باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا
حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قال: فثبتوا . هذا حديث مسند في الاصطلاح الحديثي، وسنده صحيح . زاد عبد بن حميد في تفسيره: فقالوا: بل نثبت مكاننا وقد رواه أيضًا أبو سعيد الخدري بلفظ: شكت بنو سلمة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: منازلكم فإنّها تكتب آثاركم أخبرنا به المسند الفقيه فتح الدين الجودري - رحمه الله - عن أبي الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسن - رحمه الله - عن أبي الفضل الميهني، عن أبي الحسن علي بن أحمد المفسر أنبأنا الشريف إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسين الطبري أنبأنا جدي أنبأنا عبد الله بن محمد بن الشرقي، ثنا عبد الرحمن بن بشر، ثنا عبد الرزاق أنبأنا الثوري، عن طريف بن شهاب، عن أبي نضرة عنه .
وقال أبو عيسى : ورواه، عن محمد بن وزير عن إسحاق الأزرق، عن الثوري: هذا حديث حسن غريب . ورواه الكشي في تفسيره فقال: عاينت فيه ضعف طريف وأنه لم يضبط: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن طريف، عن أبيِ نضرة، عن أبي سعيد: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قال: الخطا وآثارهم . فلو كان أبو سعيد رواه، عن النبي لما وسعه خلافه، والله أعلم .
ولفظ البزار: فقال لهم النبي: أحسبه قال: منازلكم منها تكتب آثاركم . رواه عن ابن وزير كالترمذي . وفي البخاري، عن أبي موسى قال عليه السلام: أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم ممشى .
وفي الأوسط، عن ابن عمر : قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن ميسرة المسجد قد عُطِّلت فقال: من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر وقال: لم يروه، عن نافع إلا ليث بن أبي سليم، ولا عن ليث إلا عبيد الله بن عمرو . وتفرد به عمرو بن عثمان . وفي كتاب الثواب لآدم، عن الحسن قال: أرادت بنو سلمة أن ينقلهم النبي .
الحديث مرسل، رواه عن المبارك بن فضالة عنه، وثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال عليه السلام: قد كنت هممت أن أحول رجالا ممن يلي المسجد ممن لا يشهد الصلاة، ثم نظرت في ذلك إلى ديار قوم أبعد منهم ممن لا يشهد الصلاة، فرأيت الأبعد فالأبعد أعظمهم أجرا فتركتهم . وفي صحيح مسلم عن جابر قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم . وفي لفظ: قال جابر: كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: إنّ لكم بكل خطوة درجة .
غريبه: الوقع، قال الهروي: هو أن يصيب الحجارة القدم فيوهنها، يقال: وقعت أوقع وقعًا . وفي المثل: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع . وفي المحكم: وقع الرجل والفرس وقعًا فهو وقع: حفي من الحجارة أو الشوك، وقد وقعه الحجر، وحافر وقيع: وقعته الحجارة، فغضت منه، وقدم موقوعة: غليظة شديدة، وطريق موقع: مذلل، ورجل موقع: قد أصابته البلايا .
وفي الصحاح: الوقع بالتسكين: المكان المرتفع من الجبل . عن أبي عمرو: والوقع بالتحريك: الحجارة واحدتها: وقعة، والوقع أيضا: الحصى . وفي الجامع: حفي من مشيه على الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفاء .
والطنب: حبل الخباء، والجمع: أطناب يقال: خباء مطنب، ورواق مطنب أي مشدود بالأطناب، قال أبو نصر: وفي المحكم: هو حبل طويل يشد به البيت والسرادق بين الأرض والطرائق، وقيل: هو الوتد، والجمع: طنبة، قال القزاز: يريد ما أحب أن يكون بيتي مشدودا قريبا من بيته، قال: والطنب: طنب الخباء وغيره: وهو الحبل يُشدّ إلى وتد . وسلمة: واحدة السلم، وهي شجر العضاه، قال أبو حنيفة: هو سلب العيدان طولا، يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دُقاق طوال حاد إذا أصاب رجل الإِنسان، وله برمة أي: زهرة صفراء، وكلّ شيء منها مر، وورقتها مرّة يدبغ بها . وفي السلم ضرب هذا المثل: لأعصبنكم عصب السلمة وليس في العضاه أصلب عيدانا منها، ومنه يقتطعون العصي، والغُبُط، والأوتاد، والمبارم، وهو مغزل ضخم .
وقال غير أبي زياد: السلمة: أطيب العضاه ريحا . وقال أعرابي: ليس شجرة أردى من سلمة، قال: ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط، ويجمع أيضًا أسلاما، قال رؤبة: كأنما حين أطلقا من ذات أسلام عصيا شققا وقال بعض الرواة: أرض مسلوماء: إذا كانت كثيرة السلم . وفي كتاب اقتباس الأنوار: سلمة من السلام وهي الحجارة .
وفي كتاب الصحاح: وسلمة بكسر اللام: اسم رجل، وبنو سلمة: بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة غيرهم . انتهى كلامه . وفيه نظر؛ لما ذكره ابن حبيب في كتابه: المؤتلف والمختلف والوزير أبو القاسم المغربي، وابن ماكولا: سلمة في الأنصار، وسلمة بن عمرو بن ذهل بن مران بن جعفي، وسلمة بن نصر بن غطفان بن قيس من جهينة، كل سلماتهم بالكسر .
وفي كتاب النوادر لأبي علي هارون بن زكريا الهجري من فصائل عمير بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم: سلمة بجر اللام، مثل الذي في الأنصار، ولا يزيدون على أربعة وعشرين رجلا، وسلمة بجيلة من كهلان . ذكره أبو عبد الله الأزدي في كتاب الترقيص، عن الكلبي بكسر اللام، وسلمة في كندة وهو ابن الحارث، قال الأزدي: ذكر الباهلي أنّه سمع أبا عبيدة يقول في هذا: سلمة بكسر اللام . قال القرطبي: وهذه الأحاديث تدل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار المسجد هل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختلف فيه، فذكر عن الحسن أنه كرهه، قال: وهو مذهبنا .
وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان . وقال أبو عبد الله ابن لبابة: لا يدع مسجده، وإنّما فضل الجامع في صلاة الجمعة فقط، وذكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن بعد موضعه . وروي عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى القديمة، وفعله مجاهد، وأبو وائل، ويرد هذا ما ذكره أبو القاسم من حديث عبادة بن زياد الأسدي، ثنا زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال عليه السلام: ليصل أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد .
وقال: لم يروه عن زهير إلا عبادة، وذكره أبو أحمد من حديث مجاشع بن عمرو، عن عبيد الله، وقال: كذا رواه كثير بن عبيد، وابن مصفى، عن بقية، عن مجاشع، عن عبيد الله، وغيرهما جعل بين مجاشع وعبيد الله منصور بن أبيِ الأسود، ومجاشع صالح الحديث .