بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ : إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةِ ! قَالَ : أَجَلْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا ، وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى الْخِرَاءَةَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَالْقِرْبَةِ أَوْ بِفَتْحِهَا كَالْكَرْهَةِ ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْفَتْحَ لَكِنَّ كَلَامَ الصِّحَاحِ يُفِيدُ صِحَّةَ الْفَتْحِ وَهُوَ الْقُعُودُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَقِيلَ هُوَ فِعْلُهُ الْحَاجَةَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ هَيْئَةُ الْقُعُودِ لِلْحَدَثِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَادُ آدَابُ التَّخَلِّي ، قِيلَ : وَلَعَلَّهُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ . قُلْتُ : كَوْنُ الْمُرَادِ هَيْئَةَ الْقُعُودِ يَقْتَضِي أَنْ يُجْعَلَ كَجِلْسَةٍ بِالْكَسْرِ كَهَيْئَةِ الْجُلُوسِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
قَوْلُهُ : ( أَجَلْ ) بِسُكُونِ اللَّامِ أَيْ نَعَمْ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : جَوَابُ سَلْمَانَ مِنْ بَابِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَمَّا اسْتَهْزَأَ كَانَ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يُهَدِّدَ أَوْ يَسْكُتَ عَنْ جَوَابِهِ ، لَكِنْ مَا الْتَفَتَ سَلْمَانُ إِلَى اسْتِهْزَائِهِ وَأَخْرَجَ الْجَوَابَ مَخْرَجَ الْمُرْشِدِ الَّذِي يُرْشِدُ السَّائِلَ الْمُجِدَّ ، يَعْنِي لَيْسَ هَذَا مَكَانَ الِاسْتِهْزَاءِ بَلْ هُوَ جِدٌّ وَحَقٌّ ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ تَرْكُ الْعِنَادِ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ ، قُلْتُ : وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ رَدٌّ لَهُ بِأَنَّ مَا زَعَمَهُ سَبَبًا لِلِاسْتِهْزَاءِ لَيْسَ بِسَبَبٍ يُصَرِّحُ الْمُسْلِمُونَ بِهِ عِنْدَ الْأَعْدَاءِ ، وَأَيْضًا هُوَ أَمْرٌ يُحْسِنُهُ الْعَقْلُ عِنْدَ مَعْرِفَةِ تَفْصِيلِهِ فَلَا عِبْرَةَ لِلِاسْتِهْزَاءِ بِهِ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ إِلَى أَمْرٍ يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ فِي الْإِجْمَالِ ، وَالْجَوَابُ بِالرَّدِّ لَا يُسَمَّى بِاسْمِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ قَوْلُهُ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَيْ بِأَقَلَّ مِنْهَا ؛ أَيْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الِانْتِقَاءَ الْمَطْلُوبَ عَادَةً أَوْ لِأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ هُوَ الْمَطْلُوبُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي .