الْحَدِيثُ السَّادِسُ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ
حَدِيثٌ سَادِسٌ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ مَعَهُ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَالَ : نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، قَالُوا : وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ قَالُوا : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . هَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ ، فَحَصَّلَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعَ سَجْدَاتٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَكَذَلِكَ رَوَتْ عَائِشَةُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثُهَا أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَثْبَتُ حَدِيثٍ وَأَصَحُّهُ ، رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَهَّلِ الْحِجَازِ ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَأَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ فِيهَا دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَالرُّكُوعَ الْأَوَّلَ فِيهَا دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُوْلَى ، وَأَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِقَوْلِهِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ رُكُوعُهُ الثَّانِي فِيهَا دُونَ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذَا ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِتَكُونَ الرَّكْعَتَانِ مُعْتَدِلَتَيْنِ فِي أَنْفُسِهِمَا ، وَكَمَا نَقَصَ الْقِيَامُ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَنِ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَالرُّكُوعُ الثَّانِي فِي الْأُولَى عَنِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِيهَا نَفْسِهَا ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ يَنْقُصُ قِيَامُهَا الثَّانِي عَنْ قِيَامِهَا الْأَوَّلِ ، وَرُكُوعُهَا الثَّانِي عَنْ رُكُوعِهَا الْأَوَّلِ فِيهَا نَفْسِهَا ، وَيَكُونُ قِيَامُهَا الْأَوَّلُ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى ، وَرُكُوعُهَا الْأَوَّلُ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَجَائِزٌ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ الْأَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ الْقِيَامِ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ ، وَحَسْبُهُ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَالْقَوْلُ فِي الرُّكُوعِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَتَدَبَّرْهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ السُّجُودَ يَطُولُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَرَأَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَطْوِيلَ السُّجُودِ فِي ذَلِكَ ، وَرَوَتْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : صَلَاةُ الْكُسُوفِ كَهَيْئَةِ صَلَاتِنَا رَكْعَتَانِ نَحْوُ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ الدُّعَاءِ حَتَّى تَنْجَلِيَ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، وَيُسَلِّمُ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ ، أَوِ الْقَمَرُ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مَكْتُوبَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِي بَعْضِهَا اضْطِرَابٌ ، تَرَكْتُ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَلِكَرَاهَةِ التَّطْوِيلِ ، وَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَوْلَى ; لِأَنَّهُمَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ يَجِبُ قَبُولُهَا ، وَاسْتِعْمَالُ فَائِدَتِهَا ، وَلِأَنَّهُمَا قَدْ وَصَفَا صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَصْفًا يَرْتَفِعُ مَعَهُ الْإِشْكَالُ وَالْوَهْمُ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ طَاوُسًا رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ سَجَدَ ، وَإِنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَإِنَّ عَطَاءً رَوَى عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ، وَإِنَّ أَبَا الْعَالِيَةَ رَوَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتِيِ الْكُسُوفِ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ ، فَلَمْ يَكُنِ الْمَصِيرُ عِنْدَكَ إِلَى زِيَادَةِ هَؤُلَاءِ أَوْلَى ، قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ إِذَا ثَبَتَتَ عَنْهُ ، وَكَانَ أَحْفَظَ وَأَتْقَنَ مِمَّنْ قَصَّرَ أَوْ مِثْلِهِ فِي الْحِفْظِ ; لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَأْنَفٌ . وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ حَافِظٍ وَلَا مُتْقِنٍ فَإِنَّهَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا ، وَحَدِيثُ طَاوُسٍ هَذَا مُضْطَرِبٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا ، وَوَقَفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَلَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَهَذَا الِاضْطِرَابُ يُوجِبُ طَرْحَهُ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَتْنِهِ فَقَوْمٌ يَقُولُونَ : أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَقَوْمٌ يَقُولُونَ : ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَلَا يَقُومُ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ حُجَّةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَإِنَّمَا يَدُورُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ ، وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْنَادُ عِنْدَهُمْ بِالْقَوِيِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجْدَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، فَإِنَّمَا يَرْوِيِهِ قَتَادَةُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَسَمَاعُ قَتَادَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ عَطَاءٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَتَادَةُ إِذَا لَمْ يَقُلْ : سَمِعْتُ ، وَخُولِفَ فِي نَقْلِهِ ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُدَلِّسُ كَثِيرًا عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ بينهما غير ثِقَةً ، وَلَيْسَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ يُعَارَضُ بِهَا حَدِيثُ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَا حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْآثَارِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِيهَا ، وَقَدْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ يَرْوِي حَدِيثَ قَتَادَةَ هَذَا عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا لَا يَرْفَعُهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَكَمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : صَلَاةُ الْآيَاتِ سِتُّ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ . قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : وَلَمْ يَرْفَعْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرَفَعَهُ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ حَيْثُ قَالَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنْ تَكُونَ سِرًّا . وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَقَامَ ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ سِرًّا ، وَلِذَلِكَ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ له صوت فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَجَّةُ لَهُمْ مَا ذَكَرْنَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةً يَوْمًا لِسَمُرَةَ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْكُسُوفِ بِتَمَامِهِ ، وَفِيهِ : فَصَلَّى بِنَا فَقَامَ كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ كُسُوفَ الشَّمْسِ لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ : كُنْتُ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا سَمِعَتُ مِنْهُ حَرْفًا . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ : صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءٌ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ حَزَرُوا قِرَاءَتَهُ بِالرُّومِ ، وَيس أَوِ الْعَنْكَبُوتِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ سَأَلَ سَائِلٌ ، وَالَّذِي اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُوْلَى بِالْبَقَرَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِآلِ عِمْرَانَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ ، وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ أُمُّ الْقُرْآنِ لَا بُدَّ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُسْمَعُ لِلْقَارِئِ فِيهِ صَوْتٌ ، وَقَالَ : أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ جَهَرَ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَالْعَلَاءِ بْنِ يَزِيدَ مِثْلَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا يَدْعُو ، ثُمَّ انْجَلَى كُسُوفُهَا ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : سُورَةٌ مِنَ الطُّوَلِ فِي تَقْدِيرِهِ ، وَالظَّاهِرُ فِيهِ الْجَهْرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ ، عَنْ أُبَيٍّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فِي الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمَيْرٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَكُلُّهُمْ لَيِّنُ الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِالْجَهْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ سُنَّتُهَا أَنْ تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ مِنْ صَلَوَاتِ السُّنَنِ سُنَّتُهَا الْجَهْرُ كَالْعِيدَيْنِ ، وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْخُسُوفِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنْ شَاءَ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ ، وَرَكَعَ فِيهَا رُكُوعَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَ قِرَاءَاتٍ ، وَرَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ هَلْ هِيَ فِي كُلِّ النَّهَارِ أَمْ لَا ؟ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا يُصَلَّى الْكُسُوفُ إِلَّا فِي حِينِ صَلَاةٍ قَالَ : فَإِنْ كَسَفَتْ فِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَاءَ حِينَ الصَّلَاةِ ، وَالشَّمْسُ لَمْ تَنْجَلِ صَلَّوْا ، فَإِنْ تَجَلَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُصَلُّوا . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ قَالَ : لَا أَرَى أَنْ يُصَلَّى الْكُسُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَإِنَّمَا سُنَّتُهَا أن تُصَلَّى ضُحًى إِلَى الزَّوَالِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُصَلَّى الْكُسُوفُ نِصْفَ النَّهَارِ ; لِأَنَّ نِصْفَ النَّهَارِ لَا يَثْبُتُ لِسُرْعَةِ الشَّمْسِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : حَجَجْتُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَعَلَى الْمَوْسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ ، وَبِمَكَّةَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَابْنُ أَبِي مَلِيكَةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَقَامُوا قِيَامًا يَدْعُونَ اللَّهَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقُلْتُ لِأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى : مَا لَهُمْ لَا يُصَلُّونَ ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُسُوفِ ؟ فَقَالَ : النَّهْيُ قَدْ جَاءَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَلِذَلِكَ لَا يُصَلُّونَ ، وَالنَّهْيُ يَقْطَعُ الْأَمْرَ ، ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَأَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ جَمِيعًا ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالطَّبَرِيُّ : لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُصَلَّى نِصْفَ النَّهَارِ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : تُصَلَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَّا فِي حِينِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ ، وَالنَّهْيُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّطَوُّعِ الْمُبْتَدَأِ ، فَأَمَّا الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ ، وَمَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَهُ فَلَا ، وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِحُجَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ : إِنْ شَاءَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ ، كُلُّ ذَلِكَ مُؤْتَلِفٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ إِذَا لَمْ يَرَ الشَّمْسَ قَدْ تَجَلَّتْ ، فَإِذَا تَجَلَّتْ سَجَدَ ، قَالَ : فَمِنْ هَاهُنَا زِيَادَةُ الرَّكَعَاتِ ، وَلَا يُجَاوِزُ بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَيِّنٌ ، وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ ، فَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ : أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ كُلَّهَا حِسَانٌ ، وَبِأَيِّهَا عَمِلَ النَّاسُ جَازَ عَنْهُمْ ، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدَهُمْ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ ومَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُجْمَعُ فِي صَلَاةِ الْقَمَرِ ، وَلَكِنْ يُصَلِّي النَّاسُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ، وَخَصَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِالْجَمْعِ لَهَا ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ فَخَرَجَتْ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِهَا ، وَمَا وَرَدَ مِنَ التَّوْفِيقِ فِيهَا ، وَبَقِيَتْ صَلَاةُ كُسُوفِ الْقَمَرِ عَلَى أَصْلِ مَا عَلَيْهِ النَّوَافِلُ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُجْمَعُ فِي صَلَاةِ الْقَمَرِ ، وَلَكِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهِمَا ، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : الصَّلَاةُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ كَهِيَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءٍ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَكَانَ الذِّكْرُ الَّذِي فَزِعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ هُوَ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ ، فَكَذَلِكَ خُسُوفُ الْقَمَرِ ، يَجْمَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ عَلَى حَسَبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ ، وَلَمْ يَخُصَّ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا ، وَادْعُوا ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ، وَعَرَفْنَا كَيْفَ الصَّلَاةُ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْأُخْرَى . اهـ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي الْقَمَرِ جَمَاعَةً رَكْعَتَيْنِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، يُخَوِّفُ بِهِمَا اللَّهُ عِبَادَهُ ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لَهُ مَاتَ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ نَاسٌ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةٌ ، وَلَا صَلَاةَ فِيهَا إِلَّا لِمَنْ شَاءَ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ صَلَاةَ كُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةً ، كُلٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرِيِّ : يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْكُسُوفِ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ ، وَفِيهِ : ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ - الْحَدِيثَ - ، وَبِهِ احْتَجَّ كُلُّ مَنْ رَأَى الْخُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَا خُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا خَطَبَ النَّاسَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِذَلِكَ خَطَبَهُمْ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَيَانِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الزَّلْزَلَةِ ، وَلَا عِنْدَ الظُّلْمَةِ ، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ ، وَرَآهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا سَمِعْتُمْ هَدًّا مِنَ السَّمَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ فَعَلَ ، فَحَسَنٌ ، وَمَنْ لَا ، فَلَا حَرَجَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنَّ الزَّلْزَلَةَ كَانَتْ فِي عَصْرِهِ ، وَلَا صَحَّتْ عَنْهُ فِيهَا سُنَّةٌ ، وَقَدْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فَأَنْكَرَهَا فَقَالَ : أَحْدَثْتُمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ : زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ حَتَّى اصْطَكَّتِ السُّرُرُ ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ . رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ بِالْبَصْرَةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أَمْ بِي أَرْضٌ ؟ فَقَامَ بِالنَّاسِ ، فَصَلَّى يَعْنِي صَلَاةَ الْكُسُوفِ . اهـ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَخْنَسْتَ ، وَتَأَخَّرْتَ وَقَالَ الْفُقَهَاءُ : مَعْنَاهُ تَقَهْقَرْتَ ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ قَرِيبٌ . وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ :
وَلَكِنَّنِي أَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا
إِذَا بَعْضُ مَنْ لَاقَى الْخُطُوبَ تَكَعْكَعَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، وَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَإِنَّ الْآثَارَ فِي رُؤْيَتِهِ لَهُمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ رَآهُمَا مِرَارًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ ، وَعِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ كَيْفِيَّةِ رُؤْيَتِهِ لَهُمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُمْكِنُ أَنْ يُمَثَّلَا لَهُ فَيَنْظُرَ إِلَيْهِمَا بِعَيْنَيْ وَجْهِهِ ، كَمَا مُثِّلَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ كَذَّبَهُ الْكُفَّارُ بِالْإِسْرَاءِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، وَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ عَنْهُ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْقَلْبِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ : فُرِجَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ إِلَى الْعَرْشِ ، وَفُرِجَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ . اهـ . ذَكَرَهُ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ الشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ ، وَالنُّجُومُ ، وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ : الْجِبَالُ ، وَالشَّجَرُ ، وَالْبِحَارُ ، وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ ، وَالنَّارَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَتَنَاوَلَ مِنَ الْجَنَّةِ عُنْقُودًا عَلَى مَا ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ فَالظَّاهِرُ الْأَغْلَبُ أَنَّهَا رُؤْيَةُ عَيْنٍ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ وَالنَّظَرَ إِذَا أُطْلِقَا فَحَقُّهُمَا أَنْ يُضَافَا إِلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْكَلَامِ وَحَقِيقَتُهُ أَوْلَى ، إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ - دَلِيلٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّهُمَا لَا يَبِيدَانِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْعُنْقُودِ : وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ ما بقيت الدنيا فَكَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السِّجْسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ الْبِكَالِيِّ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ الْجَنَّةِ ، وَذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ : فِيهَا فَاكِهَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ ؟ قَالَ : لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ ، ائْتِ الشَّامَ ، هُنَاكَ شَجَرَةٌ تُدْعَى الْجَوْزَةَ تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ يَفْتَرِشُ أَعْلَاهَا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا عِظَمُ أَصْلِهَا ؟ قَالَ : لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذَعَةٌ مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا ، قَالَ : هَلْ فِيهَا عِنَبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ مِنْهَا ؟ قَالَ : مَسِيرَةُ الْغُرَابِ شَهْرًا لَا يَقَعُ ، وَلَا يَفْتُرُ قَالَ : فَمَا عِظَمُ حَبِّهَا ؟ قَالَ : أَمَا عَمَدَ أَبُوكَ ، وَأَهْلُكَ إِلَى جَذَعَةٍ فَذَبَحَهَا ، وَسَلَخَ إِهَابَهَا فَقَالَ : افْرُوا لَنَا مِنْهَا دَلْوًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي ، قَالَ : نَعَمْ ، وَأَهْلَ عَشِيرَتِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِّينَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَا أَقِفُ عَلَى اسْمِهِ فِي وَقْتِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ : كَانَ يَسُرُّنَا أَنْ تَأْتِيَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا نُقْدِمُ نَحْنُ عَلَى السُّؤَالِ عَنْهَا أَوْ نَحْوِ هَذَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ : اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ ، وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : قَالُوا : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ بِالْوَاوِ . قَالُوا : وَقَدْ تَابَعَهُ بَعْضُ مَنْ نَقَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَيْضًا غَلَطًا كَمَا عُدَّ عَلَى يَحْيَى ، وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَعَامَّةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْنَى ، وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَالْوَجْهُ فِيهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ لَمَّا قَالَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ لَمْ يُجِبْهُ عَنْ هَذَا جَوَابًا مَكْشُوفًا ; لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِأَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ، كَمَا أَنَّ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْحَدِيثِ إلى غير ذَلِكَ كَأَنَّهُ قَالَ : وَإِنْ كَانَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ; فَإِنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ فِي الْغَالِبِ مِنْ أَمْرِهِنَّ يَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ : تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ . وَقَرَأَتُ عَلَى خَلَفِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَأَتَى النِّسَاءَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَوَاقِصِ عَقْلٍ قَطُّ أَوْ دِينٍ أَذْهَبَ لِقُلُوبِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْكُنَّ ، وَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَتَقَرَّبْنَ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتُنَّ ، وَكَانَ فِي النِّسَاءِ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَسَاقَ الْحَدِيثَ فَقَالَتْ : فَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا ، وَعُقُولِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمَّا مَا ذَكَرْتُ مِنْ نُقْصَانِ دِينِكُنَّ ، فَالْحَيْضَةُ الَّتِي تُصِيبُكُنَّ ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَمْكُثَ لَا تُصَلِّي ، وَلَا تَصُومُ ، فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِكُنَّ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُ مِنْ نُقْصَانِ عُقُولِكُنَّ فَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ شَهَادَةِ الرَّجُلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، فَالْعَشِيرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ - الزَّوْجُ ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ كُفْرُ النِّسَاءِ لِحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ كُفْرَهُنَّ بِالْإِحْسَانِ جُمْلَةً فِي الزَّوْجِ ، وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعَشِيرُ الْمَخَالِطُ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
قَالَ الشَّاعِرُ :
وَتِلْكَ الَّتِي لَمْ يَشْكُهَا فِي خَلِيقَةٍ
عَشِيرٌ وَهَلْ يَشْكُو الْكَرِيمَ عَشِيرُ
وَقَالَ آخَرُ :
سَلَا هَلْ قَلَانِي مِنْ عَشِيرٍ صَحِبْتُهُ
وَهَلْ ذَمَّ رَحْلِي فِي الرِّفَاقِ دَخِيلُ
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ : أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ذَرٌّ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ مَهَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ، فَإِنَّكُنَّ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ النِّسَاءِ ، فَقَالَتْ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَا وُجِدَ مِنْ نَاقِصِ الْعَقْلِ والدين أَغْلَبُ لِلرِّجَالِ ذَوِي الرَّأْيِ عَلَى أُمُورِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ ، قَالَ : فَقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهَا وَدِينِهَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ عَقْلِهَا ، فَجَعَلَ اللَّهُ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ رَجُلٍ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِهَا ; فَإِنَّهَا تَمْكُثُ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا لَا تُصَلِّي لِلَّهِ فِيهِ سَجْدَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ مَهَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَحْوَهُ قَالَ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ أَغْلَبَ لِلرِّجَالِ ذَوِي الْأَمْرِ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ . وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ مَهَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا ، وَالصَّوَابُ فِيهِ رِوَايَةُ مَنْصُورٍ ، عَنْ ذَرٍّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ رُوِيَ كَلَامُ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذَا مَرْفُوعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فَوَعَظَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ : وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِكَثْرَةِ لَعْنِكُنَّ ، وَكُفْرِكُنَّ الْعَشِيرَ ، وَمَا رَأَيْتُ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِأَلْبَابِ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْكُنَّ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا نُقْصَانُ عُقُولِنَا وَدِينِنَا ؟ فَقَالَ : شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْكُنَّ شَهَادَةُ رَجُلٍ ، وَنُقْصَانُ دِينِهِنَّ الْحَيْضَةُ ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ لَا تُصَلِّي . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، وَأَكْثِرْنَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؟ قَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ ، فَهَذَا مِنْ نُقْصَانِ الْعَقْلِ ، وَتَمْكُثُ لَيَالِيَ مَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ . هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُقْصَانَ الدِّينِ قَدْ يَقَعُ ضَرُورَةً لَا تُدْفَعُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَبَلَهُنَّ عَلَى مَا يَكُونُ نَقْصًا فِيهِنَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ أَيْضًا بَعْضَ الرِّجَالِ عَلَى بَعْضٍ ، وَبَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ ، وَبَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ . اهـ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَعْرِفُ حَقَّ زَوْجِهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ فَيَّاضٍ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أَعَدَّتِ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ : الطَّاعَةُ لِلزَّوْجِ ، وَالِاعْتِرَافُ بِحَقِّهِ .