الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ : لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ ، قَالَ : فَقُلْتُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُتَّصِلًا وَتَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو مُصْعَبٍ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عُفَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ لَمْ يَذْكُرُوا ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هَذَا ، وَسَنَذْكُرُ لَكَ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالْحَدِيثُ لِمُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بِشْرٍ وَأَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى هَذَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ كِبَارِ تَابِعِيِّ الْكُوفَةِ ، وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فَقِيهِ الْكُوفَةِ وَقَاضِيهَا وَلِأَبِيهِ أَبِي لَيْلَى صُحْبَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَذْكُرْ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمِ الْإِطْعَامُ ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوهُ ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ جَمَاعَةٌ ، وَمَنْ ذَكَرَهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُمَيْدٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْجَبَتْ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَلَا الْمَوْضِعَ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْهُ لِكَعْبٍ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ . وَقَالَ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ ، أَوِ انْسُكْ شَاةً ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ، يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : أَصَابَنِي هَوَامٌّ فِي رَأْسِي وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِي ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
الْآيَةَ ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ ، أَوِ انْسُكْ شَاةً . فَحَلَقْتُ رَأْسِي ، ثُمَّ نَسَكْتُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرِّقَاشِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ : مِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ تَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا كَعْبٍ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى فَأَمَرَنِي أَنْ أَحْلِقَ رَأْسِيَ وَأَنْسُكَ نَسِيكَةً ، أَوْ أُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، أَوْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ . وَرَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ : أَوِ اذْبَحْ شَاةً مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَسَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَوَرْقَاءَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ فِيهِ : أَوْ تُطْعِمُ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ . وَرَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ فِيهِ : فَاحْلِقْ شَعْرَكَ وَاذْبَحْ شَاةً ، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمُزَنِيِّ ، سَمِعَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : أَتَقْدِرُ عَلَى نُسُكٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ . وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَشْعَثُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ إِطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ ، سَمِعَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ ، هَكَذَا يَقُولُ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : مِنْ طَعَامٍ ، لَمْ يَقُلْ : مِنْ تَمْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، أَوْ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ . وَأَمَّا الشَّعْبِيُّ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ ، فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَبَعْضُهُمْ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَلَمْ يَسْمَعِ الشَّعْبِيُّ مِنْ كَعْبِ بْنِ عَجْرَةَ ، وَلَا سَمِعَهُ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ ذَكَرَ النُّسُكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا ، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِشَاةٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ . وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالْإِطْعَامُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الصَّوْمُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَالْإِطْعَامُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَلَا أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : قَالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ : فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : ادْنُهْ فَدَنَوْتُ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ ؟ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَمَرَنِي بِصِيَامٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ ، أَوْ نُسُكٍ مِمَّا تَيَسَّرَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ : أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ زَمَنُ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ لِي وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي ، فَقَالَ : أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : احْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً . قَالَ أَيُّوبُ : لَا أَدْرِي بِأَيِّهَا بَدَأَ . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ : أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ زَمَنُ الْحُدَيْبِيَةِ . فَذَكَرَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ أَهَلَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَأَنَّهُ قَمِلَ رَأْسُهُ فَأَتَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قَدْرٍ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : كَأَنَّكَ تُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ؟ قَالَ : أَجَلْ ، قَالَ : احْلِقْ وَاهْدِ هَدْيًا ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ هَدْيًا ، قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ ، فَقَالَ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ الِاخْتِيَارَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا ، وَعَامَّةُ الْآثَارِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ ، وَعَلَيْهِ مَضَى عَمَلُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ وَفَتْوَاهُمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِطْعَامِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ : الْإِطْعَامُ فِي ذَلِكَ مُدَّانِ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ . وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : فِي الْفِدْيَةِ مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ صَاعٌ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا مِثْلُهُ جَعَلَ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ عَدْلَ صَاعِ تَمْرٍ ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَرَّةً كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَرَّةً قَالَ : إِنْ أَطْعَمَ بُرًّا فَمُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صَاعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْإِطْعَامَ إِنَّمَا هُوَ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ تَدْفَعُهُ . وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُغَدِّيَ الْمَسَاكِينَ وَيُعَشِّيَهُمْ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى حَتَّى يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُجِزِئُهُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَرَضُ : أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ ، وَالْأَذَى : الْقَمْلُ . وَقَالَ عَطَاءٌ : الْمَرَضُ الصُّدَاعُ ، وَالْقَمْلُ وَغَيْرُهُ . وَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَوْضَحُ شَيْءٍ فِي هَذَا وَأَصَحُّهُ وَأَوْلَى مَا عُوِّلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ رِشْدِينَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ ، يَعْنِي الْمِصْرِيَّ ، يَقُولُ : حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الْفِدْيَةِ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ ، وَلَا رَوَاهَا عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ إِلَّا رَجُلَانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ أَخَذَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : سَأَلْتُ عَنْهَا عُلَمَاءَنَا كُلَّهُمْ حَتَّى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَلَمْ يُثْبِتُوا كَمْ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْفِدْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيمَا نَصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْنَا عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَاخْتَلَفُوا فَيمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَامِدًا ، أَوْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَامِدًا ، أَوْ لَبِسَ لِغَيْرِ عُذْرٍ عَامِدًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : بِئْسَ مَا فَعَلَ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا إِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ قُوتِهِ ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ الْعَمْدُ فِي ذَلِكَ وَالْخَطَأُ لِضَرُورَةٍ وَغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَبُو ثَوْرٍ : لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ ، إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ :
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ
فَأَمَّا إِذَا حَلَقَ عَامِدًا ، أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ لَا غَيْرُ ، وَاخْتَلَفُوا فَيمَنْ حَلَقَ ، أَوْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا ، فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَالْآخَرُ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . وَقَالَ دَاوُدُ وَإِسْحَاقُ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِنْ صَنَعَهُ نَاسِيًا . وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا حَلَقَ شَعْرَ جَسَدِهِ ، أَوْ إِطِلًا ، أَوْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَمًا . وَقَالَ دَاوُدُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي حَلْقِ شَعْرِ جَسَدِهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الْفِدْيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْنَ شَاءَ إِنْ شَاءَ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ ، وَذَبْحُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ عِنْدَهُ ، سَوَاءٌ يَفْعَلُ مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ أَيْنَ شَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ . وَالذَّبْحُ هَاهُنَا عِنْدَ مَالِكٍ نُسُكٌ ، وَلَيْسَ بِهَدْيٍ ، قَالَ : وَالنُّسُكُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ ، وَالْهَدْيُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ ، وَحُجَّتُهُ فِي أَنَّ النُّسُكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَدِيثُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى إِذَا خَافَ الْمَوْتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ إِنَّ حُسَيْنًا أَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ ، ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا ، قَالَ مَالِكٌ : قَالَ : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : وَكَانَ حُسَيْنٌ خَرَجَ مَعَ عُثْمَانَ فِي سَفَرِهِ إِلَى مَكَّةَ ، فَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّ الذَّبْحَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى جَائِزٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ ، وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ إِذَا نَحَرَ فِي الْحَرَمِ أَنْ يُعْطَاهُ غَيْرُ أَهْلِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّ الْبُغْيَةَ فِيهِ إِطْعَامُ مَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : وَلَمَّا جَازَ الصَّوْمُ أَنْ يُؤْتَى بِهِ في غَيْرُ الْحَرَمِ جَازَ إِطْعَامُ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرَمِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِمَكَّةَ وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : الصَّوْمُ مُخَالِفٌ لِلْإِطْعَامِ وَالذَّبْحِ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ :
هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ
رِفْقًا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ جِيرَانِ بَيْتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ : مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ ، أَوْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ عَطَاءٍ ، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الدَّمَ بِمَكَّةَ . ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي حَدِيثَ عَلِيٍّ حِينَ حَلَقَ رَأْسَ حُسَيْنٍ ابْنِهِ بِالسُّقْيَا وَنَسَكَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا أَبْيَنُ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّهُ ، وَفِيهِ جَوَازُ الذَّبْحِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى بِغَيْرِ مَكَّةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
ثُمَّ قَالَ :
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
وَلَمْ يَقُلْ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيْثُمَا فَعَلَ أَجْزَأَ ، وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مَا يُذْبَحُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى نُسُكًا ، وَلَمْ يُسَمِّهِ هَدْيًا ، فَلَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَرُدَّهُ قِيَاسًا عَلَى الْهَدْيِ ، وَلَا أَنْ نَعْتَبِرَهُ بِالْهَدْيِ مَعَ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَ اسْتِعْمَالِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .