باب الاعتدال في السجود
حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اعتدلوا في السجود، ولا يسجد أحدكم وهو باسط ذراعيه كالكلب . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وفي الباب: حديث عائشة من عند مسلم مطولا، وفيه: وينهى - يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وسيأتي في الباب بعد، وحديث أبي هريرة من عند ابن خزيمة من حديث دراج عن ابن حجيرة عنه يرفعه: إذا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه وحديث البراء من عند مسلم قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك . وحديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نقرة الغراب وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان قال الحاكم : هذا حديث صحيح لما قدمت ذكره من التفرد عن الصحابة بالرواية، وخرجه ابن خزيمة أيضًا في صحيحه، ويعارض هذا ما خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: شكى أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيى .
وفي لفظ قالوا: يا رسول الله إن تفريج الأيدي في الصلاة يشق علينا، فأمرهم أن يستعينوا بالركب وقال الحاكم لما خرجه: صحيح على شرط مسلم، وزعم أبو داود في كتاب السنن أنَّ هذا كان رخصة، وقال الترمذي، وذكره في باب ما جاء في الاعتماد إذا أطال في السجود: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الليث عن ابن عجلان، وقد روى هذا الحديث ابن عيينة وغير واحد عن سمي عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو هذا، وكأنّ رواية هؤلاء أصح من رواية الليث، وقال أبو حاتم الرازي : الصحيح النعمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسل . وفي الأوسط من حديث سعيد بن جبير عن أبي هريرة : أوصاني خليلي بثلاث، ونهاني عن ثلاث فذكر حديثا فيه: ونهاني إذا سجدت أن أقعي إقعاء القرد، أو أنقر نقرة الغراب، أو ألتفت التفات الثعلب وقال: لم يروه عن سعيد إلا حبيب بن أبي ثابت، ولا عن حبيب إلا ليث بن أبي سليم، ولا عنه إلا موسى بن أعين، تفرد به المعافى بن سليمان، وفي علل الخلال عن ابن مسعود قال: هوت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا، حتى سجدوا على المرافق، قال أحمد : قد تركه الناس، وزعم القرطبي أن افتراش السبع لا شك في كراهة هذه الهيئة، واستحباب نقيضها وهو التجنيح المذكور في الأحاديث، والحكمة في كراهة تلك واستحباب هذه أنه إذا جنح كان اعتماده على يديه فيخفّ اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه ولا جبينه، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض، ولا يتشوش في الصلاة بخِلاف ما إذا بسط يديه فإنه يكون اعتماده على وجهه، فحينئذ يتأذى بملاقاة الأرض، ويخاف عليه التشويش، وفي شرح النووي: وروي تنبسط بزيادة التاء المثناة من فوق، والله أعلم.