باب ادرأ ما استطعت
حدثنا هارون بن عبد الله الحمال والحسن بن داود المنكدري قالا: ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين وقال المنكدري: فإن معه العُزَّى . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، ولفظه في الأوسط : إذا كنت تصلي، فأراد رجل أن يمر بين يديك فردّه، فإن عاد فردّه، فإن عاد فردّه، فإن عاد الرابعة فقاتله، فإنما هو الشيطان وقال: لم يروه عن قتادة - يعني: عن نافع - إلّا ابن أبي عروبة تفرد به النضر بن كثير، وفي كتاب الدارقطني من حديث إبراهيم بن يزيد، عن سالم عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فادرءوا ما استطعتم وفي المستدرك: وزعم أنّه على شرط مسلم: لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدَا يمر بين يديك.. . الحديث .
وعند الدارقطني من حديث ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعا: لا يقطع الصلاة كلب، ولا حمار، ولا امرأة، وادرأ ما مرَّ أمامك . وفي مراسيل أبي داود عن قبيصة بن ذؤيب أن قطا أراد أن يمر بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي فحبسه برجله ولما ذكره ابن القطان أعلّه براويه عبد الله بن أبي مريم ، قال: لأنّ حاله مجهولة ، وفي كتاب أبي نعيم: ثنا زهير عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بادر هرة أن تمرّ بين يديه وهو يصلي وثنا أبو خالد به، قلت لأبي العالية: أصلي فيمر السنور بين يدي، فهل يقطع الصلاة؟ فقال: إذا صليت ما أحب أن يمر بين يدي شيء ولا فأرة، إن الإِنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول . وفي مسند أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن عبد الله ابن عمرو قال: بينا نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعض أعلى الوادي نريد أن نصلي قد قام، وقمنا إذ خرج حمار من شعب أبي دب، شعيب أبي موسى، فأمسك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يكبر، وأجرى إليه يعقوب بن زمعة حتى ردّه .
وفي كتاب الصلاة للدكيني: ثنا بشير بن مهاجر قال: رأيت أنسا وهو جالس في صلاته لم ينصرف، فجاء رجل يريد أن يمر بينه وبين السارية فأماطه . وثنا جعفر بن برقان عن يزيد الفقير قال: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر فلم أر رجلا أكره أن يمر بين يديه منه، وفي رواية صالح بن كيسان عنه: فلا يدع أحدا يمر بين يديه يبادر برده قال عياض رحمه الله تعالى: أجمعوا على أنّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم لا؟ هذا فيه مذهبان للعلماء: وهما قولان في مذهب مالك، وفي كتاب ابن التين: قال ابن شعبان: عليه الدية كاملة في ماله، وقيل: الديّة على عاقلته، قال عياض: واتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه لرده، وإنّما يدافعه ويردّه من موقفه؛ لأنّ مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنّما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنّما يردّه إذا كان بعيدا منه بالإشارة والتسبيح، واتفقوا على أنه إذا مر لا يردّه لئلا يضيف مرورًا ثانيا إلا شيئا روي عن بعض السلف: أنَّه يردّه، واختلفوا إذا جاز بين يديه وأدركه هل يرده أم لا؟ فقال ابن مسعود: يرده، ويروى ذلك عن سالم والحسن، وقال أشهب: يردّه بإشارة، ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه أشد من مروره بين يديه، فإن مشى إليه ورده لم تفسد صلاته، وزعم ابن العربي أنّ بعض الناس غلط فقال: إذا صلى إلى غير سترة فلا يدع أحدًا يمر بين يديه بمقدار رمية سهم، وقيل: رمية حجر، وقيل: رمية رمح، وقيل: بمقدار المطاعنة، وقيل: بمقدار المضاربة بالسيف، وحريم المصلي سواء وضع بين يديه سترة أو لم يضعها بمقدار ما يشتغل قائمًا وراكعا وساجدًا لا يستحق من الأرض كلّها سواها وسائر ذلك لغيره . وفي كتاب المنذري: يحتمل أن يكون قوله: فليقاتله، يعني فليلعنه، وقد جاءت المقاتلة بمعنى اللعن قال تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ وإلى هذا نحا غيره من الأئمة .
وفي كتاب ابن التين قيل: معناه: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه، وقيل: يدفعه دفعا أشدّ من الردّ منكرا عليه، وحكي عن أبي حنيفة: إذا دفع المار بطلت صلاته، وهو قول الشافعي في القديم، وفي التمهيد: العمل القليل في الصلاة جائز نحو: قتل البرغوث، وحكّ الجسد، وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم تكن المتابعة والطول، والمشي إلى الفرج إذا كان ذلك قريبًا، ودرء المار بين يدي المصلي، وهذا كله بما لم يكثر، فإن كثر أفسد، وضمن عمر بن عبد العزيز رجلًا دفع آخر، وهو يصلي، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه، والصحيح عندنا: أنّ الصلاة لا يقطعها ما يمر بين يدي المصلي بوجه من الوجوه، ولو كان خنزيرًا، وإنما يقطعها ما يفسدها من الحدث وغيره مما جاءت الشريعة به، وقال الثوري: يمر الرجل بين يديّ يتبختر فأمنعه ويمر الضعيف فلا أمنعه.