بَاب التَّغْلِيظِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ أَنَّهُمَا سَمِعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِهِ : لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ . قَوْلُهُ : ( عَلَى أَعْوَادِهِ ) أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي اتَّخَذَهُ مِنَ الْأَعْوَادِ ، قَوْلُهُ : ( عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ ) أَيْ تَرْكِهِمْ مَصْدَرُ وَدَعَهُ أَيْ تَرَكَهُ ، وَقَوْلُ النُّحَاةِ : إِنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ أَمَاتُوا مَاضِي يَدَعُ ، وَمَصْدَرُهُ يُحْمَلُ عَلَى قِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا ، وَقِيلَ : قَوْلُهُمْ مَرْدُودٌ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ هَاهُنَا مِنَ الرُّوَاةِ الْمُوَلَّدِينَ الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ الْعَرَبِيَّةَ ، قُلْتُ : لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَتَبَّعَ أَنَّ كُتُبَ الْعَرَبِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ النَّاقِصِ دُونَ التَّامِّ عَادَةً وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَكْثَرِيَّاتٌ لَا كُلِّيَّاتٌ ؛ فَلَا يُنَاسِبُ تَغْلِيط الرُّوَاةِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالْخَتْمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَخْلُقُه اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَالْقَسْوَةِ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ : إِنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ ، أَمَّا الِانْتِهَاءُ عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ خَتْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ فَإِنَّ اعْتِيَادَ تَرْكِ الْجَمَاعَاتِ يَغْلِبُ الرَّيْنُ عَلَى الْقَلْبِ وَيُزْهِدُ النُّفُوسَ فِي الطَّاعَاتِ .