني حيوة بن شريح ، عن محمد بن عبد الرحمن الأسدي أبي الأسود ، عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد ، أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا رد الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه أيضا ، زاد الترمذي : إذا رأيتم من يبيع ، أو يبتاع في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك . وفي الباب : حديث جابر قال : جاء رجل ينشد ضالة له في المسجد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدت .
رواه النسائي ، عن محمد بن وهب ، ثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، حدثني زيد ، عن أبي الزبير عنه ، وحديث جبير بن مطعم قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنشد في المسجد الضالة ، رواه أبو نعيم من حديث سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثني أبي عنه ، وحديث ابن مسعود وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فغضب ، وسبه فقال رجل : ما كنت فحاشا قال : إنا كنا نؤمر بذلك ، رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عاصم ، عن أبي عثمان عنه ، وحديث أنس بن مالك : أن رجلا دخل المسجد ينشد ضالة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدت ، رواه أبو قرة موسى بن طارق السكسكي في سننه عن موسى بن عقبة ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عنه . يقال : نشدت الضالة : إذا طلبتها ، وأنشدتها : إذا عرفتها هذا هو الفصيح ، وحكى اللحياني في نوادره : نشدت الضالة نشدة ، ونشدة ، ونشدانا أي : طلبتها ، وأنشدتها ، ونشدتها : إذا عرفتها ، وأنشدت الضالة : أنشدها إنشادة ، إذا عرفتها ، وقال الأصمعي : في كل شيء رفعت به صوتك ، فقد أنشدت به ضالة كانت أو غيرها ، وفي المجرد لكراع : نشدت الضالة طلبتها ، وأنشدتها بالألف عرفتها لا غير ، وكذا قال أبو عبيد في الغريب المصنف ، وأنشد لأبي دؤاد : ويصيخ أحيانا كما استمع المضل لصوت ناشد . كذا ذكره ، ولم أجده في نسختي من شعر أبي دؤاد التي هي بخط ابن الطبال .
قال الأصمعي : يقال في الناشد هنا أنه المعرف ، ويقال : بل الطالب ؛ لأن المضل يشتهي أن يجد مضلا مثله ليتعزى به ، وفي المحكم أنشدها : استرشد عنها ، زاد القزاز : نشدتها أنشدتها نشدا ، وأنا ناشد ، وأنشدتها إنشادا ، وأنا منشد . وأما من قال في بيت أبي دؤاد أنه المعرف ، فليس كذلك ؛ وإنما هو الطالب ، واستدل قوم على أن المنشد الطالب بقوله - صلى الله عليه وسلم - وذكر مكة شرفها الله تعالى : ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، قالوا : معناه : لا تحل لقطتها إلا لطالبها ، وهو ربها ، وهو الأفصح على ما ذكرنا ؛ لأن الطالب إنما يقال له : ناشد ، ولا يقال له : منشد يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد : أيها الناشد غيرك الواجد : ومعنى الأول عند بعض اللغويين : أن لقطة مكة لا تحل أبدا ، فكان قوله : لا تحل لقطتها يريد البتة فلقن إلا لمنشد ، وهو يريد المعنى الأول ، ومثل هذا أن يقول الرجل : والله لا أكلمك فيقول الآخر : إن شاء الله ، فيقول ذلك ، وهو لا يريد فينفسخ يمينه ، ولكن لقن شيئا فلقنه ، ومعناه : لا يحل للملتقط منها إلا إنشادها ، وذكر بعضهم أن معناه : لا تحل حتى يعرف بها ، والأول أحسن ، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يقال للناشد ذلك عقوبة له على مخالفته ، وعصيانه ، وفعله ما نهي عنه من ذلك ، والله وتعالى أعلم .