بَاب فِيمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، قَالَا : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ ؟ قَالَ : كَانَ فِي عَمَاءٍ ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَاء ، ثَمَّ خَلْقٌ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا ) قِيلَ : هُوَ بِتَقْدِيرِ أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلُ ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَلَى غَيْرِ الْعَرْشِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا ، وَالْعَمَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ السَّحَابُ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ مُضَافًا يَقُولُ : لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْعَمَاءِ شَيْئًا مَوْجُودًا غَيْرَ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقُولُ مِنْ قَبِيلِ الْخَلْقِ ، وَالْكَلَامُ مَفْرُوضٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ، بَلِ الْمُرَادُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ كَانَ فِي عَمًى بِالْقَصْرِ ؛ فَإِنَّ الْعَمَى بِالْقَصْرِ مُفَسَّرٌ بِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ : يُرِيدُ الْعَمَاءَ أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ، وَعَلَى هَذَا كُلِّهِ ، وَفِي قَوْلِهِ : كَانَ فِي عَمَاءٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ آخَرَ ، وَيَكُونُ حَاصِلُ الْجَوَابِ الْإِرْشَادَ إِلَى عَدَمِ الْمَكَانِ ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا أَيْنَ ثَمَّةَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي مَكَانٍ ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : هَذَا مِنْ حَدِيثِ الصِّفَاتِ فَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَكِلُ عِلْمُهُ إِلَى عَالِمِهِ ، وَمَا فِيمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ نَافِيَةٌ لَا مَوْصُولَةٌ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَمَا فَوْقَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا ثَمَّ خَلْقٌ إِلَخْ ، هَكَذَا فِي نُسَخِ ابْنِ مَاجَهِ الْمُعْتَمَدَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَمَا تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ السَّابِقِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ اسْمُ إِشَارَةٍ إِلَى الْمَكَانِ ، وَخَلْقٌ بِمَعْنَى مَخْلُوقٍ ، وَقَوْلُهُ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ جُمْلَةٌ أُخْرَى ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ وَمَاءٌ بِالْمَدِّ عَطْفًا عَلَى هَوَاءٍ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ .