بَاب مَا جَاءَ فِي زِيَارَةِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْوَاسِطِيُّ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَكَانَ وَكَانَ ؛ فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي النَّارِ ، قَالَ : فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَيْنَ أَبُوكَ ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ ، قَالَ : فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ ، وَقَالَ : لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَبًا ، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ وَكَانَ ) أَيْ وَكَانَ يَفْعَلُ كَذَا وَكَانَ يَفْعَلُ كَذَا مِنَ الْخَيْرَاتِ ، ( حَيْثُمَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَخْ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا حَمَّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلَكِنْ قَالَ : إِذَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَلَى حَالِ الْوَالِدِ وَهُوَ أَثْبَتُ ؛ فَإِنَّ مَعْمَرًا أَثْبَتُ مِنْ حَمَّادٍ ؛ فَإِنَّ حَمَّادًا تُكُلِّمَ فِي حِفْظِهِ وَوَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ مَنَاكِيرُ ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأُصُولِ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ ، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِي حِفْظِهِ وَلَا اسْتُنْكِرَ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَاتَّفَقَ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ الشَّيْخَانِ ؛ فَكَأنَ لَفْظُهُ أَثْبَتُ ثُمَّ وَجَدْنَا الْحَدِيثَ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِمِثْلِ لَفْظِ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَكَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَتَعَيَّنَ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِالْمَعْنَى عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ يُحْمَلُ فِيهِ الْأَبُ عَلَى الْعَمِّ ، وَلِهَذَا قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ : هَذَا ، أَيْ سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ ، مِنْ مَحَاسِنِ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهُ لَمَا وَجَدَ الْأَعْرَابِيَّ فِي نَفْسِهِ لَاطَفَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَدَلَ إِلَى جَوَابٍ عَامٍّ فِي كُلٍّ مُشْرِكٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ وَالِدِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ ، وَقَالَ : وَلَمْ يُعْرَفْ لِوَالِدِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَالَةُ شِرْكٍ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ جِدًّا ؛ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالِدِيهِ حَتَّى آمَنَا بِهِ ، وَالَّذِي يَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُمَا فِي الْجَنَّةِ ، وَمِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ ، وَقَدْ أَطْبَقَ أَئِمَّتُنَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ عَلَى أَنَّ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لَا يُعَذَّبُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ الْآيَةَ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ : وَرَدَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْهَرِمِ وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ ، وَمَنْ وُلِدَ أَكْمَهَ أَعْمَى أَصَمَّ وَمَنْ وُلِدَ مَجْنُونًا أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَأْتِي بِحُجَّةٍ ، وَيَقُولُ : لَوْ عَقَلْتُ أَوْ ذُكِّرْتُ لَآمَنْتُ ، فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ ، وَيُقَالُ : ادْخُلُوهَا ، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ لَهُ بَرْدًا وَسَلَامًا ، وَمَنِ امْتَنَعَ أُدْخِلَهَا كُرْهًا ، وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَدْخُلَ عَبْدُ الْمُطَّلَبِ وَآلُ بَيْتِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَدْخُلُهَا طَائِعًا إِلَّا أَبَا طَالِبٍ ا هـ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ لَفْظِ حَيْثُمَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الزِّيَارَةِ ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ، وَفِي الزَّوَائِدِ : إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .