إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
مَالِكٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، أَوْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ ج١ / ص١٣٢صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ .
هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَالْقَوْلُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي بَابِ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مُسْتَقْصَاةً ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ إِلَيْهِ الْفَضْلُ ، يُرِيدُ أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ مَرَّتَيْنِ وَضِعْفَيْنِ فِي الْفَضْلِ ، وَفَضْلُ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاتِهِ فِي الْفَضْلِ إِذَا قَامَ فِيهَا ، وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا فِي الْقِيَامِ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ ، وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَفْضَلِ الصَّلَوَاتِ ، فَقَالَ : طُولُ الْقُنُوتِ . وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِثْلِهِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فَرْضًا جَالِسًا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطِيقًا عَلَى الْقِيَامِ ، أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ مُطِيقًا ، وَصَلَّى جَالِسًا ، فَهَذَا لَا تُجْزِئه صَلَاتُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِهَذَا نِصْفُ فَضْلِ مُصَلٍّ ، بَلْ هُوَ عَاصٍ بِفِعْلِهِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَنِ الْقِيَامِ عَاجِزًا ، فَقَدْ سَقَطَ فَرْضُ الْقِيَامِ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ صَارَ فَرْضُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا ، فَإِذَا صَلَّى كَمَا أُمِرَ ، فَلَيْسَ الْمُصَلِّي قَائِمًا بِأَفْضَلَ مِنْهُ ; لِأَنَّ كُلًّا قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا وَجَبَ فَرْضًا بِقَوْلِهِ :
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
وَقَوْلِهِ :
قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا
وَقَعَتِ الرُّخْصَةُ فِي النَّافِلَةِ أَنْ يُصَلِّيَهَا الْإِنْسَانُ جَالِسًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِكَثْرَتِهَا ، وَاتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ . ج١ / ص١٣٣وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ عَلَى الْإِيجَابِ لَا عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَأَنَّ النَّافِلَةَ فَاعِلُهَا مُخَيَّرٌ فِي الْقِيَامِ فِيهَا ، فَكَفَى بِهَذَا بَيَانًا شَافِيًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ جَالِسًا فِي النَّافِلَةِ .
حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ أَبُو جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَّانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، قَالَ : مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصَلِّيَ قَاعِدًا ، فَقَالَ : أَمَا إِنَّ لِلْقَاعِدِ نِصْفَ صَلَاةِ الْقَائِمِ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِمْرَانُ بْنُ ج١ / ص١٣٤حُصَيْنٍ ، وَالسَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَأَنَسٌ ، وَفِي
حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهِ ، وَهِيَ " وَصَلَاةُ الرَّاقِدِ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ " . وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُجِيزُونَ النَّافِلَةَ مُضْطَجِعًا ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَيْضًا عَلَى حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ فِي إِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ اخْتِلَافًا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْهُ ، وَإِنْ صَحَّ حَدِيثُ حُسَيْنٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ هَذَا ، فَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ أَجَازَ النَّافِلَةَ مُضْطَجِعًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَوِ الْقِيَامِ ، فَوَجْهُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ النَّافِلَةُ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهِيَةِ النَّافِلَةِ رَاقِدًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَوِ الْقِيَامِ فِيهَا ، فَحَدِيثُ حُسَيْنٍ هَذَا إِمَّا غَلَطٌ وَإِمَّا مَنْسُوخٌ ، وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ النَّافِلَةُ ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الْفَرِيضَةُ ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ مَنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ لَهُ . ج١ / ص١٣٥قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : كَانَ بِي النَّاسُورُ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْقِيَامَ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ إِلَّا بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ ، ثُمَّ كَذَلِكَ الْقُعُودُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ ، ثُمَّ كَذَلِكَ شَيْءٌ شَيْءٌ ، يَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْإِغْمَاءِ ، فَيَسْقُطُ جَمِيعُ ذَلِكَ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَرْضِ لَا فِي النَّافِلَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي النَّافِلَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي نَقْلِ ابْنِ شِهَابٍ لَهُ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، وَالسُّبْحَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ النَّافِلَةُ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ج١ / ص١٣٦عَنْ مِيقَاتِهَا : صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً يَعْنِي نَافِلَةً . وَفَرْضُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ فِي الْمُصَلِّي فَرِيضَةً وَحْدَهُ أَوْ كَانَ إِمَامًا - أَنَّهُ لَا تُجْزِئهِ صَلَاتُهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِيهَا وَصَلَّى قَاعِدًا ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْنَاهُ النَّافِلَةُ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
أَيْ قَائِمِينَ ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ فُرِضَ الْقِيَامُ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقُومُوا وَلِقَوْلِهِ قَانِتِينَ ، يُرِيدُ قُومُوا قَائِمِينَ لِلَّهِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ ، فَخَرَجَ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فِي الْفَائِدَةِ ؛ لِاحْتِمَالِ الْقُنُوتِ وُجُوهًا كُلُّهَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ يُسَمَّى قُنُوتًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سُئِلَ : أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : طُولُ الْقُنُوتِ ، يَعْنِي طُولَ الْقِيَامِ . وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ ، وَهُوَ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، إِنَّمَا سُمِّيَ قُنُوتًا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ قَائِمٌ لِلدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ ، فَكَأَنَّهُ سُكُوتٌ وَقِيَامٌ إِذْ لَا يَقْرَأُ فِيهِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْقُنُوتُ السُّكُوتَ ، رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ لِمَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الْآيَةَ يَقُومُ مِنْهَا هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ وَغَيْرُهُمَا ، لِاحْتِمَالِهِمَا فِي اللُّغَةِ لِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقُنُوتَ فِي اللُّغَةِ لَهُ وُجُوهٌ مِنْهَا أَنَّ الْقُنُوتَ الطَّاعَةُ ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ
أَيْ مُطِيعُونَ ، وَقَوْلُهُ :
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
ج١ / ص١٣٧أَيْ مُطِيعًا لِلَّهِ ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقُنُوتَ الصَّلَاةُ فِيمَا زَعَمَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
ثُمَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
قَانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتْبَهُ
وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَلْ
وَقَالَ : تَحْتَمِلُ هَذِهِ الْآيَةُ وَهَذَا الْبَيْتُ جَمِيعًا عِنْدِي مَعْنَى الطَّاعَةِ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقُنُوتَ الدُّعَاءُ ، دَلِيلُ ذَلِكَ الْقُنُوتُ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَوْلُهُمْ : قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا يَدْعُو ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ فِي النَّافِلَةِ ، وَصَلَاةِ الْمَرِيضِ ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَرِيضِ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ فِي قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ تَهَيَّأَ لِلسُّجُودِ فَسَجَدَ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ ، وَكَذَلِكَ الْمُتَنَفِّلُ قَاعِدًا ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَتَرَبَّعُ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ ، وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي حَالِ السُّجُودِ فَيَسْجُدُ ، وَهَذَا نَحْوَ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجْلِسُ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ ، فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ ، وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ : يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ : يَجْلِسُ كَجُلُوسِ الصَّلَاةِ فِي التَّشَهُّدِ ، وَكَذَلِكَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَكُونُ مُتَرَبِّعًا فِي حَالِ الْقِيَامِ وَحَالِ الرُّكُوعِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَيَكُونُ فِي حَالِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ . ج١ / ص١٣٨قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَرَبَّعَ أَحَدٌ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : يَقُولُ إِذَا صَلَّى قَائِمًا ، فَلَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ مُتَرَبِّعًا ، فَأَمَّا إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَلْيَتَرَبَّعْ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّرَبُّعَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، قَالَ شُعْبَةُ : فَسَأَلْتُ عَنْهُ حَمَّادًا ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ فِي التَّطَوُّعِ . وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي النَّافِلَةِ جُلُوسًا مُتَرَبِّعِينَ ، وَمَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عُرْوَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ النَّافِلَةَ وَهُمَا مُحْتَبِيَانِ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُصَلِّي فِي التَّطَوُّعِ مُحْتَبِيًا ، قَالَ مَعْمَرٌ : وَرَأَيْتُ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ يَحْتَبِي فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَقَالَ : مَا أَرَانِي أَخَذْتُهُ إِلَّا مِنَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَبِي فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فِي التَّطَوُّعِ ، وَذَكَرَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ ، قَالَ : فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ ثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُصَلِّي جَالِسًا مُحْتَبِيًا ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ أَكْثَرَ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ مَرِيضًا ثُمَّ صَحَّ فِيهَا ، فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ . ج١ / ص١٣٩