باب فَضْلِ مَكَّةَ
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، أَخْبَرَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ قَالَ لَهُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ يَقُولُ : وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ بَاب فَضْلِ مَكَّةَ قَوْلُهُ : ( وَاقِفٌ بِالْحَزَوَّرَةِ ) بِفَتْحَتَيْنِ وَوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ كَذَا ضُبِطَ ، لَكِنْ قَالَ الدَّمِيرِيُّ : عَلَى وَزْنِ قَسْوَرَةٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ : الْمُحَدِّثُونَ يَسْتَنِدُونَ بِالْجَزَوَّرَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ عِنْدَ بَابِ الْحَنَّاطِينَ وَعَلَى الثَّانِي : لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ . إِلَخْ ، أَيْ : حِينَ أُخْرِجْتُ وَفَضْلُ الْمَدِينَةِ كَانَ بَعْدَ أَوْ مُطْلَقًا ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِفَضْلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ : وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ ، فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ . فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نَكَارَتِهِ وَوَضْعِهِ ، وَنَسَبُوا وَضْعَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَتَرَكُوهُ لِأَجْلِهِ ، وَقَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي تَنْوِيرِهِ : إِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ ابْنُ مُهْدي : سَأَلْتُ عَنْهُ مَالِكًا فَقَالَ : لَا يَحِلُّ أَنْ تَنْسِبَ الْبَاطِلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ بَيَّنَ عِلَّتَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي عِلَلِهِ وَالْحَافِظُ وَغَيْرُهُمَا ، نَعَمْ السُّكْنَى بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَلَمْ يَرِدْ بِسُكْنَى مَكَّةَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ كَرِهَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا . وَجَعَلَ ابْنُ حَزْمٍ التَّفْضِيلَ الْحَاصِلَ بِمَكَّةَ ثَابِتًا لِجَمِيعِ الْحَرَمِ .