بَاب الثَّنَاءِ
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَا : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيْلِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمُرَّ بِجَنَازَةٍ ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا ، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا ، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا ، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ، فَقُلْتُ : وَمَا وَجَبَتْ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : قُلْتُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ قَالُوا خَيْرًا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ، قُلْنَا : أَوْ ثَلَاثَةٌ ؟ قَالَ : أَوْ ثَلَاثَةٌ ؟ قُلْنَا : أَوْ اثْنَانِ ؟ قَالَ : أَوْ اثْنَانِ . 1934 ( أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ إِلَّا مُعَنْعَنًا , وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّتَبُّعِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّ ابْنَ بُرَيْدَةَ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ , عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ , وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ , وَابْنِ بُرَيْدَةَ وُلِدَ فِي عَهْدِ عُمَرَ , فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا الْأَسْوَدِ بِلَا رَيْبٍ . ( قَالَ : أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ , وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا , أَيْ : سَرِيعًا ( فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ بِالنَّصْبِ , وَكَذَا شَرًّا , وَقَدْ غَلِطَ مَنْ ضَبَطَ أُثْنِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ , فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ .
قَالَ ابْنُ التِّينِ : والصَّوَابُ بِالرَّفْعِ , وَفِي نَصْبِهِ بُعْدٌ فِي اللِّسَانِ , وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ , وَخَيْرًا مَقَامَ الثَّانِي وَهُوَ جَائِزٌ , وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَكْسَهُ , وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ : أُثْنِيَ عَلَيْهَا بِخَيْرٍ , وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : خَيْرًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ فَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ فَنُصِبَتْ ؛ لِأَنَّ أُثْنِيَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ ، قَالَ : وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْمَصْدَرِ وَالْإِسْنَادُ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَلِيلٌ . ( أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِالْخَيْرِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ) الْحَدِيثَ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصِّدْقِ لَا الْفَسَقَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُمْ , وَلَا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ عَدَاوَةٌ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ لَا تُقْبَلُ , وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : اقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى ذِكْرِ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ إِمَّا لِلِاخْتِصَارِ , وَإِمَّا لِإِحَالَتِهِ السَّامِعَ عَلَى الْقِيَاسِ , وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا الثَّنَاءَ بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَضْلِ , وَكَانَ ثَنَاؤُهُمْ مُطَابِقًا لِأَفْعَالِهِ , فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ , فَلَيْسَ هُوَ مُرَادًا بِالْحَدِيثِ , وَالثَّانِي : وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ , وَأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَأَلْهَمَ اللَّهُ النَّاسَ , أَوْ مُعْظَمَهُمُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِيهِ , فَلَا تُحَتِّمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ , بَلْ هُوَ فِي حَظْرِ الْمَشِيئَةِ , فَإِذَا أَلْهَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ شَاءَ الْمَغْفِرَةَ , وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ .
وَقَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : وَجَبَتْ ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ , لَوْ كَانَ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِيهِ لَمْ يَكُنْ لِلثَّنَاءِ فَائِدَةٌ , وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَائِدَةً .