بَابُ مَعْرِفَةِ الْمُرْسَلِ وَالْمُسْنَدِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُتَّصِلِ وَالْمَوْقُوفِ وَمَعْنَى التَّدْلِيسِ
باب معرفة المرسل والمسند والمنقطع والمتصل والموقوف ومعنى التدليس قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ أَسْمَاءٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ ، وَأَلْقَابٌ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَيْهَا ، وَأَنَا ذَاكِرٌ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَانِيَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . اعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللَّهُ - أَنِّي تَأَمَّلْتُ أَقَاوِيلَ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَنَظَرْتُ فِي كُتُبِ مَنِ اشْتَرَطَ الصَّحِيحَ فِي النَّقْلِ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ; فَوَجَدْتُهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ إِذَا جَمَعَ شُرُوطًا ثَلَاثَةً ، وَهِيَ : عَدَالَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي أَحْوَالِهِمْ . وَلِقَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مُجَالَسَةً وَمُشَاهَدَةً .
وَأَنْ يَكُونُوا بُرَآءً مِنَ التَّدْلِيسِ . وَالْإِسْنَادُ الْمُعَنْعَنُ : فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ . وَقَدْ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ الْمَوْصِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ زَاكِيَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، قَالَ : قَالَ شُعْبَةُ : فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ لَيْسَ بِحَدِيثٍ ، قَالَ وَكِيعٌ : وَقَالَ سُفْيَانُ : هُوَ حَدِيثٌ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : ثُمَّ إِنَّ شُعْبَةَ انْصَرَفَ عَنْ هَذَا إِلَى قَوْلِ سُفْيَانَ . وَقَدْ أَعْلَمْتُكَ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَالْمُشْتَرِطِينَ فِي تَصْنِيفِهِمُ الصَّحِيحَ ، قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالتَّدْلِيسِ ; فَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ حَتَّى يَقُولَ : حَدَّثَنَا ، أَوْ سَمِعْتُ ، فَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ عَنْ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الِانْقِطَاعُ فِيهَا - مَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ ; فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، فَقَالَ : عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ عَنْ ثَوْرٍ : حَدَّثْتُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ الْمُغِيرَةُ .
قَالَ أَحْمَدُ : وَأَمَّا الْوَلِيدُ فَزَادَ فِيهِ : عَنِ الْمُغِيرَةِ ، وَجَعَلَهُ ثَوْرٌ عَنْ رَجَاءٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ثَوْرٌ مِنْ رَجَاءٍ ; لِأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ قَالَ فِيهِ : عَنْ ثَوْرٍ حُدِّثْتُ عَنْ رَجَاءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَلَا تَرَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَابَ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَوْلَهُ عَنْ فِي مُنْقَطِعٍ لِيُدْخِلَهُ فِي الِاتِّصَالِ ؟ . فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ عَنْ ظَاهِرُهَا الِاتِّصَالُ حَتَّى يَثْبُتَ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، وَمِثْلُ هَذَا عَنِ الْعُلَمَاءِ كَثِيرٌ .
وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي بَابِ : ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .