حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي

بَاب فَضْلُ الصِّيَامِ وَالِاخْتِلَافُ عَلَى أَبِي إِسْحَقَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ

فَضْلُ الصِّيَامِ ، وَالِاخْتِلَافُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ 2211 أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ ؛ حِينَ يُفْطِرُ وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ . وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . 2211 ( الصَّوْمُ لِي , وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا مَعَ أَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لِلَّهِ -تَعَالَى- , وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدِهَا : أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقَعُ فِيهِ الرِّيَاءِ كَمَا يَقَعُ فِي غَيْرِهِ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : لَيْسَ فِي الصَّوْمِ رِيَاءٌ قَالَ : وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْحَرَكَاتِ إِلَّا الصَّوْمُ , فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تَخْفَى عَنِ النَّاسِ , قَالَ : هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي , وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ , وَقَدِ ارْتَضَى هَذَا الْجَوَابَ الْمَازِرِيُّ , وَابْنُ الْجَوْزِيِّ , وَالْقُرْطُبِيُّ .

الثَّانِي : مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَالَ قَدْ كُشِفَتْ مَقَادِيرُ ثَوَابِهَا لِلنَّاسِ وَأَنَّهَا تُضَعَّفُ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ , إِلَّا الصِّيَامَ , فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ , وَيَشْهَدُ لَهُ مَسَاقُ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ حَيْثُ قَالَ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ , الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ اللَّهُ : إِلَّا الصَّوْمَ , فَإِنَّهُ لِي , وَأَنَا أَجْزِي بِهِ , أَيْ : أُجَازِي عَلَيْهِ خَيْرًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمِقْدَارِهِ . الثَّالِثُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : الصَّوْمُ لِي أَنَّهُ أَحَبُّ الْعِبَادَاتِ إِلَيَّ , وَالْمُقَدَّمُ عِنْدِي . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَفَى بِقَوْلِهِ الصَّوْمُ لِي فَضْلًا لِلصِّيَامِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ , وَرَوَى النَّسَائِيُّ : عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ , فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ .

لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ . الرَّابِعُ : الْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ , كَمَا يُقَالُ : بَيْتُ اللَّهِ , وَإِنْ كَانَتِ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ . الْخَامِسُ : أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ , فَلَمَّا تَقَرَّبَ الصَّائِمُ إِلَيْهِ بِمَا يُوَافِقُ صِفَاتِهِ أَضَافَهُ إِلَيْهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ مُنَاسِبَةٌ لِأَحْوَالِهِمْ , إِلَّا الصِّيَامَ , فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْحَقِّ كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ الصَّائِمَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِأَمْرٍ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِي .

السَّادِسُ : أَنَّ الْمَعْنَى كَذَلِكَ , لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِمْ . السَّابِعُ : أَنَّهُ خَالِصٌ لِلَّهِ -تَعَالَى- , وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَظٌّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ , فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَظًّا لِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ . الثَّامِنُ : أَنَّ الصِّيَامَ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالطَّوَافِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ .

التَّاسِعُ : أَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ تُوَفَّى مِنْهَا مَظَالِمُ الْعِبَادِ , إِلَّا الصَّوْمَ , رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ عَمَلِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ , فَيَتَحَمَّلُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ , وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ , وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : قَالَ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ , إِلَّا الصَّوْمَ , الصَّوْمُ لِي , وَأَنَا أَجْزِي بِهِ , رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ , وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا . الْعَاشِرُ : أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ , كَمَا لَا تَكْتُبُ سَائِرَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ , قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : فَهَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ , وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي , وَأَقْرَبُ مِنْهُمَا الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ . قَالَ : وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ بَلَّغَهَا إِلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا , وَهُوَ الطَّالْقَانِيُّ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ لَهُ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ .

قُلْتُ : قَدْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ ، فَرَأَيْتُهُ بَلَّغَهَا إِلَى خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ قَوْلًا , وَسَأَسُوقُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعْلِيقِ الَّذِي عَلَى ابْنِ مَاجَهْ . قَالَ الْحَافِظُ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّيَامِ هُنَا صِيَامُ مَنْ سَلِمَ صِيَامُهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا , وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ , يَعْنِي أَنَّ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ الْأَوَّلَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ , وَالنِّصْفَ الثَّانِي دُعَاءٌ لِلْعَبْدِ فِي مَصَالِحِهِ , فَقَدْ صَارَ لِلَّهِ غَيْرُ الصَّوْمِ ، قَالَ : وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْإِضَافَةَ الثَّانِيةَ لَا تُنَاقِضُ الْأُولَى , إِذِ الثَّانِيةُ لِأَجْلِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالْأولى لِأَجْلِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ , وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الْجِهَةُ , فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث