باب ما يقال عند التشهد والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حدثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل: ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ! فقال: حولها ندندن وخرجه أيضًا في الدعوات بنحوه . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه عن يوسف بن موسى بلفظه، وزاد الدندنة: الكلام الذي لا يفهم، وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي الباب أحاديث لا تحصى كثرة؛ منها: حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وحديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم . وفي لفظ: ما صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة بعد أن أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾إلّا يقول فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي خرجاهما في صحيحيهما .
وحديث ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات خرجه مسلم . وحديث عائشة، وقال لها فروة بن نوفل: حدثيني بشيء كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به في صلاته، فقالت: كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل رواه النسائي، وهو في مسلم من غير ذكر: الصلاة . وحديث محجن بن الأدرع قال: دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد وهو يقول: اللهم إني أسألك بالله الأحد الصمد الذي ﴿لم يلد ولم يولد ﴾ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال: قد غفر له ثلاثا .
رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الصمد عن أبيه عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن حنظلة بن علي عنه، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، وقال أبو القاسم ابن عساكر في كتاب الأطراف: رواه مالك بن مغول، عن ابن بريدة، عن أبيه . وحديث شداد بن أوس: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأستغفرك لما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم رواه أحمد في مسنده عن رجل من بني حنظلة قال: صحبت شدادا فذكره، ولفظ النسائي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في صلاته: رواه بإسقاط الحنظلي . وحديث عمار بن ياسر: وصلى صلاة، فأوجز فيها فأنكروا ذلك، فقال: ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، ومن فتنة مضلّة، اللهم زينا بزينة الإِيمان، واجعلنا هداة مهتدين رواه النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن أبيه عنه، وحديث ثوبان الآتي بعد من عند ابن ماجه .
وحديث أبي طلحة قال: جاءت أم سليم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي، قال: تسبحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا وكبّريه عشرا، ثم سليه حاجتك يقل: نعم خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقال الحاكم وخرجه من حديث أنس أن أم سليم به: صحيح على شرط مسلم، وحديث عبيد بن القعقاع قال: رمق رجل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي فجعل يقول في صلاته: اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني رواه الإِمام أحمد في مسنده، أما الحديث الأول فقال بوجوبه ابن حزم وغيره، وفيه إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق أجمعين، وقد أسلفنا بطلان قول من زعم أن المعتزلة خالفت في ذلك، وقوله: من فتنة المحيا والممات أي الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار والمساءلة في القبر، فكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل الثبات فيهما، وأراد أن يقتدي به أمته؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معافى من جميع ذلك . وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون تعوذ من ذلك لأمته، وزعم أبو الخطاب ابن دحية رحمه الله تعالى أن المسيح الدجال مشتق من الكذب، وقيل: من طلي البعير بالقطران، سمي بذلك لتغطيته الحق، وقيل: لضربه نواحي الأرض، وقيل: لوطئه جميع البلاد إلا ما خصّ بالحديث، وقيل: لأنه يغير الناس بشره، وقيل: لأنه يحرق، وقيل: لأنه يموه، وقيل: مأخوذ من ماء الذهب الذي يطلى به الشيء، فيحسن ظاهره بخلاف باطنه، وقيل: الدجال فريد السيف، وسمي مسيحا لأنه ممسوح العين، وقيل: لجولانه في الأرض، قال: ومنهم من يقرأه بكسر الميم وتثقيل السين، وحكى الأزهري: مِسِّيح بالتّشديد على وزن فِعِّيل وعن أبي عمرو: منهم من قاله بالخاء المعجمة وذلك كله عند أهل العلم خطأ، وقيل عنه: مسيحا: لا عين له ولا حاجب، قيل: سمي الدجال مسيحا شبه بالدرهم الأطلس الذي لا نقش عليه، والله تعالى أعلم، وقد ذهب أبو حنيفة وأحمد - رحمهما الله تعالى - إلى أنّه لا يجوز أن يدعو في الصلاة، إلا بالأدعية المأثورة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن وبالقياس على ردّ السلام وتشميت العاطس، ويردّه ما في سنن النسائي وغيره مما أسلفناه مرفوعا ثم ليدعو لنفسه بما بدا له، وهذا هو مذهب الشافعي ومالك والثوري وأبي ثور، وإسحاق، رحمهم الله تعالى.