الْحَدِيثُ الرَّابِعُ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ ، فَرُفِعَتْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ . وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِأَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ ، فَقَالَ : إِنِّي خَرَجْتُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَرُفِعَتْ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا : فَرُفِعَتْ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ . وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَعَانِيهِ أَنَّهُ رُفِعَ عِلْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْهُ فَأُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلِمَهَا ، وَلَمْ تُرْفَعْ رَفْعًا ، لَا تَعُودُ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍ أَنَّهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : فَالْتَمِسُوهَا ، إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ - الْتَمِسُوهَا فِي سَائِرِ الْأَعْوَامِ ، أَوْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَإِنَّهَا رُفِعَتْ فِي هَذَا الْعَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ تَعُودُ فِيهِ فِي غَيْرِهَا ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ ، لَا تَعْدُوهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ سَبَبُ رَفْعِ عِلْمِهَا عَنْهُ مَا كَانَ مِنَ التَّلَاحِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْمُلَاحَاةُ فَهِيَ التَّشَاجُرُ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ وَالْمُرَاجَعَةُ بِالْقَوْلِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ عَلَى حَالِ الْغَضَبِ ، وَذَلِكَ شُؤْمٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا وَعَنِ الْمِرَاءِ أَشَدَّ النَّهْيِ . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : نَهَانِي رَبِّي عَنْ مُلَاحَاةِ الرِّجَالِ . وَقَالَ : الْمُلَاحَاةُ السَّبُّ ، يُقَالُ : تَلَاحَيَا إِذَا اسْتَبَّا ، وَلَحَانِي أَسْمَعَنِي مَا أَكْرَهُ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ . وأنشد :
أَلَا أَيُّهَا اللَّاحِي بِأَنْ أَحْضُرَ الْوَغَى
وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وَقَدْ يُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى غَيْرِ هَذَا : أَلَّا أَيُّهَا ذَا اللَّائِمِي أَحْضُرُ الْوَغَى وَمِنْ شُؤْمِ الْمُلَاحَاةِ أَنَّهُمْ حُرِمُوا بَرَكَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَهَذَا مِمَّا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، وَلَمْ يُحْرَمُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنَعَهُمُ الْإِخْبَارَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَأْدِيبًا لَهُمْ فِي الْمُلَاحَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتَغَلَ بَالُهُ بِتَشَاجُرِهُمَا فَنَسِيَهَا . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مَنْصُوصًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْعَشْرَ الْأَوَاسِطَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَهُوَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ ، فَلَمَّا انْقَضِينَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ ، يَعْنِي فَرَفَعَ ، فَأُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَعَادَ الْبِنَاءَ وَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، فَخَرَجْتُ أُخْبِرُكُمْ بِهَا ، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ وَمَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنَسِيتُهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي السَّابِعَةِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي الْخَامِسَةِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَسَكَتَ سَاعَةً ، فَقَالَ : لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ مَا قُلْتُ آنِفًا وَأَنَا أَعْلَمُهَا ، أَوْ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَاسْتَقَامَ مَلَأُ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ تَاسِعَةٌ تَبْقَى ، يَعْنُونَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَسَابِعَةٌ تَبْقَى لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَخَامِسَةٌ تَبْقَى لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي زَنْبَرٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ : مَا وَجْهُ تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ، فَقَالَ : أَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّاسِعَةِ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَالسَّابِعَةِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَبِالْخَامِسَةِ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ مَشْرِقِيٌّ ، لَا أَعْلَمُهُ . وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا وَصَفْتُ لَكَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَنْصُوصًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ هَذَا ، وَبِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ التَّاسِعَةَ عَلَى السَّابِعَةِ وَالسَّابِعَةَ عَلَى الْخَامِسَةِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى ، وَفِي سَابِعَةٍ تَبْقَى ، وَفِي خَامِسَةٍ تَبْقَى . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَيُّوبُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ مَعْمَرٌ . وَرَوَى أَبُو نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا ، قَالَ : أَجَلْ ، قُلْتُ : مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ : إِذَا مَضَتْ إِحْدَى وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا التَّاسِعَةُ ، وَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ ، وَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ . هَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ مُرَاعَاةُ الَّتِي تَلِيهَا ، وَذَلِكَ الْأُولَى مِنَ التِّسْعِ الْبَوَاقِي ، وَالْأُولَى مِنَ السَّبْعِ الْبَوَاقِي ، وَالْأُولَى مِنَ الْخَمْسِ الْبَوَاقِي ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ كَمَالَ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْأَغْلَبُ ، وَمَا خَالَفَهُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِنُزُولِهِ ، لَا بِأَصْلِهِ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ كَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ أَنَّهَا فِي لَيْلَةِ سَابِعَةٍ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا مِنْكُمْ فَلْيَتَحَرَّهَا فِي لَيْلَةِ سَابِعَةٍ . قَالَ مَعْمَرٌ : فَكَانَ أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَيَمَسُّ طِيبًا . قَوْلُهُ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذَا التَّاسِعَةَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالسَّابِعَةَ مِنْهُ ، وَالْخَامِسَةَ مِنْهُ ، يَعْنُونَ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، قَالُوا : فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ التَّاسِعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ السَّابِعَةُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، قَالُوا : وَلَيْسَ فِي تَقْدِيمِهِ لَهَا فِي لَفْظِهِ وَعَطْفِهِ بِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمٍ ، وَلَا تَأْخِيرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَاسِعَةً تَبْقَى وَسَابِعَةً تَبْقَى وَخَامِسَةً تَبْقَى يَقْضِي لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي اللَّيَالِي الَّتِي تَكُونُ وِتْرًا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَالِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ . وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ وِتْرٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ ، وَفِي لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَمِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ; لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمَاعَةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ فَهُوَ مَشْهُورٌ وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي مُنْقَطِعًا ، وَقَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا ، هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : كَمِ اللَّيْلَةُ ؟ ، قَالَ : اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، قَالَ : هِيَ اللَّيْلَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : أَوِ الْقَابِلَةُ ، يُرِيدُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهَا لَيْلَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا كَذَلِكَ جَازَ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ وِتْرٍ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . ذَكَرَ مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ ، يَقُولُ : نَظَرْتُ الشَّمْسَ عِشْرِينَ سَنَةً فَرَأَيْتُهَا تَطْلُعُ صَبَاحَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ . وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ . وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ الْعَامِ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ فِي مَثَلِهِ بَعْدُ ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بِلَا شَكٍّ ، وَسَتَرَى ذَلِكَ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَجْتَهِدُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْتِي فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ قِصَّةُ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ تَأْتِي فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَالثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ صَبِيحَةَ بَدْرٍ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَهَذَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ جَازَ عِنْدَهُمَا أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلُهُ هَذَا مَرْفُوعًا ، رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : اطْلُبُوهَا لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ سَكَتَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرِدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ أَبِي عَقْرَبٍ الْأَسَدِيِّ ، قَالَ : أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ ، فَوَجَدْنَاهُ فَوْقَ الْبَيْتِ ، قَالَ : فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَلَمَّا نَزَلَ ، قُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : فَقَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي النِّصْفِ مِنَ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ بَيْضَاءَ ، لَا شُعَاعَ لَهَا فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ فَرَأَيْتُهَا كَمَا حَدَّثْتَ فَكَبَّرْتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو الصَّلْتِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ ، وَإِسْنَادُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَبُو عَقْرَبٍ الْأَسَدِيُّ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، وَهُوَ وَالِدُ نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ فَمَعْنَاهُ : لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي تِسْعٍ فِي كُلِّ وِتْرٍ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ خِلَافٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ ، فَلَفْظُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ غَيْرُ لَفْظِ نَافِعٍ ، وَلَفْظُ نَافِعٍ غَيْرُ لَفْظِ سَالِمٍ ، وَمَعْنَاهَا مُتَقَارِبٌ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ ، أَوِ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، قَالَ : قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، فَإِنَّ صَاحِبَنَا سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا ، فَقَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ . زَادَ مُسَدَّدٌ : وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّكِلُوا ، أَوْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا . ثُمَّ اتَّفَقَا : وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، لَا يُسْتَثْنَى ، قُلْتُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، أَنَّى عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ ، قَالَ : بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قُلْتُ لِزِرٍّ : مَا الْآيَةُ ؟ قَالَ : تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَرَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَالَّذِي تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْهُ بِأَقْوَى مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَأَظُنُّهُ أَرَادَ بِمَا حَكَى عَنْهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ سَائِرَ الْعَامِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا . وَذَكَرَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا . كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ : هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ رُوَاةِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا : هِيَ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ . وَجَاءَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ : أَرُفِعَتْ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْنَسَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَدْ رُفِعَتْ ، قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، قَالَ : قُلْتُ : فَهِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ أَسْتَقْبِلُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ يَأْتِي . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ وَأَنَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَرَأَيْتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، أَفِي كُلِّ رَمَضَانَ هِيَ ؟ ، قَالَ : إِي وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، إِنَّهَا لَفِي كُلِّ رَمَضَانَ ، إِنَّهَا لَلَيْلَةٌ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾، فِيهَا يَقْضِي اللَّهُ كُلَّ خَلْقٍ وَأَجَلٍ وَرِزْقٍ وَعَمِلٍ إِلَى مِثْلِهَا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَالِكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَرَ فِي إِدْنَائِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ دُونَهُمْ ، قَالَ : وَكَانَ يَسْأَلُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمُ الْيَوْمَ مِنْهُ شَيْئًا فَتَعْرِفُونَ فَضْلَهُ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ :
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
قَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِذَا رَأَى النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا جَاءَ يَحْمَدُهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَلَا تَكَلَّمُ ، فَقَالَ : أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوتُ ،
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
فَالْمَوْتُ آتِيكَ ،
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
قَالَ : ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُنَّا نَرَاهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاسِطِ ، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَلَا تَكَلَّمُ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : قَدْ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ، وَإِنَّمَا نَسْأَلُكَ عَنْ عِلْمِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فَاسْتَوَى عَلَيْهِنَّ ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ سَبْعًا ، وَجَعَلَ عِدَّةَ الْأَيَّامِ سَبْعًا ، وَرَمْيَ الْجِمَارَ سَبْعًا ، وَخَلْقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ ، وَجَعَلَ رِزْقَهُ مِنْ سَبْعٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : خَلَقَ الْإِنْسَانَ مَنْ سَبْعٍ وَجَعَلَ رِزْقَهُ مِنْ سَبْعٍ ، هَذَا أَمْرٌ مَا فَهِمْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا
حَتَّى بَلَغَ آخِرَ الْآيَاتِ وَقَرَأَ :
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
وَعِنَبًا
إِلَى : ( وَلِأَنْعَامِكُمْ ) ، ثُمَّ قَالَ : وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ . قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، يَعْنِي فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : وَمَا أَعْجَبَكَ ؟ سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يَسْأَلُنِي مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْهُمْ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا تَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا ، قَالَ : لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ : فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وِتْرًا ، فَفِي أَيِّ الْوِتْرِ ؟ فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ فِي الْوِتْرِ ، فَقَالَ : مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنْ شِئْتَ تَكَلَّمْتُ ، قَالَ : مَا دَعَوْتُكَ إِلَّا لِتَتَكَلَّمَ ، فَقُلْتُ : رَأَيْتُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ السَّبْعِ ، فَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا وَالطَّوَافَ سَبْعًا وَالْجِمَارَ سَبْعًا ، وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ ، وَجَعَلَ رِزْقَهُ فِي سَبْعَةٍ ، قَالَ : كُلُّ مَا ذَكَرْتَ قَدْ عَرَفْتُهُ ، فَمَا قَوْلُكَ : خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعَةٍ وَجَعَلَ رِزْقَهُ فِي سَبْعَةٍ ؟ قَالَ :
خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
ثُمَّ قَالَ :
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
ثُمَّ قَرَأَتُ :
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وَزَيْتُونًا وَنَخْلا
وَحَدَائِقَ غُلْبًا
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا
وَالْأَبُّ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِمَّا لَا يَأْكُلُ النَّاسُ ، وَمَا أَرَاهَا إِلَّا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لِسَبْعٍ يَبْقَيْنَ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَعْيَيْتُمُونِي أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعُ شُئُونُ رَأْسِهِ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : مَنْ قَامَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَدْ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ يَقُولُ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِمٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا عِكْرِمَةَ ، يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : دَعَا عُمَرُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَاجْتَمَعُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ لِعُمَرَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ ، أَوْ إِنِّي لَأَظُنُّ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ ، قَالَ : عُمَرُ : فَأَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ ؟ فَقُلْتُ : سَابِعَةٌ تَمْضِي ، أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ : خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعَ أَرَضِينَ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنَّ الدَّهْرَ يَدُورُ عَلَى سَبْعٍ ، وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ سَبْعٍ وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعٍ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَبْعٌ وَرَمْيُ الْجِمَارِ سَبْعٌ ، لِأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ فَطِنْتَ لِأَمْرٍ مَا فَطِنَّا لَهُ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَزِيدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ ، قَالَ : هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
الْآيَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَعَا عُمَرُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَأَجْمَعُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّهُ ; لِأَنَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ سَكَنَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ النَّفْسُ أَمْيَلُ إِلَى أَنَّهَا فِي الْأَغْلَبِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهَا سَابِعَةٌ تَمْضِي ، أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى . وَأَكْثَرُ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ الصِّحَاحِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي كُلِّ مَا أَوْرَدْنَا مِنَ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا عَلَامَةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا تُعْرَفُ بِهَا مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً كَمَا تَقُولُ الْعَامَّةُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : كَانَ أَسْأَلَ النَّاسِ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ كَانَتْ تَكُونُ عَلَى عَهْدِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبُوا رُفِعَتْ ؟ قَالَ : ( لَا ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . قَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَخْبِرْنَا بِهَا ، قَالَ : ( لَوْ أُذِنَ لِي فِيهَا لَأَخْبَرْتُكُمْ ، وَلَكِنِ الْتَمِسُوهَا فِي إِحْدَى السَّبْعَيْنَ ، ثُمَّ لَا تَسْأَلْنِي عَنْهَا بَعْدَ مَقَامِكَ وَمَقَامِي ) ، ثُمَّ أَخَذَ فِي حَدِيثٍ ، فَلَمَّا انْبَسَطَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا حَدَّثْتَنِي بِهَا ، فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضْبَةً لَمْ يَغْضَبْ عَلَيَّ قَبْلَهَا مِثْلَهَا ، وَلَا بَعْدَهَا مِثْلَهَا . هَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالِكُ بْنُ مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يُقِمِ الْأَوْزَاعِيُّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا سَاقَهُ سِيَاقَةَ أَهْلِ الْحِفْظِ لَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مَرْثَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي مَرْثَدٌ ، قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا ذَرٍّ ، قُلْتُ : كُنْتُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : أَنَا كُنْتُ أَسْأَلَ النَّاسِ عَنْهَا ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ هِيَ أَمْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ فِي رَمَضَانَ ، قُلْتُ : تَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا كَانُوا ، فَإِذَا قُبِضُوا رُفِعَتْ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قُلْتُ : فِي أَيِّ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ وَالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ، ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَحَدَّثَ ، ثُمَّ اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي فِي أَيِّ الْعِشْرِينَ هِيَ ؟ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْأَوَاخِرِ ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ، ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَحَدَّثَ ، ثُمَّ اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي فِي أَيِّ الْعَشْرِ هِيَ ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ مِثْلَهُ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ عِكْرِمَةُ : كَلِمَةً لَمْ أَحْفَظْهَا ، ثُمَّ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا . فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ ، وَأَنَّهَا أَحْرَى أَنْ تَكُونَ فِي الْعَشْرِ ، وَفِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
وَقَالَ :
إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لَكِنَّهَا فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ ، أَوِ السَّبْعِ الْبَوَاقِي تَكُونُ أَكْثَرَ ، عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ . وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا لَيْلَةٌ عَظِيمٌ شَأْنُهَا وَبَرَكَتُهَا ، وَجَلِيلٌ قَدْرُهَا ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تُدْرِكُ فِيهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ مَا فَاتَهُمْ مِنْ طُولِ أَعْمَالِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ فِي الْعَمَلِ ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا . نَسْأَلُ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يُوَفِّقَنَا لَهَا ، وَأَنْ لَا يَحْرِمَنَا خَيْرَهَا آمِينَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا . فَسُبْحَانَ الْمُتَفَضِّلِ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَنَّانُ الْمُفَضِّلُ .