حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهَى

حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهَى ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا تُزْهَى ؟ قَالَ : حَتَّى تَحْمَرَّ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَفِيمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى تَحْمَرَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثِّمَارَ إِذَا بَدَا فِيهَا الِاحْمِرَارُ وَكَانَتْ مِمَّا تَطِيبُ إِذَا احْمَرَّتْ مِثْلَ ثَمَرِ النَّخْلِ وَشَبَهِهَا حَلَّ بَيْعُهَا ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إِلَّا عَلَى الْقَطْعِ فِي الْحِينِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاحْمِرَارُ الثَّمَرَةِ فِي النَّخْلِ هُوَ بَدُوُّ صَلَاحِهَا ، وَهُوَ وَقْتٌ لِلْأَمْنِ مِنَ الْعَاهَاتِ عَلَيْهَا فِي الْأَغْلَبِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : أَزْهَتْ ، وَاحْمَرَّتْ ، وَبَدَا صَلَاحُهَا ، أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ وَرَدَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ مَعَانِيهَا كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ ، وَذَلِكَ إِذَا بَدَا طِيبُهَا وَنُضْجُهَا ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الثِّمَارِ إِذَا بَدَا صَلَاحُ الْجِنْسِ مِنْهَا ، وَطَابَ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا الطِّيبَ الْمَعْهُودَ فِي التِّينِ وَالْعِنَبِ وَسَائِرِ الثِّمَارِ ، جَازَ بَيْعُهَا عَلَى التَّرْكِ فِي شَجَرِهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَوَانُهَا بِطِيبِ جَمِيعِهَا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ ، وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ بَدُوِّ صَلَاحِهِ إِلَّا عَلَى الْقَطْعِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ أَرْجَأْنَا الْقَوْلَ فِيهِ إِلَى بَابِ نَافِعٍ ، فَهُنَاكَ تَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَفِيمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ، فَيَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِذْ جَعَلُوهُ مَرْفُوعًا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، مِثْلَهُ . وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ; لِأَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَقَوْلُهُ مَعَ ذَلِكَ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، أَيْ : إِذَا بِعْتُمُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ طِيبِهَا ، وَمَنَعَهَا اللَّهُ كُنْتُمْ قَدْ رَكِبْتُمُ الْغَرَرَ وَأَخَذْتُمْ مَالَ الْمُبْتَاعِ بِالْبَاطِلِ ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِي الثِّمَارِ أَنْ تَلْحَقَهَا الْجَوَائِحُ قَبْلَ ظُهُورِ الطِّيبِ فِيهَا ، فَإِذَا طَابَتْ أَوْ طَابَ أَوَّلُهَا أُمِنَتْ عَلَيْهَا الْعَاهَةُ فِي الْأَغْلَبِ وَجَازَ بَيْعُهَا ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَمْرِهَا السَّلَامَةُ ، فَإِنْ لَحِقَتْهَا جَائِحَةٌ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ وَكَانَتْ كَالدَّارِ تُبَاعُ فَتَنْهَدِمُ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُبْتَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، أَوِ الْحَيَوَانُ يُبَاعُ فَيَمُوتُ بِأَثَرِ قَبْضِ مُبْتَاعِهِ لَهُ ، أَوْ سَائِرُ الْعُرُوضِ ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ السَّلَامَةُ ، فَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ نَادِرًا لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُعَرَّجْ عَلَيْهِ ، وَكَانَتِ الْمُصِيبَةُ مِنْ مُبْتَاعِهِ .

وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ إِذَا بِيعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى مَا لَحِقَهَا مِنَ الْجَوَائِحِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ سَلِمُوا مِنْ عِظَمِ الْغَرَرِ ، وَلَا يَكَادُ شَيْءٌ مِنَ الْبُيُوعِ يَسْلَمُ مِنْ قَلِيلِ الْغَرَرِ ، فَكَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، قَالُوا : فَإِذَا بِيعَتِ الثَّمَرَةُ فِي وَقْتٍ يَحِلُّ بَيْعُهَا ، ثُمَّ لَحِقَتْهَا جَائِحَةٌ كَانَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ جَذَبَ فَتَلِفَتْ ، كَانَتْ مُصِيبَتُهَا مِنَ الْمُبْتَاعِ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، قِيلَ لَهُ : وَمَا بُدُوُّ صَلَاحِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا ذَهَبَتْ عَاهَتُهَا . وَبِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ .

ذَكَرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ . أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالثَّمَرِ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُرَاقَةَ : فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ : مَتَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : طُلُوعُ الثُّرَيَّا . وَرَوَى الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ عِسْلِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : إِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ ابْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ وَعَفَّانُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عِسْلِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : مَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا قَطُّ ، وَبِقَوْمٍ عَاهَةٌ ، إِلَّا رُفِعَتْ عَنْهُمْ ، أَوْ خَفَتْ .

قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ عَلَى الْأَغْلَبِ ، وَمَا وَقَعَ نَادِرًا ، فَلَيْسَ بِأَصْلٍ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ ، وَالنَّجْمُ هُوَ الثُّرَيَّا ، لَا خِلَافَ هَاهُنَا فِي ذَلِكَ ، وَطُلُوعُهَا صَبَاحًا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً تَمْضِي مِنْ شَهْرِ أَيَارٍ ، وَهُوَ شَهْرٌ مَايٍ ، فَنَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّهُ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ لَا غَيْرَ ، فَإِذَا بَدَا صَلَاحُهَا ارْتَفَعَ الْغَرَرُ فِي الْأَغْلَبِ عَنْهَا كَسَائِرِ الْبُيُوعِ ، وَكَانَتِ الْمُصِيبَةُ فِيهَا مِنَ الْمُبْتَاعِ إِذَا قَبَضَهَا عَلَى أُصُولِهِمْ فِي الْمَبِيعِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ . وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، فِيمَنِ ابْتَاعَ ثَمَرَةً مِنْ نَخْلٍ أَوْ سَائِرِ الْفَوَاكِهِ وَالثَّمَرَاتِ ، فَقَبَضَ ذَلِكَ بِمَا يُقْبَضُ بِهِ مِثْلُهُ ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَأَهْلَكَتْهُ كُلَّهُ ، أَوْ بَعْضَهُ ، كَانَ ثُلُثًا ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَالْمُصِيبَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْعِرَاقِ يَقُولُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ بمصر ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ مَذْهَبِهِ لِحَدِيثِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَوْضِعِ الْجَوَائِحِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُنَا بِحَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ وَضْعَ الْجَائِحَةِ ، قَالَ : ثُمَّ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ كَذَلِكَ ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ وَضْعَ الْجَوَائِحِ ، فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : هُوَ فِي الْحَدِيثِ وَاضْطَرَبَ لَنَا فِيهِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ أُعِدْهُ ، قَالَ : وَلَوْ كُنْتُ قَائِلًا بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ لَوَضَعْتُهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، قَالَ : وَالْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَاعَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَبْضُهُ كَانَتِ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا وَضْعُ الْجَوَائِحِ فَيُخْرِجُهُ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ .

قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ فِي ذِكْرِ الْجَوَائِحِ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَبَعْضُهُمْ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْهُ فِيهِ ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فِيمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ . دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ إِذَا مُنِعَتْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَائِعُ ثَمَنًا ; لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ مَنَعَ مِمَّا ابْتَاعَهُ ، قَالُوا : وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ ، قَالُوا : وَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَذَا فِي الثِّمَارِ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِهِ فِي سَائِرِ السِّلَعِ ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ .

وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ تَمِيمٍ الْقَفَصِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ . قَالُوا : وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُنَسَّقْ عَلَى النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَيَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا احْتَمَلَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ ، بَلْ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا أَنَّهُ الْبَيْعُ الْمُبَاحُ بَعْدَ الْإِزْهَاءِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ ، لَا يَحْتَمِلُ ظَاهِرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَوْضَحُ وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى الْإِكْثَارِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ . وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ .

وَمِمَّنْ قَالَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ هَكَذَا مُجْمَلًا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَبِوَضْعِ الْجَوَائِحِ كَانَ يَقْضِي رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ وَجُمْهُورَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُرَاعُونَ الْجَائِحَةَ وَيَعْتَبِرُونَ فِيهَا أَنْ تَبْلُغَ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ فَصَاعِدًا ، فَإِنْ بَلَغَتِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا حَكَمُوا بِهَا عَلَى الْبَائِعِ وَجَعَلُوا الْمُصِيبَةَ مِنْهُ ، وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلْثِ أَلْغَوْهُ وَكَانَتِ الْمُصِيبَةُ عِنْدَهُمْ فِيهِ مِنَ الْمُبْتَاعِ ، وَجَعَلُوا مَا دُونَ الثُّلُثِ تَبَعًا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ فِي حُكْمِ التَّافِهِ الْيَسِيرِ إِذْ لَا تَخْلُو ثَمَرَةٌ مِنْ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْقَلِيلُ مِنْ طِيبِهَا ، وَأَنْ يَلْحَقَهَا فِي الْيَسِيرِ مِنْهَا فَسَادٌ . فَلَمَّا لَمْ يُرَاعِ الْجَمِيعُ ذَلِكَ التَّافِهَ الْحَقِيرَ كَانَ مَا دُونَ الثُّلْثِ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : كَادَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنْ لَا يَسْتَقِيمُوا فِي الْجَائِحَةِ ، يَقُولُونَ : مَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِلَى الثُّلُثِ ، فَإِذَا كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَهِيَ جَائِحَةٌ . قَالَ : وَمَا رَأَيْتُهُمْ يَجْعَلُونَ الْجَائِحَةَ إِلَّا فِي الثِّمَارِ .

وَقَالَ : وَذَلِكَ أَنِّي ذَكَرْتُ لَهُمُ الْبَزَّ يَحْتَرِقُ وَالرَّقِيقَ يَمُوتُونَ ، قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : مَا الْجَائِحَةُ ؟ قَالَ : النِّصْفُ . وَرَوَى حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : وَالْجَائِحَةُ الرِّيحُ وَالْمَطَرُ وَالْجَرَادُ وَالْحَرِيقُ . وَالْمُرَاعَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ ، لَا ثُلُثُ الثَّمَنِ ، وَلَوْ كَانَ مَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَرَةِ وَفَاءً لِرَأْسِ مَالِهِ وَأَضْعَافَ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَتِ الْجَائِحَةُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فَمُصِيبَتُهَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِ مَا بَقِيَ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ .

وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسَائِرُ مَنْ قَالَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ وَضَعُوهَا عَنِ الْمُبْتَاعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَقَالُوا : الْمُصِيبَةُ فِي كُلِّ مَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ مِنَ الثِّمَارِ عَلَى الْبَائِعِ ، قَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ كَثِيرًا ، وَلَا مَعْنًى عِنْدَهُمْ لِتَحْدِيدِ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ ، وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ وَرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ وَضْعَ الْجَوَائِحِ يَتَأَوَّلُ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ ، وَيَقُولُ : هُوَ كَحَدِيثِ عَمْرَةَ فِي الَّذِي تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ فِيمَا ابْتَاعَهُ مِنْ ثَمَرِ الْحَائِطِ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا ، يَعْنِي رَبَّ الْحَائِطِ ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ فِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ ، وَمَا لَمْ يُقْبَضْ فَمُصِيبَتُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَائِعِهِ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ خَرَاجِ الْأَرْضِ يُرِيدُ كِرَاءَهَا عَمَّنْ أَصَابَ ثَمَرَهُ ، أَوْ زَرْعَهُ آفَةٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنْ أَنَسًا سَاقَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَفَهْمِهِ بِتَمَامِهِ .

وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ كُلُّهَا خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالظَّاهِرُ يُوجِبُ وَضْعَ الْجَوَائِحِ إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ . وَأَمَّا الْأُصُولُ فَتَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا جُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْحَوَائِجِ فَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنِ ابْتَاعَ ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، وَإِذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ لَمْ تُوضَعْ عَنِ الْمُشْتَرِي ، وَكَانَتِ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِمَا .

قَالَ : وَأَمَّا الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَالرُّمَّانُ وَالتُّفَّاحُ وَالْخَوْخُ وَالْأُتْرُجُّ وَالْمَوْزُ وَكُلُّ مَا يُجْنَى بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ مِنَ الْمَقَاثِي ، وَمَا أَشْبَهَهَا إِذَا أَصَابَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْجَائِحَةُ ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى الْمَقْثَأَةِ كَمْ نَبَاتُهَا مِنْ أَوَّلِ مَا يَشْتَرِي إِلَى آخِرِ مَا يَنْقَطِعُ ثَمَرَتُهَا فِي الْمُتَعَارَفِ ، وَيُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى قَدْرِ نِفَاقِهِ فِي الْأَسْوَاقِ ، ثُمَّ يَمْتَثِلُ فِيهِ أَنْ يُقَسِّمَ الثَّمَنَ عَلَى ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْحَائِطِ يَكُونُ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ فَيُجَاحُ مِنْهَا نَوْعٌ وَاحِدٌ ، فَكَانَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ يَقُولَانِ : لَا يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الثَّمَرَةِ وَلَكِنْ إِلَى الْقِيمَةِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ فصاعدا وُضِعَ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : بَلْ يُنْظَرُ إِلَى الثَّمَرَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا يَرَى السَّرِقَ جَائِحَةً وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ وَالنَّاسُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ : مَنِ اشْتَرَى حَوَائِطَ فِي صَفَقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَأُصِيبَ مِنْهَا ثُلُثُ حَائِطٍ ، فَإِنَّهَا تُوضَعُ عَنْهُ ، وَلَوِ اشْتَرَاهَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَا وَضْعِيَّةَ لَهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ ثَمَرِ جَمِيعِ الْحَوَائِطِ .

وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا وَالْبَصَلِ وَالْجَزِر وَالْكُرَّاثِ وَالْفِجْلِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا اشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي كُلُّ شَيْءٍ أَصَابَتْهُ بِهِ الْجَائِحَةُ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، قَالَ : وَكُلُّ مَا يَبِسَ فَصَارَ تَمْرًا ، أَوْ زَبِيبًا وَأَمْكَنَ قِطَافُهُ ، فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ ، قَالَ : وَالْجَرَادُ وَالنَّارُ وَالْبَرْدُ وَالْمَطَرُ وَالطَّيْرُ الْغَالِبُ وَالْعَفَنُ وَمَاءُ السَّمَاءِ الْمُتَرَادِفُ الْمُفْسِدُ وَالسَّمُومُ وَانْقِطَاعُ مَاءِ الْعُيُونِ ، كُلُّهَا مِنَ الْجَوَائِحِ . إِلَّا الْمَاءَ فِيمَا يُسْقَى ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ قَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ ; لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ سَبَبِ مَا يُبَاعُ ، وَلَا جَائِحَةَ فِي الثَّمَرِ إِذَا يَبِسَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا جَائِحَةَ فِي ثَمَرٍ عِنْدَ جُذَاذِهِ ، وَلَا فِي زَرْعٍ عِنْدَ حَصَادِهِ ، قَالَ : وَمَنِ اشْتَرَى زَرْعًا قَدِ اسْتَحْصَدَ ، فَتَلِفَ ، فَالْمُصِيبَةُ مِنَ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْصُدْهُ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَحْنُونًا ، قَالَ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْكَرْمَ ، وَقَدْ طَابَ فَيُؤَخِّرُ قِطَافَهُ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ لِيَكُونَ أَكْثَرَ لِثَمَنِهِ فَتُصِيبُهُ جَائِحَةٌ : إِنَّهُ لَا جَائِحَةَ فِيهِ ، وَلَا يُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي فِيهِ شَيْءٌ .

قَالَ : وَكَذَلِكَ الثمر إِذَا طَابَ كُلُّهُ وَتَرَكَهُ لِلْغَلَاءِ فِي ثَمَنِهِ . قَالَ : وَلَيْسَ التِّينُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَطِيبُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَمَا طَابَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وُضِعَ عَنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَصْحَابُهُ بَيْعَ الْمَقَاثِي إِذَا بَدَا صَلَاحُ أَوَّلِهَا وَبَيْعَ الْبَاذِنْجَانِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْمَوْزِ .

وَأَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِإِجَازَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بَيْعُ الثِّمَارِ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهَا ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يَطِيبَ أَوَّلُهَا ، أَوْ يَبْدُوَ صَلَاحُ بَعْضِهَا ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي الثِّمَارِ كَانَتِ الْمَقَاثِي وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يُخْلَقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَيَخْرُجُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ، كَذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنَ الْحَائِطِ ، وَمِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ كَذَلِكَ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنَ الْمَقَاثِي ، وَمَا أَشْبَهَهَا تَبَعًا لِمَا خُلِقَ وَطَابَ ، وَقِيَاسًا أَيْضًا عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِ الدَّارِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ ، وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُؤَدِّي إِلَى إِجَازَتِهِ ، وَقَوْلُ الْمُزَنِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ سَوَاءً . وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ بَيْعَ الْمَقَاثِي ، وَلَا بَيْعَ شَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَالْبَيْعُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فِي ذَلِكَ مَفْسُوخٌ ، إِلَّا أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ فِيمَا ظَهَرَ وَأَحَاطَ الْمُبْتَاعُ بِرُؤْيَتِهِ وَطَابَ بَعْضُهُ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَلِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مَقْصُودَةٌ بِالشِّرَاءِ لَيْسَتْ مَرْئِيَّةً ، وَلَا مُسْتَقِرَّةً فِي ذِمَّةٍ فَأَشْبَهَتْ بَيْعَ السِّنِينَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

ورد في أحاديث17 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث