حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
حاشية السندي على بن ماجه

بَاب فِيمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَ يَضْحَكُ الرَّبُّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا . قَوْلُهُ : ( ضَحِكَ ) كَفَرِحَ رَبُّنَا بِالرَّفْعِ فَاعِلُ ضَحِكَ ؛ قِيلَ : الضَّحِكُ مِنَ اللَّهِ الرِّضَا وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ ، وَقِيلَ : بَسْطُ الرَّحْمَةِ بِالْإِقْبَالِ وَبِالْإِحْسَانِ أَوْ بِمَعْنَى أَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِالضَّحِكِ ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِيهِ كَمَا يُقَالُ السُّلْطَانُ قَتَلَهُ إِذَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : هُوَ مِنْ نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ ، وَهُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ . قُلْتُ : وَالتَّحْقِيقُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينْ أَنَّ الضَّحِكَ وَأَمْثَالَهُ مِمَّا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِانْفِعَالِ إِذَا نُسِبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، يُرَادُ بِهِ غَايَتُهُ ، وَقِيلَ : بَلِ الْمُرَادُ بِهِ إِيجَادُ الِانْفِعَالِ فِي الْغَيْرِ ؛ فَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْإِضْحَاكُ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أَنَّهُ صِفَةٌ سَمْعِيَّةٌ يَلْزَمُ إِثْبَاتُهَا مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَكَمَالِ التَّنْزِيهِ ، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ ؛ فَقَالَ : الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ .

قَوْلُهُ : ( مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ ) ، وَالْقُنُوطُ كَالْجُلُوسِ وَهُوَ الْيَأْسُ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا هُوَ الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ أَيْ يَرْضَى عَنْهُمْ وَيُقْبِلُ بِالْإِحْسَانْ إِذَا نَظَرَ إِلَى فَقْرِهِمْ وَفَاقَتِهِمْ وَذِلَّتِهِمْ وَحَقَارَتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ ، وَإِلَّا فَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ يُوجِبُ الْغَضَبَ لَا الرِّضَا ، قَالَ تَعَالَى : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَقَالَ : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : ذَلِكَ هُوَ الْقُنُوطُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ مِثْلَ أَنْ لَا يَرَى لَهُ كَرَمًا وَإِحْسَانًا أَوْ يَرَى قَلِيلًا فَيَقْنَطُ كَذَلِكَ ؛ فَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ ، وَأَمَّا الْقُنُوطُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَعْمَالِهِ وَقَبَائِحِهِ فَهُوَ مِمَّا يُوجِبُ لِلْعَبْدِ تَوَاضُعًا وَخُشُوعًا وَانْكِسَارًا ؛ فَيُوجِبُ الرِّضَا وَيَجْلِبُ الْإِحْسَانَ وَالْإِقْبَالَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْشَأُ هَذَا الْقُنُوطِ هُوَ الْغَيْبَةُ عَنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ وَاسْتِعْظَامُ الْمَعَاصِي إِلَى الْغَايَةِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبٌ وَمَحْبُوبٌ ، وَلَعَلَّ هَذَا سَبَبُ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ مَنْ أَمَرَ أَهْلَهُ بِإِحْرَاقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ حِينْ أَيِسَ مِنَ الْمَغْفِرَةِ ؛ فَلْيُتَأَمَّلْ . وقَوْلُهُ : ( وَقُرْبِ غِيَرِهِ ) ضُبِطَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ فَفَتْحِ يَاءٍ بِمَعْنَى فَقِيرِ الْحَالِ وَهُوَ اسْمٌ مِنْ قَوْلِكَ : غَيَّرْتَ الشَّيْءَ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الضَّعْفِ وَمِنَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مِمَّا تَجْلِبُ الرَّحْمَةَ لَا مَحَالَةَ فِي الشَّاهِدِ ؛ فَكَيْفَ لَا تَكُونُ أَسْبَابًا عَادِيَّةً لِجَلْبِهَا مِنْ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَثَنَاؤُهُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْغَيْرَ بِمَعْنَى تَغَيُّرِ الْحَالِ وَتَحْوِيلِهِ وَبِهِ تُشْعِرُ عِبَارَةُ الْقَامُوسِ لَا تَغَيُّرُهُ وأتَخوُّلُهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ، وَالضَّمِيرُ لِلَّهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَضْحَكُ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ يَصِيرُ مَأْيُوسًا مِنَ الْخَيْرِ بِأَدْنَى شَرٍّ ، وَقَعَ عَلَيْهِ مَعَ قُرْبِ تَغْيِيرِهِ تَعَالَى الْحَالَ مِنْ شَرٍّ إِلَى خَيْرٍ ، وَمِنْ مَرَضٍ إِلَى عَافِيَةٍ ، وَمِنْ بَلَاءٍ وَمِحْنَةٍ إِلَى سُرُورٍ وَفَرْحَةٍ ، لَكِنَّ الضَّحِكَ عَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالرِّضَا ، قُلْتُ : ( لَنْ نَعْدَمَ ) مِنْ عَدِمَ كَـ عَلِمَ إِذَا فَقَدَهُ يُرِيدُ أَنَّ الرَّبَّ الَّذِي مِنْ صِفَاتِهِ الضَّحِكُ لَا نَفْقِدُ خَيْرَهُ بَلْ كُلَّمَا احْتَجْنَا إِلَى خَيْرٍ وَجَدْنَاهُ ؛ فَإِنَّا إِذَا أَظْهَرْنَا الْفَاقَةَ لَدَيْهِ يَضْحَكُ فَيُعْطِي ، وَفِي الزَّوَائِدِ : وَكِيعٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَبَاقِي رِجَالِهِ احْتَجَّ بِهِمْ مُسْلِمٌ انْتَهَى ؛ أَيْ فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث