بَاب اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . ( بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَوْلُهُ : ( اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَالْقِيَاسُ وَالسُّنَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى تَشْمَلُ قَوْلَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وفعله وتقريره ؛ فكل ذلك من الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهَا وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى الْأَخْذُ بِمُقْتَضَاهَا فِي تَمَامِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ مِنَ الْإِبَاحَةِ وَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ الْمَسْلُوكَةَ لَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فيشمل تمام الدين سواء أثبت بالكتاب أَوْ بِالسُّنَّةِ ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَخْذُ بِهَا ، وَالسُّنَّةُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الدَّلِيلِ وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ الْمَدْلُولُ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تُنَاسِبُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَبَعْضُهَا أَنْسَبُ بِالْمَعْنَى الْأَخِيرِ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ فَإِنَّ قَوْلَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ أَرْفَقُ بِتَمَامِ الدِّينِ الْمَتِينِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَلَا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا الْآيَةَ ، وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَقَدْ أَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَجَادَ حَيْثُ بَدَأَ هَذَا الْكِتَابَ الْمَوْضُوعَ لِتَحْقِيقِ السُّنَنِ السُّنِّيَّةِ بِهَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ الْأَخْذَ بِهَا مَدَارُهُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ السُّنِّيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ تَمَامُ الدِّينْ ، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ الدِّينَ سَوَاءٌ كَانَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ يَحْتَاجُ طَالِبُهُ إِلَى السُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ بَيَانُهُ بِالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْكِتَابِ عَنْهَا ، وَلِذَلِكَ تَرَاهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ ؛ فَيَقُولُ : لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ ، وَيَقُولُ : لأنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهَ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَسْتَنِدُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ . قَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ نَشَأَ مِنْ تَعْظِيمِ عَظِيمٍ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِالْكِتَابِ هَذَا مَعَ الْكِتَابِ ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَى الْحَدِيثِ وَإِذَا سَمِعَ حَدِيثًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ : لَا عَلَيَّ بِأَنْ أَعْمَلَ بِهَا فَإِنَّ لِي مَذْهَبًا أَتَّبِعُهُ انْتَهَى .
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا السِّبَابِ الْمُكَنَّى عَنْهُ لِلْأَغْبِيَاءِ وَالْجَهَلَةِ الَّذِينَ لَا يَصْلُحُونَ لِلِاجْتِهَادِ أَصْلًا وَقَطْعًا ؛ فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَيْسَا فِي ذَمِّ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَرُدُّ الْحَدِيثَ إِذَا صَحَّ عِنْدَهُ ، وَحَاشَا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدٌ كَذَلِكَ بَلْ فِي ذَمِّ الْمُقَلِّدِ إِذَا خَالَفَ قَوْلُ إِمَامِهِ الْحَدِيثَ فَيَرُدُّهُ وَيَعْتَذِرُ لِإِمَامِهِ بِأَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى بِالْكِتَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ يَعُمُّ تَمَامَ الْأُمَّةِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمُجْتَهِدِ عَنِ الْمُقَلِّدِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ إِلَى آخِرِهِ ) هَذَا الْحَدِيثُ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ شَرْطِيَّةٌ كَمَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ أَظْهَرُ مَعْنًى وَفِي الْمَوْصُولَةِ يَلْزَمُ وُقُوعُ الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ خَبَرًا ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ بِخِلَافِ الشَّرْطِيَّةِ فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ خَبَرَهَا جُمْلَةُ الشَّرْطِ لَا الْجَزَاءِ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ يَعُمُّ أَمْرَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَقَوْلُهُ : فَخُذُوهُ أَيْ تَمَسَّكُوا بِهِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ الشَّامِلِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ ؛ فَيَنْطَبِقُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ ، وَقِيلَ : هَذَا مَخْصُوصٌ بِأَمْرِ الْوُجُوبِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ يَعُمُّ نَهْيَ تَحْرِيمٍ وَتَنْزِيهٍ ، وَكَذَا الطَّلَبُ فِي قَوْلِهِ : فَانْتَهُوا . يَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ وَيَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ بِنَهْيِ التَّحْرِيمِ ، وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِلْحَاضِرِينَ وَضْعًا لَكِنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ الْمُغَيَّبِينِ اتِّفَاقًا ، وَفِي شُمُولِ الْخِطَابِ لَهُمْ قَوْلَانِ ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ فَإِطْلَاقُهُ يَشْمَلُ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ .