وَحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ : أَقْوَاهَا حَدِيثُ أَنَسٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ* ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالُوا فِيهِ : وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ : وَيَجْهَرُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ فِي مُسْنَدِهِ : فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ* الْقِرَاءَةَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمَه ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ ، وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَرِجَالُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، مُخَرَّجٌ لَهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ* ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ طُرُقٌ أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ ، وَفِيهَا مَن لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ ، وَكُلُّ أَلْفَاظِهِ تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ : فَالْأَوَّلُ : كَانُوا لَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّانِي : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ أَوْ يَقْرَأُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّالِثُ : فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : وَالرَّابِعُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالْخَامِسُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّادِسُ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّابِعُ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقُراءة بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ ، وَضَعَّفَ مَا سِوَاهُ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَلِمُتَابَعَةِ غَيْرِ قَتَادَةَ لَهُ عَنْ أَنَسٍ فِيهِ ، وَجَعَلَهُ اللَّفْظَ الْمُحْكَمَ عَنْ أَنَسٍ ، وَجَعَلَ غَيْرَهُ مُتَشَابِهًا ، وَحَمَلَهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِالسُّورَةِ لَا بِالْآيَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَلْفَاظِ الْمُنَافِيَةِ بِوَجْهٍ ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُنَاقِضًا لَهَا ؟ ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا اللَّفْظِ الِافْتِتَاحُ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ جَهْرًا أَوْ سِرًّا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ ؟ ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ ، لِأَنَّ أَنَسًا إنَّمَا يَنْفِي مَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِانْتِفَائِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مَعَ الْقُرْبِ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِمَامِ لَمْ يَقْرَأْهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ سُكُوتٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ سِرًّا ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا عَلَى عَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَنْ لَمْ يَرَ هُنَا سُكُوتًا كَمَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، إلَى آخِرِهِ وَفِي السُّنَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَأُبَيُّ ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ سُكُوتٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنَسًا أَنْ يَنْفِيَ قِرَاءَتَهَا فِي ذَلِكَ السُّكُوتِ ، فَيَكُونُ نَفْيُهُ لِلذِّكْرِ ، وَالِاسْتِفْتَاحِ ، وَالسَّمَاعِ ، مُرَادًا بِهِ الْجَهْرَ بِذَلِكَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ ، وَقَوْلُهُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ سِرًّا ، وَلَا عَلَى نَفْيِهَا ، إذْ لَا عِلْمَ لِأَنَسٍ بِهَا حَتَّى يُثْبِتَهَا أَوْ يَنْفِيَهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ : إنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْقِرَاءَةِ السَّرِيَّةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِخْبَارٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ قُرْبٍ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْهُمَا ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى : فَكَانُوا يُسِرُّونَ كَأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى مِنْ لَفْظِ لَا يَجْهَرُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَحَمْلُ الِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى السُّورَةِ لَا الْآيَةِ مِمَّا تَسْتَبْعِدُهُ الْقَرِيحَةُ وَتَمُجُّهُ الْأَفْهَامُ الصَّحِيحَةُ ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ ، كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْفَجْرَ رَكْعَتَانِ . وَأَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ ، وَأَنَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ . وَالتَّشَهُّدَ بَعْدَ الْجُلُوسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِي نَقْلِ مِثْلِ هَذَا فَائِدَةٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ أَنَسًا قَصَدَ تَعْرِيفَهُمْ بِهَذَا ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا مِثْلُ هَذَا مِثْلُ مَنْ يَقُولُ : فَكَانُوا يَرْكَعُونَ قَبْلَ السُّجُودِ ، أَوْ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَالْفَجْرِ ، وَيُخَافِتُونَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَلَوْ أُرِيدَ الِافْتِتَاحُ بِسُورَةِ الْحَمْدِ لَقِيلَ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، أَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَوْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي تَسْمِيَتِهَا عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ فَقَطْ فَعُرِفَ مُتَأَخِّرًا ، يَقُولُونَ : فُلَانٌ قَرَأَ الْحَمْدَ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السُّورَةَ ، إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ ، وَأَنَّى لِلْمُخَالِفِ ذَلِكَ ؟ ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ الِاسْتِفْتَاحَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ السُّورَةِ ، قُلْنَا : هَذَا مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، وَالصَّحِيحُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَاطِفًا لَهُ عَلَى حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحِ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّفْظُ الْآخَرُ : إنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ الْحَنَفِيِّ ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، إيَّاكَ وَالْحَدَثَ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي مِنْهُ ، قَالَ : وَصَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَعَ عُمَرَ ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ، فَلَا تَقُلْهَا أَنْتَ ، إذَا صَلَّيْت فَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَقَدْ ضَعَّفَ الْحُفَّاظُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ ، كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْخَطِيبِ ، وَقَالُوا : إنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالُوا : كَانَ أَبُونَا إذَا سَمِعَ أَحَدًا مِنَّا يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ : أَيْ بُنَيَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَرِيفِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ إمَامٍ ، فَجَهَرَ بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قُلْت : مَا هَذَا ؟ غُيِّبَ عَنَّا هَذِهِ الَّتِي أَرَاك تَجْهَرُ بِهَا ؟ فَإِنِّي قَدْ صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ يَجْهَرُوا بِهَا انْتَهَى ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَهُمْ : أَبُو نَعَامَةَ الْحَنَفِيُّ ، قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَمَاهُ بِبِدْعَةٍ فِي دِينِهِ وَلَا كَذِبٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَهُوَ أَشْهَرُ مَنْ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ السَّعْدِيُّ ، وَهُوَ إنْ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ ، مَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَزِيدَ ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَطْ ، فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَبَنُوهُ الَّذِي يُرْوَى عَنْهُمْ : يَزِيدُ ، وَزِيَادٌ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَيْرُهُمَا يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَشْهُورِينَ بِالرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَرْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَدِيثًا مُنْكَرًا لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ وَلَا مُتَابِعٌ حَتَّى يُجَرَّحَ بِسَبَبِهِ ، وَإِنَّمَا رَوَوْا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الثِّقَاتِ ، فَأَمَّا يَزِيدُ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ، فَرَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ إمَامٍ يَبِيتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَزِيَادٌ أَيْضًا رَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : لَا تَحْذِفُوا ، فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ ، وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ انْتَهَى . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَالْحَدِيثُ الْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَدَّدَتْ شَوَاهِدُهُ وَكَثُرَتْ مُتَابَعَاتُهُ ، وَاَلَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِهِ لِجَهَالَةِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَدْ احْتَجُّوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، بَلْ احْتَجَّ الْخَطِيبُ بِمَا يَعْلَمُ هُوَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ ، وَلَمْ يُحْسِنْ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَتْنِ السُّنَنِ : هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، فَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، فَقَوْلُهُ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، لَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، لَيْسَ هَذَا لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ، فَقَدْ قُلْنَا : إنَّهُ حَسَنٌ ، وَالْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِيرَاثًا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ ، لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةَ دَائِمَةٌ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُجْهَرُ بِهَا دَائِمًا لَمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا اشْتِبَاهٌ ، وَلَكَانَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَلَمَا قَالَ أَنَسٌ : لَمْ يَجْهَرْ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَمَّاهُ حَدَثًا ، وَلَمَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَامِهِ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ ، يَتَوَارَّثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، وَذَلِكَ جَارٍ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ، لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُدَيْلُ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى إرَادَةِ اسْمِ السُّورَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ إلَى مَجَازِهِ ، إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَائِشَةَ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَجْهَرُ ، قُلْنَا : يَكْفِينَا أَنَّهُ حَدِيثٌ أَوْدَعَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحَهُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَا يُنْكَرُ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ ، وَتَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ الْجَهْرِ فَكَذِبَ بِلَا شَكٍّ ، فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ كَذَّابٌ دَجَّالٌ ، لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، وَمِنْ الْعَجَبِ الْقَدَحُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آية ولَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ فَلَا يُجْهَرُ بِهَا ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، قَالَ : كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي كُنْت أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ ؟ ، ثُمَّ قَالَ لي : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعظم سورة فِي الْقُرْآنِ ، قُلْت : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَلَوْ كَانَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَكَانَتْ ثَمَانِيًا ، لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ ، وَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَقُولَ : هِيَ بَعْضُ آيَةٍ ، أَوْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ إلَى آخِرِهَا ، آيَةً وَاحِدَةً .
تخريج كتب التخريج والعلل
نصب الراية لأحاديث الهدايةحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ · ص 329 نصب الراية لأحاديث الهدايةحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ · ص 329 وَحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ : أَقْوَاهَا حَدِيثُ أَنَسٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ* ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالُوا فِيهِ : وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ : وَيَجْهَرُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ فِي مُسْنَدِهِ : فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ* الْقِرَاءَةَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمَه ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ ، وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَرِجَالُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، مُخَرَّجٌ لَهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ* ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ طُرُقٌ أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ ، وَفِيهَا مَن لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ ، وَكُلُّ أَلْفَاظِهِ تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ : فَالْأَوَّلُ : كَانُوا لَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّانِي : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ أَوْ يَقْرَأُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّالِثُ : فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : وَالرَّابِعُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالْخَامِسُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّادِسُ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّابِعُ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقُراءة بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ ، وَضَعَّفَ مَا سِوَاهُ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَلِمُتَابَعَةِ غَيْرِ قَتَادَةَ لَهُ عَنْ أَنَسٍ فِيهِ ، وَجَعَلَهُ اللَّفْظَ الْمُحْكَمَ عَنْ أَنَسٍ ، وَجَعَلَ غَيْرَهُ مُتَشَابِهًا ، وَحَمَلَهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِالسُّورَةِ لَا بِالْآيَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَلْفَاظِ الْمُنَافِيَةِ بِوَجْهٍ ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُنَاقِضًا لَهَا ؟ ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا اللَّفْظِ الِافْتِتَاحُ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ جَهْرًا أَوْ سِرًّا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ ؟ ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ ، لِأَنَّ أَنَسًا إنَّمَا يَنْفِي مَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِانْتِفَائِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مَعَ الْقُرْبِ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِمَامِ لَمْ يَقْرَأْهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ سُكُوتٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ سِرًّا ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا عَلَى عَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَنْ لَمْ يَرَ هُنَا سُكُوتًا كَمَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، إلَى آخِرِهِ وَفِي السُّنَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَأُبَيُّ ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ سُكُوتٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنَسًا أَنْ يَنْفِيَ قِرَاءَتَهَا فِي ذَلِكَ السُّكُوتِ ، فَيَكُونُ نَفْيُهُ لِلذِّكْرِ ، وَالِاسْتِفْتَاحِ ، وَالسَّمَاعِ ، مُرَادًا بِهِ الْجَهْرَ بِذَلِكَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ ، وَقَوْلُهُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ سِرًّا ، وَلَا عَلَى نَفْيِهَا ، إذْ لَا عِلْمَ لِأَنَسٍ بِهَا حَتَّى يُثْبِتَهَا أَوْ يَنْفِيَهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ : إنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْقِرَاءَةِ السَّرِيَّةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِخْبَارٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ قُرْبٍ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْهُمَا ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى : فَكَانُوا يُسِرُّونَ كَأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى مِنْ لَفْظِ لَا يَجْهَرُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَحَمْلُ الِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى السُّورَةِ لَا الْآيَةِ مِمَّا تَسْتَبْعِدُهُ الْقَرِيحَةُ وَتَمُجُّهُ الْأَفْهَامُ الصَّحِيحَةُ ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ ، كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْفَجْرَ رَكْعَتَانِ . وَأَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ ، وَأَنَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ . وَالتَّشَهُّدَ بَعْدَ الْجُلُوسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِي نَقْلِ مِثْلِ هَذَا فَائِدَةٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ أَنَسًا قَصَدَ تَعْرِيفَهُمْ بِهَذَا ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا مِثْلُ هَذَا مِثْلُ مَنْ يَقُولُ : فَكَانُوا يَرْكَعُونَ قَبْلَ السُّجُودِ ، أَوْ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَالْفَجْرِ ، وَيُخَافِتُونَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَلَوْ أُرِيدَ الِافْتِتَاحُ بِسُورَةِ الْحَمْدِ لَقِيلَ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، أَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَوْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي تَسْمِيَتِهَا عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ فَقَطْ فَعُرِفَ مُتَأَخِّرًا ، يَقُولُونَ : فُلَانٌ قَرَأَ الْحَمْدَ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السُّورَةَ ، إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ ، وَأَنَّى لِلْمُخَالِفِ ذَلِكَ ؟ ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ الِاسْتِفْتَاحَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ السُّورَةِ ، قُلْنَا : هَذَا مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، وَالصَّحِيحُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَاطِفًا لَهُ عَلَى حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحِ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّفْظُ الْآخَرُ : إنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ الْحَنَفِيِّ ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، إيَّاكَ وَالْحَدَثَ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي مِنْهُ ، قَالَ : وَصَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَعَ عُمَرَ ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ، فَلَا تَقُلْهَا أَنْتَ ، إذَا صَلَّيْت فَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَقَدْ ضَعَّفَ الْحُفَّاظُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ ، كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْخَطِيبِ ، وَقَالُوا : إنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالُوا : كَانَ أَبُونَا إذَا سَمِعَ أَحَدًا مِنَّا يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ : أَيْ بُنَيَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَرِيفِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ إمَامٍ ، فَجَهَرَ بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قُلْت : مَا هَذَا ؟ غُيِّبَ عَنَّا هَذِهِ الَّتِي أَرَاك تَجْهَرُ بِهَا ؟ فَإِنِّي قَدْ صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ يَجْهَرُوا بِهَا انْتَهَى ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَهُمْ : أَبُو نَعَامَةَ الْحَنَفِيُّ ، قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَمَاهُ بِبِدْعَةٍ فِي دِينِهِ وَلَا كَذِبٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَهُوَ أَشْهَرُ مَنْ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ السَّعْدِيُّ ، وَهُوَ إنْ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ ، مَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَزِيدَ ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَطْ ، فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَبَنُوهُ الَّذِي يُرْوَى عَنْهُمْ : يَزِيدُ ، وَزِيَادٌ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَيْرُهُمَا يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَشْهُورِينَ بِالرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَرْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَدِيثًا مُنْكَرًا لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ وَلَا مُتَابِعٌ حَتَّى يُجَرَّحَ بِسَبَبِهِ ، وَإِنَّمَا رَوَوْا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الثِّقَاتِ ، فَأَمَّا يَزِيدُ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ، فَرَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ إمَامٍ يَبِيتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَزِيَادٌ أَيْضًا رَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : لَا تَحْذِفُوا ، فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ ، وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ انْتَهَى . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَالْحَدِيثُ الْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَدَّدَتْ شَوَاهِدُهُ وَكَثُرَتْ مُتَابَعَاتُهُ ، وَاَلَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِهِ لِجَهَالَةِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَدْ احْتَجُّوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، بَلْ احْتَجَّ الْخَطِيبُ بِمَا يَعْلَمُ هُوَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ ، وَلَمْ يُحْسِنْ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَتْنِ السُّنَنِ : هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، فَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، فَقَوْلُهُ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، لَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، لَيْسَ هَذَا لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ، فَقَدْ قُلْنَا : إنَّهُ حَسَنٌ ، وَالْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِيرَاثًا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ ، لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةَ دَائِمَةٌ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُجْهَرُ بِهَا دَائِمًا لَمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا اشْتِبَاهٌ ، وَلَكَانَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَلَمَا قَالَ أَنَسٌ : لَمْ يَجْهَرْ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَمَّاهُ حَدَثًا ، وَلَمَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَامِهِ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ ، يَتَوَارَّثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، وَذَلِكَ جَارٍ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ، لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُدَيْلُ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى إرَادَةِ اسْمِ السُّورَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ إلَى مَجَازِهِ ، إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَائِشَةَ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَجْهَرُ ، قُلْنَا : يَكْفِينَا أَنَّهُ حَدِيثٌ أَوْدَعَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحَهُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَا يُنْكَرُ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ ، وَتَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ الْجَهْرِ فَكَذِبَ بِلَا شَكٍّ ، فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ كَذَّابٌ دَجَّالٌ ، لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، وَمِنْ الْعَجَبِ الْقَدَحُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آية ولَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ فَلَا يُجْهَرُ بِهَا ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، قَالَ : كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي كُنْت أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ ؟ ، ثُمَّ قَالَ لي : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعظم سورة فِي الْقُرْآنِ ، قُلْت : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَلَوْ كَانَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَكَانَتْ ثَمَانِيًا ، لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ ، وَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَقُولَ : هِيَ بَعْضُ آيَةٍ ، أَوْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ إلَى آخِرِهَا ، آيَةً وَاحِدَةً .
نصب الراية لأحاديث الهدايةحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ · ص 329 وَحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ : أَقْوَاهَا حَدِيثُ أَنَسٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ* ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالُوا فِيهِ : وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ : وَيَجْهَرُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ فِي مُسْنَدِهِ : فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ* الْقِرَاءَةَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمَه ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ ، وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَرِجَالُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، مُخَرَّجٌ لَهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ* ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ طُرُقٌ أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ ، وَفِيهَا مَن لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ ، وَكُلُّ أَلْفَاظِهِ تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ : فَالْأَوَّلُ : كَانُوا لَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّانِي : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ أَوْ يَقْرَأُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّالِثُ : فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : وَالرَّابِعُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالْخَامِسُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّادِسُ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّابِعُ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقُراءة بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ ، وَضَعَّفَ مَا سِوَاهُ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَلِمُتَابَعَةِ غَيْرِ قَتَادَةَ لَهُ عَنْ أَنَسٍ فِيهِ ، وَجَعَلَهُ اللَّفْظَ الْمُحْكَمَ عَنْ أَنَسٍ ، وَجَعَلَ غَيْرَهُ مُتَشَابِهًا ، وَحَمَلَهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِالسُّورَةِ لَا بِالْآيَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَلْفَاظِ الْمُنَافِيَةِ بِوَجْهٍ ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُنَاقِضًا لَهَا ؟ ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا اللَّفْظِ الِافْتِتَاحُ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ جَهْرًا أَوْ سِرًّا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ ؟ ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ ، لِأَنَّ أَنَسًا إنَّمَا يَنْفِي مَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِانْتِفَائِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مَعَ الْقُرْبِ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِمَامِ لَمْ يَقْرَأْهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ سُكُوتٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ سِرًّا ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا عَلَى عَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَنْ لَمْ يَرَ هُنَا سُكُوتًا كَمَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، إلَى آخِرِهِ وَفِي السُّنَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَأُبَيُّ ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ سُكُوتٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنَسًا أَنْ يَنْفِيَ قِرَاءَتَهَا فِي ذَلِكَ السُّكُوتِ ، فَيَكُونُ نَفْيُهُ لِلذِّكْرِ ، وَالِاسْتِفْتَاحِ ، وَالسَّمَاعِ ، مُرَادًا بِهِ الْجَهْرَ بِذَلِكَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ ، وَقَوْلُهُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ سِرًّا ، وَلَا عَلَى نَفْيِهَا ، إذْ لَا عِلْمَ لِأَنَسٍ بِهَا حَتَّى يُثْبِتَهَا أَوْ يَنْفِيَهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ : إنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْقِرَاءَةِ السَّرِيَّةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِخْبَارٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ قُرْبٍ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْهُمَا ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى : فَكَانُوا يُسِرُّونَ كَأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى مِنْ لَفْظِ لَا يَجْهَرُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَحَمْلُ الِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى السُّورَةِ لَا الْآيَةِ مِمَّا تَسْتَبْعِدُهُ الْقَرِيحَةُ وَتَمُجُّهُ الْأَفْهَامُ الصَّحِيحَةُ ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ ، كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْفَجْرَ رَكْعَتَانِ . وَأَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ ، وَأَنَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ . وَالتَّشَهُّدَ بَعْدَ الْجُلُوسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِي نَقْلِ مِثْلِ هَذَا فَائِدَةٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ أَنَسًا قَصَدَ تَعْرِيفَهُمْ بِهَذَا ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا مِثْلُ هَذَا مِثْلُ مَنْ يَقُولُ : فَكَانُوا يَرْكَعُونَ قَبْلَ السُّجُودِ ، أَوْ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَالْفَجْرِ ، وَيُخَافِتُونَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَلَوْ أُرِيدَ الِافْتِتَاحُ بِسُورَةِ الْحَمْدِ لَقِيلَ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، أَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَوْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي تَسْمِيَتِهَا عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ فَقَطْ فَعُرِفَ مُتَأَخِّرًا ، يَقُولُونَ : فُلَانٌ قَرَأَ الْحَمْدَ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السُّورَةَ ، إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ ، وَأَنَّى لِلْمُخَالِفِ ذَلِكَ ؟ ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ الِاسْتِفْتَاحَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ السُّورَةِ ، قُلْنَا : هَذَا مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، وَالصَّحِيحُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَاطِفًا لَهُ عَلَى حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحِ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّفْظُ الْآخَرُ : إنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ الْحَنَفِيِّ ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، إيَّاكَ وَالْحَدَثَ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي مِنْهُ ، قَالَ : وَصَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَعَ عُمَرَ ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ، فَلَا تَقُلْهَا أَنْتَ ، إذَا صَلَّيْت فَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَقَدْ ضَعَّفَ الْحُفَّاظُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ ، كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْخَطِيبِ ، وَقَالُوا : إنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالُوا : كَانَ أَبُونَا إذَا سَمِعَ أَحَدًا مِنَّا يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ : أَيْ بُنَيَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَرِيفِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ إمَامٍ ، فَجَهَرَ بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قُلْت : مَا هَذَا ؟ غُيِّبَ عَنَّا هَذِهِ الَّتِي أَرَاك تَجْهَرُ بِهَا ؟ فَإِنِّي قَدْ صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ يَجْهَرُوا بِهَا انْتَهَى ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَهُمْ : أَبُو نَعَامَةَ الْحَنَفِيُّ ، قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَمَاهُ بِبِدْعَةٍ فِي دِينِهِ وَلَا كَذِبٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَهُوَ أَشْهَرُ مَنْ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ السَّعْدِيُّ ، وَهُوَ إنْ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ ، مَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَزِيدَ ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَطْ ، فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَبَنُوهُ الَّذِي يُرْوَى عَنْهُمْ : يَزِيدُ ، وَزِيَادٌ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَيْرُهُمَا يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَشْهُورِينَ بِالرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَرْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَدِيثًا مُنْكَرًا لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ وَلَا مُتَابِعٌ حَتَّى يُجَرَّحَ بِسَبَبِهِ ، وَإِنَّمَا رَوَوْا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الثِّقَاتِ ، فَأَمَّا يَزِيدُ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ، فَرَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ إمَامٍ يَبِيتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَزِيَادٌ أَيْضًا رَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : لَا تَحْذِفُوا ، فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ ، وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ انْتَهَى . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَالْحَدِيثُ الْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَدَّدَتْ شَوَاهِدُهُ وَكَثُرَتْ مُتَابَعَاتُهُ ، وَاَلَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِهِ لِجَهَالَةِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَدْ احْتَجُّوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، بَلْ احْتَجَّ الْخَطِيبُ بِمَا يَعْلَمُ هُوَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ ، وَلَمْ يُحْسِنْ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَتْنِ السُّنَنِ : هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، فَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، فَقَوْلُهُ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، لَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، لَيْسَ هَذَا لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ، فَقَدْ قُلْنَا : إنَّهُ حَسَنٌ ، وَالْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِيرَاثًا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ ، لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةَ دَائِمَةٌ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُجْهَرُ بِهَا دَائِمًا لَمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا اشْتِبَاهٌ ، وَلَكَانَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَلَمَا قَالَ أَنَسٌ : لَمْ يَجْهَرْ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَمَّاهُ حَدَثًا ، وَلَمَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَامِهِ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ ، يَتَوَارَّثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، وَذَلِكَ جَارٍ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ، لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُدَيْلُ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى إرَادَةِ اسْمِ السُّورَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ إلَى مَجَازِهِ ، إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَائِشَةَ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَجْهَرُ ، قُلْنَا : يَكْفِينَا أَنَّهُ حَدِيثٌ أَوْدَعَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحَهُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَا يُنْكَرُ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ ، وَتَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ الْجَهْرِ فَكَذِبَ بِلَا شَكٍّ ، فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ كَذَّابٌ دَجَّالٌ ، لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، وَمِنْ الْعَجَبِ الْقَدَحُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آية ولَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ فَلَا يُجْهَرُ بِهَا ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، قَالَ : كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي كُنْت أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ ؟ ، ثُمَّ قَالَ لي : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعظم سورة فِي الْقُرْآنِ ، قُلْت : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَلَوْ كَانَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَكَانَتْ ثَمَانِيًا ، لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ ، وَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَقُولَ : هِيَ بَعْضُ آيَةٍ ، أَوْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ إلَى آخِرِهَا ، آيَةً وَاحِدَةً .
نصب الراية لأحاديث الهدايةحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ · ص 329 وَحُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ : أَقْوَاهَا حَدِيثُ أَنَسٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ* ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالُوا فِيهِ : وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ : وَيَجْهَرُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ فِي مُسْنَدِهِ : فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ* الْقِرَاءَةَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمَه ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ ، وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَرِجَالُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، مُخَرَّجٌ لَهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ* ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ طُرُقٌ أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ ، وَفِيهَا مَن لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ ، وَكُلُّ أَلْفَاظِهِ تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ : فَالْأَوَّلُ : كَانُوا لَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّانِي : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ أَوْ يَقْرَأُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالثَّالِثُ : فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : وَالرَّابِعُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالْخَامِسُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّادِسُ : فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالسَّابِعُ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقُراءة بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ ، وَضَعَّفَ مَا سِوَاهُ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَلِمُتَابَعَةِ غَيْرِ قَتَادَةَ لَهُ عَنْ أَنَسٍ فِيهِ ، وَجَعَلَهُ اللَّفْظَ الْمُحْكَمَ عَنْ أَنَسٍ ، وَجَعَلَ غَيْرَهُ مُتَشَابِهًا ، وَحَمَلَهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِالسُّورَةِ لَا بِالْآيَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَلْفَاظِ الْمُنَافِيَةِ بِوَجْهٍ ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُنَاقِضًا لَهَا ؟ ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا اللَّفْظِ الِافْتِتَاحُ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ جَهْرًا أَوْ سِرًّا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ ؟ ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ ، لِأَنَّ أَنَسًا إنَّمَا يَنْفِي مَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِانْتِفَائِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مَعَ الْقُرْبِ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِمَامِ لَمْ يَقْرَأْهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ سُكُوتٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ سِرًّا ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا عَلَى عَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَنْ لَمْ يَرَ هُنَا سُكُوتًا كَمَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، إلَى آخِرِهِ وَفِي السُّنَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَأُبَيُّ ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ سُكُوتٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنَسًا أَنْ يَنْفِيَ قِرَاءَتَهَا فِي ذَلِكَ السُّكُوتِ ، فَيَكُونُ نَفْيُهُ لِلذِّكْرِ ، وَالِاسْتِفْتَاحِ ، وَالسَّمَاعِ ، مُرَادًا بِهِ الْجَهْرَ بِذَلِكَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ ، وَقَوْلُهُ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ سِرًّا ، وَلَا عَلَى نَفْيِهَا ، إذْ لَا عِلْمَ لِأَنَسٍ بِهَا حَتَّى يُثْبِتَهَا أَوْ يَنْفِيَهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ : إنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْقِرَاءَةِ السَّرِيَّةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِخْبَارٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ قُرْبٍ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْهُمَا ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى : فَكَانُوا يُسِرُّونَ كَأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى مِنْ لَفْظِ لَا يَجْهَرُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَحَمْلُ الِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى السُّورَةِ لَا الْآيَةِ مِمَّا تَسْتَبْعِدُهُ الْقَرِيحَةُ وَتَمُجُّهُ الْأَفْهَامُ الصَّحِيحَةُ ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ ، كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْفَجْرَ رَكْعَتَانِ . وَأَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ ، وَأَنَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ . وَالتَّشَهُّدَ بَعْدَ الْجُلُوسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِي نَقْلِ مِثْلِ هَذَا فَائِدَةٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ أَنَسًا قَصَدَ تَعْرِيفَهُمْ بِهَذَا ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا مِثْلُ هَذَا مِثْلُ مَنْ يَقُولُ : فَكَانُوا يَرْكَعُونَ قَبْلَ السُّجُودِ ، أَوْ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَالْفَجْرِ ، وَيُخَافِتُونَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَيْضًا فَلَوْ أُرِيدَ الِافْتِتَاحُ بِسُورَةِ الْحَمْدِ لَقِيلَ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، أَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَوْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي تَسْمِيَتِهَا عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَمْدِ فَقَطْ فَعُرِفَ مُتَأَخِّرًا ، يَقُولُونَ : فُلَانٌ قَرَأَ الْحَمْدَ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السُّورَةَ ، إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ ، وَأَنَّى لِلْمُخَالِفِ ذَلِكَ ؟ ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ الِاسْتِفْتَاحَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ السُّورَةِ ، قُلْنَا : هَذَا مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، وَالصَّحِيحُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَاطِفًا لَهُ عَلَى حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحِ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّفْظُ الْآخَرُ : إنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ الْحَنَفِيِّ ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، إيَّاكَ وَالْحَدَثَ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي مِنْهُ ، قَالَ : وَصَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَعَ عُمَرَ ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ، فَلَا تَقُلْهَا أَنْتَ ، إذَا صَلَّيْت فَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَقَدْ ضَعَّفَ الْحُفَّاظُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ ، كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْخَطِيبِ ، وَقَالُوا : إنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالُوا : كَانَ أَبُونَا إذَا سَمِعَ أَحَدًا مِنَّا يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ : أَيْ بُنَيَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَرِيفِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ إمَامٍ ، فَجَهَرَ بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قُلْت : مَا هَذَا ؟ غُيِّبَ عَنَّا هَذِهِ الَّتِي أَرَاك تَجْهَرُ بِهَا ؟ فَإِنِّي قَدْ صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمْ يَجْهَرُوا بِهَا انْتَهَى ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَهُمْ : أَبُو نَعَامَةَ الْحَنَفِيُّ ، قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَمَاهُ بِبِدْعَةٍ فِي دِينِهِ وَلَا كَذِبٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَهُوَ أَشْهَرُ مَنْ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ السَّعْدِيُّ ، وَهُوَ إنْ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ ، مَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَزِيدَ ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَطْ ، فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَبَنُوهُ الَّذِي يُرْوَى عَنْهُمْ : يَزِيدُ ، وَزِيَادٌ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَيْرُهُمَا يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَشْهُورِينَ بِالرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَرْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَدِيثًا مُنْكَرًا لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ وَلَا مُتَابِعٌ حَتَّى يُجَرَّحَ بِسَبَبِهِ ، وَإِنَّمَا رَوَوْا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الثِّقَاتِ ، فَأَمَّا يَزِيدُ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ، فَرَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ إمَامٍ يَبِيتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَزِيَادٌ أَيْضًا رَوَى لَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : لَا تَحْذِفُوا ، فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ ، وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ انْتَهَى . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَالْحَدِيثُ الْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَدَّدَتْ شَوَاهِدُهُ وَكَثُرَتْ مُتَابَعَاتُهُ ، وَاَلَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِهِ لِجَهَالَةِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَدْ احْتَجُّوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، بَلْ احْتَجَّ الْخَطِيبُ بِمَا يَعْلَمُ هُوَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ ، وَلَمْ يُحْسِنْ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَعَامَةَ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَتْنِ السُّنَنِ : هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ ، وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، فَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، فَقَوْلُهُ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو نَعَامَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : وَأَبُو نَعَامَةَ ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، لَمْ يَحْتَجَّ بِهِمَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، لَيْسَ هَذَا لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ، فَقَدْ قُلْنَا : إنَّهُ حَسَنٌ ، وَالْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِيرَاثًا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ ، لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةَ دَائِمَةٌ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُجْهَرُ بِهَا دَائِمًا لَمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا اشْتِبَاهٌ ، وَلَكَانَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَلَمَا قَالَ أَنَسٌ : لَمْ يَجْهَرْ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَمَّاهُ حَدَثًا ، وَلَمَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَامِهِ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ ، يَتَوَارَّثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، وَذَلِكَ جَارٍ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ، لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُدَيْلُ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى إرَادَةِ اسْمِ السُّورَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ إلَى مَجَازِهِ ، إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَائِشَةَ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَجْهَرُ ، قُلْنَا : يَكْفِينَا أَنَّهُ حَدِيثٌ أَوْدَعَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحَهُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَا يُنْكَرُ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ ، وَتَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ الْجَهْرِ فَكَذِبَ بِلَا شَكٍّ ، فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ كَذَّابٌ دَجَّالٌ ، لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، وَمِنْ الْعَجَبِ الْقَدَحُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آية ولَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ فَلَا يُجْهَرُ بِهَا ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، قَالَ : كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي كُنْت أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ ؟ ، ثُمَّ قَالَ لي : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعظم سورة فِي الْقُرْآنِ ، قُلْت : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَلَوْ كَانَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَكَانَتْ ثَمَانِيًا ، لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ ، وَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَقُولَ : هِيَ بَعْضُ آيَةٍ ، أَوْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ إلَى آخِرِهَا ، آيَةً وَاحِدَةً .
العلل الواردة في الأحاديث النبويةومن حديث الزُّهْرِي عَن أنس بن مالك · ص 246 2674 - وسُئِل عَن حَديث أبي قلابة ، عن أنس : كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلم : وأبو بكر ، وعمر لا يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . فقال : يرويه الثوري ، عن خالد ، عن أبي نعامة ، عن أنس . وكذلك قال خلف بن سالم ، عن يحيى بن آدم ، عن الثوريّ . وخالفه أصحاب يحيى بن آدم ، فقالوا فيه : عن أبي قلابة ، عن أنس . ورواه عبد الله بن الوليد العدني ، وعبيد الله الأشجعي ، عن الثوري ، عن خالد ، عن أبي نعامة ، عن أنس . وقال معاوية بن هِشام : عن الثوري ، عن خالد ، عن بكر المزني ، عن أبي قلابة ، عن أنس . ووهم في ذكر : بكر . ورواه عبد الله بن ميمون الكوفي ، عن خالد ، عن أبي نعامة ، عن أنس . وروى هذا الحديث الجريري ، وعثمان بن غياث ، وراشد الحماني ، عن أبي نعامة - واسمه : قيس بن عباية - عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه . وهو أشبه بالصواب ؛ لأنهم ثلاثة ، وقد خالفوا خالداً في الإسناد . حدثنا محمد بن مخلد ، قال : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا سفيان ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلم : أنه كان يفتتح القراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . حدثنا الحسين بن الحسين الأنطاكي ، قال : حدثنا الحسن بن أبي يحيى بن السكن ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس : كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلم ، وأبو بكر ، وعمر لا يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرةص 560 تحفة الأشراف بمعرفة الأطرافابن لعبد الله بن مغفل غير مسمى عن أبيه ابن مغفل · ص 181 ابن لعبد الله بن مغفل - غير مسمى -، عن أبيه ابن مغفل 9667 - [ ت س ق ] حديث : سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أي نبى محدث ...... الحديث . ت في الصلاة (66) عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية - وهو أبو نعامة الحنفي -، عنه به، وقال: حسن. س في ه (الصلاة 279: 3) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن عثمان - وهو ابن غياث -، عن أبي نعامة الحنفي نحوه. ق في ه (الصلاة 43: 4) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية نحوه. (ز) رواه أبو حنيفة، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه.