باب فَضْلِ التَّسْبِيحِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، ثَنَا مِسْعَرٌ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي رِشْدِينَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ قَالَتْ : مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى الْغَدَاةَ - أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى الْغَدَاةَ - وَهِيَ تَذْكُرُ اللَّهَ ، فَرَجَعَ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ - أَوْ قَالَ : انْتَصَفَ - وَهِيَ كَذَلِكَ فَقَالَ : لَقَدْ قُلْتُ مُنْذُ قُمْتُ عَنْكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَهِيَ أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ أَوْ أَوْزَنُ مِمَّا قُلْتِ : سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ قَوْلُهُ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ) وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ ، أَيْ : بِعَدَدِ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ وَبِمِقْدَارِ رِضَا ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ، أَيْ : بِمِقْدَارٍ يَكُونُ سَبَبًا لِرِضَاهُ تَعَالَى ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ النَّفْسِ عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُشَاكَلَةٍ وَبِمِقْدَارِ ثِقَلِ عَرْشِهِ وَبِمِقْدَارِ زِيَادَةِ كَلِمَاتِهِ ، أَيْ : بِمِقْدَارٍ يُسَاوِيهِمَا ، وَقِيلَ : نَصْبُهُمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ قَدْرَ ، أَيْ : قَدْرَ عَدَدِ مَخْلُوقَاتِهِ وَقَدْرَ رِضَا ذَاتِهِ ، فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يَصِحُّ تَقْيِيدُ التَّسْبِيحِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ جَمِيعِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَنَابِهِ الْأَقْدَسِ وَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ ، وَبِاعْتِبَارِ صُدُورِهِ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارَ هَذَا الْعَدَدِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَوْ فُرِضَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَمَا صَحَّ تَعَلُّقُ هَذَا الْعَدَدِ بِالتَّسْبِيحِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ صَدَرَ مِنْهُ بِهَذَا الْعَدَدِ ، أَوْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأمَّا بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ فَإِنَّهُ مَرَّةً سُبْحَانَ اللَّهِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ هَذَا الْعَدَدُ فَكَيْفَ يَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا الْعَدَدَ . قُلْتُ : لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِمُلَاحَظَةِ اسْتِحْقَاقِ ذَاتِهِ الْأَقْدَسِ الْأَظْهَرِ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ التَّسْبِيحَ بِهَذَا الْعَدَدِ ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَدَدَ ثَابِتٌ لِقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِ ، لَكِنْ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ مِنْهُ التَّسْبِيحُ بِهَذَا الْعَدَدِ ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَعَالَى حَقِيقٌ بِأَنْ يَقُولَ الْمُتَكَلِّمُ التَّسْبِيحَ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الْعَدَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .