بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَنَادَى مُنَادٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانَتْ ) أَيْ وُجِدَتْ وَتَحَقَّقَتْ عَلَى أَنَّ الْكَوْنَ تَامٌّ ، وَإِذَا كَانَتِ الزَّمَانُ أَوَّلَ لَيْلَةٍ عَلَى أَنَّ الْكَوْنَ نَاقِصٌ وَتَأْنِيثُ كَانَتْ لِرِعَايَةِ الْخَبَرِ ، قَوْلُهُ : ( صُفِّدَتْ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ شُدَّتْ وَأُوثِقَتْ بِالْأَغْلَالِ ، وَالْمَرَدَةُ جَمْعُ مَارِدٍ وَهُوَ الْعَاتِي الشَّدِيدُ ، وَلَا يُنَافِيهِ وُقُوعُ الْمَعَاصِي إِذْ يَكْفِي فِي وَجُودِ الْمَعَاصِي شَرَازَةُ النَّفْسِ وَخَبَاثَتُهَا ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ بِوَاسِطَةِ شَيْطَانٍ وَإِلَّا لَكَانَ لِكُلِّ شَيْطَانٍ شَيْطَانَانِ ، وَيَتَسَلْسَلُ ، وَأَيْضًا مَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا سَبَقَ إِبْلِيسَ شَيْطَانٌ آخَرُ ؛ فَمَعْصِيَتُهُ مَا كَانَتْ إِلَّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ ) أَيْ بِتَبْعِيدِ الْعِقَابِ عَنِ الْعِبَادِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَبْوَابَ النَّارِ كَانَتْ مَفْتُوحَةً وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا الْجَوَابُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ غَلْقٌ قُبَيْلَ ذَلِكَ وَغَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ لَا يُنَافِي مَوْتَ الْكَفَرَةِ فِي رَمَضَانَ ، وَتَعْذِيبَهُمْ بِالنَّارِ فِيهِ ، إِذْ يَكْفِي فِي تَعْذِيبِهِمْ فَتْحُ بَابٍ صَغِيرٍ مِنَ الْقَبْرِ إِلَى النَّارِ غَيْرَ الْأَبْوَابِ الْمَعْهُودَةِ الْكِبَارِ ، قَوْلُهُ : ( وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ) أَيْ تَقْرِيبًا لِلرَّحْمَةِ إِلَى الْعِبَادِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ كَانَتْ مُغْلَقَةً وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ ﴾؛ إِذْ ذَاكَ لَا يَقْتَضِي دَوَامَ كَوْنِهَا مُفَتَّحَةً ، قَوْلُهُ : ( وَنَادَى مُنَادٍ ) إِنْ قُلْتَ : أَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا النِّدَاءِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ لِلنَّاسِ ؟ قُلْتُ : عِلْمُ النَّاسِ بِهِ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ بِأَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْمُنَادَاةِ فَيَتَّعِظَ بِهَا ، قَوْلُهُ : ( يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ ) مَعْنَاهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ ، ( أَقْبِلْ ) عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ فَهَذَا شَأْنُكَ تُعْطَى جَزِيلًا بِعَمَلٍ قَلِيلٍ ، ( وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ ) أَمْسِكْ وَتُبْ فَإِنَّهُ أَوَانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ ، ( وَذَلِكَ ) أَيِ الْمَذْكُورُ مِنَ النِّدَاءِ وَالْعِتْقِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْإِشَارَةُ إِمَّا لِلنِّدَاءِ لِبُعْدِهِ أَوْ لِلْعِتْقِ ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : قُلْتُ : الثَّانِي أَرْجَحُ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا وَنَادَى فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى صُفِّدَتِ الَّذِي هُوَ جَوَابُ إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ انْتَهَى يُرِيدُ أَنَّ النِّدَاءَ يَكُونُ لَيْلَةً وَاحِدَةً لَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ .