باب ما يقطع الصلاة
حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود شيطان قال: قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه، وقال الشافعي في الجواب عن هذا فيما حكاه البيهقي: لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة. . فذكره، وكان مخالفًا هذه الأحاديث، وكان كلّ واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن أن يترك إن كان ثابتًا إلّا بأن يكون منسوخًا حتى نعلم، ونحن لا نعلم المنسوخ الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد بأن يكون محفوظا، وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى وعائشة بينه وبين القبلة، وصلى وهو حامل أمامة، ولو كان ذلك يقطع الصلاة لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلى إلى غير سترة، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث، وقد قضى الله تعالى أنه لا تزر وازرة وزر أخرى والله أعلم .
يدل على أنَّه لا يبطل عمل رجل عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه، وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره، قال البيهقي : حديث أبي ذر صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به، وله شواهد عن أبي هريرة وابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد اشتغل - يعني: الشافعي - بتأويله في رواية حرملة وهو منه أحسن، فقال في حديث: يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار قال: يقطع عن الذكر الشغل بها، والالتفات إليها؛ لا أنها تفسد الصلاة، وذكر معناه في سنن حرملة، وقواه واحتج بحديث عائشة، وابن عباس والذي يدلّ على صحة هذا التأويل؛ أنَّ ابن عباس أحد رواة قطع الصلاة، بذلك روي عنه أنه حمله على الكراهة، وذلك فيما رواه سماك عن عكرمة: قيل لابن عباس: أيقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فما يقطع هذا؟ ولكن يكره . وفي كتاب أبي نعيم الفضل: ثنا ابن عيينة عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: ادرؤوا عن صلاتكم ما استطعتم، وأشد ما يتقى عليها الكلاب . وثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة وعن ابن طاوس قال: كان أبي يشدد في الكلاب، ثنا ابن عيينة عن أيوب عن بكر المزني أنّ ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه قال البيهقي: وروينا عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وعائشة وغيرهم: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي .
انتهى، في كتاب أبي نعيم عن سعد بن أبي وقاص كذلك، وكذلك هو أيضا عن الحسن، وحذيفة بن اليمان، وعطاء، وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عمرو بن العاص، والشعبي، قال: وثنا يونس عن مجاهد عن عائشة أنها قالت: لا يقطع صلاة المسلم إلا الهر الأسود، والكلب البهيم . انتهى، وفي هذا ردّ لما ذكره البيهقي، وقال الطحاوي: أجمعوا أن مرور بني آدم بعضهم ببعض لا يقطع الصلاة، وروي ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير وجه من حديث عائشة، وأم سلمة، وميمونة: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي، وكلّ واحدة منهن معترضة بينه وبين القبلة وكلها ثابتة، وقد أفتى ابن عمر: أنّ الصلاة لا يقطعها شيء . وقد روي عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درء المصلي من مر بين يديه قال أبو جعفر: فدلّ ذلك على ثبوت نسخ عنه عليه الصلاة والسلام وأنه على وجه الكراهة، وقال في المشكل: وأما حديث المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي مما يلي باب بني سهم، والنَّاس يمرون بين يديه، وليس بينه وبين الطواف سترة فليس مخالفا لما روي من النهي عن المرور بين يدي المصلي؛ لأنّه إنما هو في الصلاة إلى الكعبة ومعاينتها، والنهي عن المرور بين يدي المصلي إنّما هو فيمن يتحرى الصلاة في الكعبة إذا غاب عنها، وبينهما فرق، وزعم ابن شاهين: أنه ناسخ لحديث النهي .
وفي كتاب النسائي بسند منقطع عن العباس قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام ليس بينه وبين الطواف أحد . قوله على أتان وهي الأنثى من الحمر،وفي رواية: على حمار أتان، ضبطه الأصيلي على النعت أو البدل منونين، وقال ابن سراج: أتان: وصف الحمار، ومعناه: صلب قوي مأخوذ من الأتن وهي الحجارة الصلبة، والحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير، وقد يكون على الإضافة أي: على حمار أنثى، وكذا وجد في بعض الأصول، وفي مختصر السنن: عن يونس وغيره، أتان، وأتانة، وعجوزة، وفرسة، وعقربة، ودمشقة في دمشق، وزعم ابن الأثير: أنَّ مراده تعيين الأتان، ليعلم أن الأنثى من الحمر لا يقطع الصلاة فكذلك المرأة، ولا يقال: أتانة، وإن كان قد ورد في بعض الأحاديث، وفي المحكم: الجمع: أَتُن وأُتُن وأُتْن، والمأتونا اسم للجمع، واستأتن الحمار صار أتانا، واستأتن أتانا اتخذها، وبوب البخاري لحديث ابن عباس: سترة الإمام سترة من خلفه وقال الأبهري: سترة المأموم سترة إمامه ؛ لأن المأموم تعلقت صلاته بصلاة إمامه، ولا يعارضه ما رواه أبو داود، عن مولى ليزيد، عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على حمار وهو يصلي فقال: قطع علينا صلاتنا، قطع الله أثره، فما مشيت عليها بعد . وعن سعيد بن غزوان عن أبيه أنّه قال: نزلت بتبوك وأنا حاج، فإذا رجل مقعد فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدّث به ما سمعت أني حي: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: هذه قبلتنا ثم صلى إليها فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: قطع صلاتنا، قطع الله أثره فما قمت عليها إلى يومي هذا ؛ لأن الأول في سنده رجل مجهول، والثاني: في غاية الضعف، قاله ابن القطان وغيره، ونكارة المتن فإن دعاءه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن ليس له بأهل إنما هو زكاة ورحمة، وفي كتاب الحازمي: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء، وقال جماعة منهم: هذه الأحاديث وإن حملناها على ظواهرها فهي منسوخة بحديث ابن عباس؛ لأنه في حجة الوداع، فيكون بعد حديث ابن نمران بمدّة، وممن ذهب إلى هذا القول: عثمان، وعلي، وعائشة، وابن عباس، وابن المسيب، والشعبي، وعبيدة، وعروة، وإليه ذهب أبو حنيفة، وسفيان، وأهل الكوفة، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأصحابه، وأكثر أهل الحجاز، انتهى كلامه، حكى الخطابي: أن عائشة ذهبت إلى أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وبه قال أحمد وإسحاق، وروى أبو داود، عن الفضل بن عباس : أتانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في بادية، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بالا ذلك قال الخطابي : في سنده مقال، وضعفه أيضًا غير واحد منهم: الإشبيلي وابن القطان، وعند الدارقطني: فصلى لنا العصر فما بالى بهما، ولا ردَّهما وروى أيضًا من حديث عمر بن عبد العزيز، عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي زمعة: سبحان الله سبحان الله، فلما قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من المسبح آنفا؟ قال: أنا يا رسول الله: إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، فقال: لا يقطع الصلاة شيء وقال: اختلف في إسناده، والصواب: عن عمر مرسل، وروى الأشيب، عن شعبة، عن عبيد الله، عن سالم، عن أبيه أنه قال: كان يقال: لا يقطع صلاة المسلم شيء .
وعند الحاكم : وزعم أنه على شرط مسلم لاستشهاده بعبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي هريرة مرفوعا: الهرة لا تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت وفي سنن أبي الحسن من حديث عفير بن معدان ، وهو ضعيف ، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة يرفعه: لا يقطع الصلاة شيء وفي الأوسط من حديث علي سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يقطع الصلاة شيء إلا الحدث وقال: لم يروه عن حضين بن المنذر إلا أبو سنان ضرار بن مرة، والله تعالى أعلم بالصواب . كذا في المطبوع ، والظاهر أن المصنف تبع في ذلك عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى 1 / 344 وقد تعقب عبدَ الحق في ذلك ابنُ القطان في بيان الوهم والإيهام 5 / 539 وما بعدها فقال : هَذَا نَص مَا ذكر، وَهُوَ خطأ لَا شكّ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب .. . إلخأ.هـ إلى أن قال في بيان الانقطاع المقصود : قَالَ سُفْيَان: كَانَ ابْن جريح أخبرنَا عَنهُ، قَالَ: حَدثنَا كثير عَن أَبِيه، فَسَأَلته، فَقَالَ: فَلَيْسَ من أبي سمعته، وَلَكِن من بعض أَهلِي عَن جدي انْتهى مَا ذكر أَبُو دَاوُد .
وَفِيه بَيَان الِانْقِطَاع الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابه الْكَبِير[أي عبد الحق في الأحكام الكبرى] من عِنْد أبي دَاوُد، وَتبين مِنْهُ أَن رِوَايَة ابْن جريح مُنْقَطِعَة، فَإِنَّهُ ذكر أَن سُفْيَان رَاجع كثيرا وَسَأَلَهُ مِمَّن سَمعه، فَأخْبر أَنه لم يسمعهُ من أَبِيه، وَإِنَّمَا حَدثهُ بِهِ بعض أَهله . أ.هـ والله أعلم