الْحَدِيثُ الْخَامِسُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ
حَدِيثٌ خَامِسٌ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَنِ الْأَعْرَجِ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَالْخَبَرُ عَنْهُ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ قَالَ : كَانَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ إِذَا جَلَسَ ، يَكُونُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَكُنْتُ عَنْ يَسَارِهِ . وَأَمَّا بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِحَضْرَ مَوْتَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ ثِقَةٌ فَاضِلًا مُسِنًّا ، سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَجَالَسَهُ كَثِيرًا ، وَلَمْ يُنْكِرْ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، يَعْنِي الْقِطَّانَ : بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ؟ قَالَ : وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لَقِيَهُ ، قُلْتُ : قَدْ رَوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ عُبَيْدٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : قَدْ رَوَى سُفْيَانُ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عُبَيْدٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ حَدِيثُ عَجِّلْ لِي ، وَأَضَعْ عَنْكَ ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ . وَكَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يُثْنِي عَلَى بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَيُفَضِّلُهُ ، وَيَرْفَعُ بِهِ فِي وَرَعِهِ ، وَفَضْلِهِ . وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ . قَالَ يَحْيَى : كَانَ بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ يُذْكَرُ بِخَيْرٍ : بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّينَ ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ ، رَوَى عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَأَمَّا الْأَعْرَجُ فَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ ، كَانَ صَاحِبَ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ ، قَرَأَ عَلَيْهِ نَافِعٌ الْقَارِئُ ، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا ، قَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُكْنَى أَبَا دَاوُدَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، تُوِّفِيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ وَمِائَةٍ . وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ : مَاتَ أَبُو دَاوُدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَذْكُورٌ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، بِمَا يَجِبُ أَنْ يُذَكَرَ بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَعَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّيلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلَمْ تَفُتْهُ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلَمْ تَفُتْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْإِدْرَاكُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِدْرَاكُ الْوَقْتِ ، لَا أَنَّ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَجْزَأَتْهُ مِنْ تَمَامِ صِلَاتِهِ . وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ هَذَا الْمُصَلِّيَ فُرِضَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ أَنْ يَأْتِيَ بِتَمَامِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَتَمَامِ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ ، وَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ، يُرِيدُ : فَقَدْ أَدْرَكَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ، إِلَّا أَنَّ ثَمَّ أَدِلَّةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ الْوَقْتِ . مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : وَآخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، يَعْنِي آخِرَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ، لِئَلَّا تَتَعَارَضَ الْأَحَادِيثُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . وَهَذَا التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ تَرَكَ اخْتِيَارَ رَسُولِ اللَّهِ لِأُمَّتِهِ فِي الْوَقْتِ ، وَرَغِبَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مَقْبُولٌ . وَالْآثَارُ فِي تَعْجِيلِ الْعَصْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَمَعْنَاهَا كُلِّهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِهَذَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ صَلُّوا الْعَصْرَ ، وَالشَّمْسَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ . هَذَا كُلُّهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ قَالَ : قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : هَذَا عَلَى الْفَوَاتِ ، لَيْسَ عَلَى أَنْ يُتْرَكَ الْعَصْرُ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ . وَذُكِرَ حَدِيثُ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ فَالْأَوْقَاتُ فِي تَرْتِيبِ السُّنَنِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَقْتَانِ : فِي الْحَضَرِ : وَقْتُ رَفَاهِيَةٍ وَسِعَةٍ ، وَوَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ ، يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ ، وَيَزِيدُ لَكَ فِي ذَلِكَ بَيَانًا أَقَاوِيلُ فُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ ، فَنَذْكُرُ هُنَا أَقَاوِيلَهُمْ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ; إِذْ لَمْ يَتَضَمَّنْ حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ ذِكْرَ غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّلَوَاتِ . وَنَذْكُرُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ جُمْلَةَ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَنُبَسِّطُ ذَلِكَ ، وَنُمَهِّدُهُ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ . أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي إِذَا تَبَيَّنَ طُلُوعُهُ ، وهو البياض الْمُنْتَشِرُ مِنْ أُفُقِ الْمَشْرِقِ ، وَالَّذِي لَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسْمَاءَ الْفَجْرِ فِي اللُّغَةِ ، وَشَوَاهِدَ الشِّعْرِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْ مَرَاسِيلِ عَطَاءٍ ، وَمِنْ بَابِ يَزِيدَ أَيْضًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَقْتُ الصُّبْحِ مِنْ حِينِ يَطْلُعُ الْفَجْرُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : وَقْتُ الصُّبْحِ الْإِغْلَاسُ ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ ، وَآخِرُ وَقْتِهَا إِذَا أَسْفَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عِنْدَنَا عَلَى الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ; لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ مِثْلُ الْحَائِضِ تَطْهُرُ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهَا أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا بِإِدْرَاكِ مِقْدَارِ رَكْعَةٍ مِنْ وَقْتِهَا ، وَإِنْ صَلَّتِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ الطُّلُوعِ أَوْ بَعْدِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : آخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ ، وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُسْفِرُوا بِهَا ، وَمِثْلَ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : آخِرُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ التَّغْلِيسَ بِهَا ، وَلَا تَفُوتُ عِنْدَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ، فَمَنْ لَمْ يُكْمِلْ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً ، قَالَ : وَقْتُ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الضَّرُورَةِ ، وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٍ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ آخِرَ وَقْتِهَا إِدْرَاكَ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِضَرُورَةٍ ، وَغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَإِسْحَاقَ . وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ فَجَعَلُوا هَذَا وَقْتًا لِأَصْحَابِ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَاتِ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَآخِرِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ الظِّلُّ قَامَةً بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوا ذَلِكَ قَلِيلًا قَالَ : وَآخِرُ وَقْتِهَا أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ . هَذِهِ حِكَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنْ لَا خِلَافَ عِنْدِنَا فِي مُدْرِكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ ، مِمَّنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا لِحَالَةٍ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ عِنْدَهُ ، وَالْحَائِضِ ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَرْضًا بِإِدْرَاكِ مِقْدَارِ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا عِنْدَهُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا ، عَنْ مَالِكٍ : وَقْتَ الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ . وَهَذَا عِنْدَنَا أَيْضًا عَلَى أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الصلاتين فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِضَرُورَةِ السَّفَرِ فَكُلُّ ضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ فَكَذَلِكَ . وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصلاتين فِي السَّفَرِ وَالْمَطَرِ فِي بَابِ أَبِي الزُّبَيْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ رَكَعَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَرَكْعَةً بَعْدَ غُرُوبِهَا ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا ، وَالصُّبْحُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ . قَالَ الثَّوْرِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ ، وَإِنْ أَخَّرْتَهَا مَا لَمْ تَغَيَّرِ الشَّمْسُ أَجْزَأَكَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي الصَّيْفِ إِذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ ، وَمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى يُجَاوِزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ أَوْ قَدْرَ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ ، فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : قَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ . قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ يَنْفِي الِاشْتِرَاكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ، وَهُوَ شَيْءٌ يَنْقُضُهُ مَا بَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ ، وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ ، وَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَاحِدَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ ، أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، وَفِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِ إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَزِمَهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمِيعًا . فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَنْ هَذَا مَذْهَبُهُ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ الظُّهْرَ يَفُوتُ فَوَاتًا صَحِيحًا بِمُجَاوَزَةِ ظَلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ أَكْثَرَ مِنْ فَوَاتِ الْعَصْرِ بِمُجَاوَزَةِ ظَلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ : إِذَا جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَقَدْ جَاوَزَ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ ، فَهَذَا أَيْضًا فِيهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ ، وَالشَّمْسَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ . فَقِفْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ يَتَبَيَّنْ لَكَ بِذَلِكَ سِعَةُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ أَيْضًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَزَادَ عَلَى الظِّلِّ زِيَادَةً تَتَبَيَّنُ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ فِي أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَزِيدَ الظِّلُّ عَلَى الْقَامَةِ زِيَادَةً تَظْهَرُ ، فَمُخَالِفٌ لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; لِأَنَّ حَدِيثَ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ بِلَا فَصْلٍ وَلَكِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى . وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَذَكَرْنَا عِلَلَ أَقَاوِيلِهِمْ فِيهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قَالَ : وَإِذَا زَادَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ خَرَجَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا ، قَالَ : وَهَذَا مَعَ الضَّرُورَةِ هَذِهِ حِكَايَةُ الْخَزَفِيِّ عَنْهُ . وَأَمَّا الْأَثَرُ فَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : آخِرُ وقت الظُّهْرِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ، قَالَ لِي ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ ، قِيلَ لَهُ : وَلَا تَقُلْ بِالْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ ، قَالَ : لَا هَذَا أَكْثَرُ عِنْدِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَخَالَفَ الْآثَارَ وَجَمَاعَةَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَجَعَلَ وَقْتَ الظُّهْرِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَجَعْلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً لَيْسَتْ مِنْهُمَا ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ . وَلِلْحُسَيْنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيِّ أَنَّ الظِّلَّ إِذَا صَارَ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَإِذَا خَرَجَ تَلَاهُ وَقْتُ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يُدْرِكَ الْمُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ لِكُلِّ النَّاسِ مَعْذُورٍ ، وَغَيْرِ مَعْذُورٍ ، وَالْأَفْضَلُ عِنْدَهُمَا أَوَّلُ الْوَقْتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَدْ بَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقَاوِيلَ أَئِمَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَمَا رَوَيْنَا مِنَ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ، أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ مِنْهُ مُخْتَارٌ فِي الْحَضَرِ لِلسِّعَةِ ، وَالرَّفَاهِيَةِ ، وَمِنْهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ ، وَلَا يَلْحَقُ الْإِثْمُ وَاللَّوْمُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ كُلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ أَفَادَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ مَعَانِيَ ، وَوُجُوهًا : مِنْهَا أَنَّ الْمُدْرِكَ لِرَكْعَةٍ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَوْ لِرَكْعَةٍ مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِهَا كَالْمُدْرِكِ لِوَقْتِ الصُّبْحِ ، وَلِوَقْتِ الْعَصْرِ : الْوَقْتُ الَّذِي يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَهَذَا لِمَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ ضَرُورَةٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَمِنْهَا جَوَازُ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى ذَلِكَ الْوَقْتَ فَرْضَهُ مِمَّنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا ; لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ الْمَذْكُورِ ، وَالْمَأْمُورِ بِالْبِدَارِ إِلَى إِدْرَاكِ بَقِيَّةِ الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْخِطَابِ بِالْمَعْنَى ; فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِيهِ بِالنَّصِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمِنْهَا أَنَّهُ أَفَادَنَا فِي حُكْمِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ ، أَوْ بَلَغَ من الصبيان ، أَوْ طَهُرَ مِنَ الْحَيْضِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَنَّهُ كَمَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ بِكَمَالِهِ فِي وُجُوبِ صَلَاةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَتَلْزَمُهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ بِكَمَالِهَا ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ وَقْتَهَا مِنْ أَوَّلِهِ فَفَرَّطَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَافِرِ يَقْدُمُ الْحَضَرَ ، وَحُكْمُ الْحَضَرِيِّ يَخْرُجُ مُسَافِرًا فِي بَقِيَّةٍ مِنَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَحُكْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ ، فَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا هَاهُنَا : فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالُوا : مَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهَارِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ بيوت مِصْرَهُ ، أَوْ قَرْيَتَهُ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَوْ خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِقْدَارُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، صَلَّاهُمَا جَمِيعًا مَقْصُورَتَيْنِ . وَهَذَا عِنْدَهُ حُكْمُ الْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، يُرَاعَى مِنْهُمَا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ سَافَرَ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ ، أَنَّهُ يَقْصُرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ ، وَلَوْ قَدِمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ سَفَرِهِ أَتَمَّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَتَمَّ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . وَقَالَ زُفَرُ : إِنْ جَاوَزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ ، وَالْمِصْرِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلَّا رَكْعَةً ، فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ أَرْبَعًا ، وَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ ، وَدَخَلَ مِصْرَهُ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلَّا رَكْعَةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، والليث وَالشَّافِعِيُّ : إِذَا خَرَجَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَتَمَّ ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَتَمَّ ، وَسَتَأْتِيَ زِيَادَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي صَلَاةِ الْحَائِضِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمَا : فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْغُرُوبِ ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ النَّهَارِ مَا تُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، صَلَّتِ الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ مَا تُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ صَلَّتِ الْعَصْرَ ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ قَدْرَ مَا تُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَةً مِنَ الْعِشَاءِ ، صَلَّتِ الْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَا تُصَلِّي فِيهِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ صَلَّتِ الْعِشَاءَ ، ذَكَرَهُ أَشْهَبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ . قَالَ أَشْهَبُ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ ، أَهُمَا مِثْلُ الْحَائِضِ تَطْهُرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَقْضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ ، وَمَا فَاتَ وَقْتُهُ لَمْ يَقْضِهِ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْسَى ، وَتَغْفُلُ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، فَلَا تُصَلِّيهَا حَتَّى تَغْشَاهَا الْحَيْضَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى عَلَيْهَا قَضَاءً إِلَّا أَنْ تَحِيضَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتِ الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، رَأَيْتُ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَاشْتَغَلَتْ بِالْغُسْلِ ، فَلَمْ تَزَلْ مُجْتَهِدَةً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، لَا أَرَى أَنْ تُصَلِّيَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا أَرَى أَنْ تُصَلِّيَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ . وَقَالَ : الْمَرْأَةُ الطَّاهِرُ تَنْسَى الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ حَتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، ثُمَّ تَحِيضُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُمَا ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، نَاسِيَةً كَانَتْ أَوْ مُتَعَمِّدَةً . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ عِنْدَ الْغُرُوبِ فَأَرَى أَنْ تَغْتَسِلَ ، فَإِنْ فَرَغَتْ مِنْ غُسْلِهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا أَدْرَكَتْ مَا تُصَلِّي الظُّهْرَ ، وَرَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ ، فَلْتُصَلِّ الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا قَدْرُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، صَلَّتِ الْعَصْرَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ إِلَّا قَدْرُ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلْتُصَلِّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ ، ثُمَّ تَقْضِي مَا بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ . وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى ذَهَبَ وَقْتُهَا ظُهْرًا كَانَتْ أَوْ عَصْرًا قَالَ : وَالظُّهْرُ ، وَالْعَصْرُ ، وَقْتُهُمَا فِي هَذَا إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ ، وَالْعِشَاءُ ، وَقْتُهُمَا اللَّيْلُ كُلُّهُ . وَقَوْلُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي الْحَائِضِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، كَقَوْلِ مَالِكٍ هَذَا سَوَاءٌ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحَائِضِ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَحِيضُ وَكَيْفَ وَإِنْ كَانَتْ أَخَّرَتِ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : إِنْ أَدْرَكَهَا الْمَحِيضُ فِي صَلَاةٍ انْصَرَفَتْ عَنْهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَخَّرَتِ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يَذْهَبِ الْوَقْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا . قَالَ : وَإِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَأَخَذَتْ فِي غُسْلِهَا ، فَلَمْ تَفْرُغْ مِنْهُ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، ذَكَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ أَعَادَتِ الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ أَعَادَتِ الْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَبِجَمْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الصلاتين فِي أَسْفَارِهِ ، وَبِعَرَفَةَ ، وَبِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا ، يَعْنِي صَلَاتَيِ اللَّيْلِ ، وَصَلَاتَيِ النَّهَارِ ، الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَالْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ . وَهَذَا الْقَوْلُ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشْهَرُ أَقَاوِيلِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ فِيهَا ، وَأَصَحُّهَا عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْبُوَيْطِيُّ غَيْرَهُ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ : أَحَدُهُمَا : مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ فِي مُرَاعَاةِ قَدْرِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ لِلظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَمَا دُونَ إِلَى رَكْعَةٍ لِلْعَصْرِ ، وَمِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ لِلْعِشَاءِ ، وَآخِرُ الْوَقْتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِآخِرِ الصَّلَاتَيْنِ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ قَالَهُ فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ قَالَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : إِنَّهُ إِذَا أَفَاقَ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهَارِ قَدْرُ مَا يُكَبِّرُ فِيهِ تكبيرة الْإِحْرَامَ أَعَادَ الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَلَمْ يُعِدْ مَا قَبْلَهُمَا لَا صُبْحًا ، وَلَا مَغْرِبًا ، وَلَا عِشَاءً . قَالَ : وَإِذَا أَفَاقَ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ قَضَى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَإِذَا أَفَاقَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرٍ تكبيرة قَضَى الصُّبْحَ ، وَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ لَمْ يَقْضِهَا . قَالَ : وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ ، وَالرَّجُلُ يُسْلِمُ . وَقَالَ فِيمَنْ جُنَّ بِأَمْرٍ لَا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ زَوَالُ عَقْلِهِ بِمَا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا ، قَضَى كُلَّ صَلَاةٍ فَاتَتْهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ السَّكْرَانِ ، وَشَارِبِ السُّمِّ ، وَالسَّكْرَانِ عَامِدًا لِإِذْهَابِ عَقْلِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ أَوْ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، يَقْتَضِي فَسَادَ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةً ; لِأَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ فَقَدْ فَاتَهُ ، وَمَنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ بِعُذْرٍ يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْحَائِضِ ، وَشِبْهِهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِهَذِهِ الْقَوْلَةِ حَيْثُ قَالُوا : إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذِكْرِ الرَّكْعَةِ الْبَعْضُ مِنَ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ ، فَأَشَارَ إِلَى بَعْضِ الصَّلَاةِ مَرَّةً بِرَكْعَةٍ وَمَرَّةً بِرَكْعَتَيْنِ . وَالتَّكْبِيرُ فِي حُكْمِ الرَّكْعَةِ ; لِأَنَّهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ أَدْرَكَهَا فَكَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ أَصْلُهُ فِي الْجُمُعَةِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا رَكْعَةً تَامَّةً فَلَمْ يُدْرِكْهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ : مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا أَتَمَّهَا ظُهْرًا ، وَهَذَا يَقْضِي عَلَيْهِ ، عَلَى سَائِرِ أَقْوَالِهِ ، وَهُوَ أَصَحُّهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عُلَيَّةَ : مَنْ طَهُرَ مِنَ الْحَيْضِ أَوْ بَلَغَ من الصبيان أَوْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا مِمَّا فَاتَ وَقْتُهُ ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ بِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ فَمَا زَادَ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْأَوْقَاتِ لَا فِي صَلَاتَيِ اللَّيْلِ ، وَلَا فِي صَلَاتَيِ النَّهَارِ ، وَلَا يَرَوْنَ لِأَحَدٍ الْجَمْعَ بَيْنَ الصلاتين لَا لِمُسَافِرٍ ، وَلَا لِمَرِيضٍ ، وَلَا لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَارِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ ، وَالْمُزْدَلِفَةِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي بَابِ أَبِي الزُّبَيْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، ذَكَرَهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُ حَمَّادًا عَنِ الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ قَالَ : تُصَلِّي الْعَصْرَ فَقَطْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فَيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَأَقَلَّ مِنْهَا ، ثُمَّ أَفَاقَ : أَنَّهُ يَقْضِيهَا ، وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَفَاقَ لَمْ يَقْضِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَهَا ، قَضَى ذَلِكَ كُلَّهُ إِذَا أَفَاقَ ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا قَضَى خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ ، يَنْظُرُ حَتَّى يُفِيقَ فَيَقْضِيَ مَا يَلِيَهُ . وَقَالَ زُفَرُ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ ، وَالْحَائِضِ تَطْهُرُ ، وَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ ، وَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ : إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَضَاءُ صَلَاةٍ إِلَّا بِأَنْ يُدْرِكُوا مِنْ وَقْتِهَا مِقْدَارَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا بِكَمَالِهَا ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَامِ إِلَّا مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ بِكَمَالِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ يَرُدُّ قَوْلَ زُفَرَ هَذَا ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : لَا يَقْضِي إِلَّا صَلَاةَ وَقْتِهِ ، مِثْلَ أَنْ يُفِيقَ نَهَارًا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَقْضِي الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَلَا يُصَلِّي الْفَجْرَ ، وَإِنْ أَفَاقَ قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ لا غير . وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ شَيْءٌ ، فَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، صَلَّوُا الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - أَيْضًا - فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا الَّتِي كَانَتْ فِي إِغْمَائِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحسن العنبري قَاضِي الْبَصْرَةِ ، لَا فَرْقَ عِنْدَهُمَا بَيْنَ النَّائِمِ ، وَبَيْنَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْضِي جَمِيعَ مَا فَاتَهُ وَقْتُهُ ، وَإِنْ كَثُرَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَنَّ النَّائِمَ إِذَا نَامَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ ، وَلَيْلَةٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي النَّائِمِ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ نَامَ عَنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ مَا زَادَ عَلَيْهَا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يَقْضِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَدُونَ ، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ ، فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ ; لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ إِلَّا لَوْ كَانَ قَوْلَ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ : أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا فَاتَهُ وَقْتُهُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْضِ شَيْئًا مِمَّا فَاتَ وَقْتُهُ ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ لِلْوَقْتِ ; فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ لَمْ تَجِبْ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا تَنَازُعَ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ ، وَفَاتَهُ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَالْأُصُولُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قَضَاءِ مَا يَجِبُ مِنَ الْأَعْمَالِ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ إِذَا فَاتَتْ أَوْقَاتُهَا . فَمِنْهَا أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، فَإِذَا مَنَعَ الْمُسْلِمَ مِنْ صِيَامِهِ عِلَّةٌ ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِعِدَّتِهِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . وَمِنْهَا أَنَّ أَعْمَالَ الْحَجِّ أَوْقَاتٌ مُعَيَّنَةٌ فَإِذَا فَاتَ وَقْتُهَا لَمْ تَعْمَلْ فِي غَيْرِهَا كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، وَبِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، وَكَرَمِيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِهَا ، وَكَالضَّحَايَا فِي أَيَّامِهَا ، لَا يَعْمَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا ، قَامَ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَامَ الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي قَضَاءِ الصِّيَامِ ، فَلَمَّا احْتَمَلَتِ الصَّلَاةُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، طَلَبْنَا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَيَّنَ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهَا فِيمَنْ نَامَ ، أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ يَقْضِي ، وَرَأَيْنَا الْعَاجِزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَوْمِئَ إِيمَاءً ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ فَهُوَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَوَجَبَ سُقُوطُ ذَلِكَ عَنْهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ . وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنَ الْإِجْمَاعِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ الْمُطْبَقُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مِنْ صَلَاةٍ ، وَلَا صِيَامٍ إِذَا أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ ، وَإِطْبَاقِهِ ، وَكَانَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ بِالنَّائِمِ ; إِذْ لَا يَجْتَذِبُهُ غَيْرُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَوَجَدْنَاهُ لَا يَنْتَبِهُ إِذَا نُبِّهَ ، وَكَانَ ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّائِمِ . وَفَرْقٌ آخَرُ : أَنَّ النَّوْمَ لَذَّةٌ وَنِعْمَةٌ ، وَالْإِغْمَاءَ عِلَّةٌ وَمَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ ، فَحَالُهُ بِحَالِ مَنْ يُجَنُّ أَشْبَهَ مِنْهُ بِحَالِ النَّائِمِ . وَلِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وُجُوهٌ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا مَعَ الِاحْتِيَاطِ ، وَاتِّبَاعِ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يَقْضِي خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، وَلَا يَقْضِي مَا زَادَ ، فَقَوْلٌ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ، وَلَا وَجْهَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ عُلَيَّهَ ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ ، وَغَيْرِهِ : إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ ، وَأَخَذَتْ فِي غُسْلِهَا فَلَمْ تَفْرُغْ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا فِي وَقْتِهَا غَيْرُ حَائِضٍ ، وَلَيْسَ فَوْتُ الْوَقْتِ عَنِ الرَّجُلِ بِمُسْقِطٍ عَنْهُ الصَّلَاةَ إِنِ اشْتَغَلَ بِوُضُوئِهِ أَوْ غُسْلِهِ حَتَّى فَاتَهُ الْوَقْتُ ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ إِذَا طَهُرَتْ لَا تَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِ غُسْلِهَا ; لِأَنَّ شُغْلَهَا بِالِاغْتِسَالِ لَا يُضِيعُ عَنْهَا مَا لَزِمَهَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنِ الْحَائِضِ مَا دَامَتْ حَائِضًا فَإِذَا طَهُرَتْ فَهِيَ كَالْجُنُبِ ، وَلَزِمَهَا صَلَاةُ وَقْتِهَا الَّتِي طَهُرَتْ فِيهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ ، وَالنَّصْرَانِيُّ يُسْلِمُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ ، قَالَ : وَلَا يَقْضِي أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا مِنَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَ وَقْتُهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ : لَوْ أَنَّ امْرَأَةً حَاضَتْ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِمِقْدَارِ مَا يُمْكِنُهَا فِيهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتْ ، لَزِمَهَا قَضَاءُ صَلَاةِ الظُّهْرِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَلَيْسَ تَسْقُطُ عَنْهَا لِمَا كَانَ لَهَا مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنَ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِهِ . قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ : أَنَّ مُسَافِرًا لَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمِصْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرَ فِي وَقْتِهِ أَجْزَأَهُ . فَإِنْ حَاضَتْ ، وَقَدْ مَضَى مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا لَا يُمْكِنُهَا فِيهِ الصَّلَاةُ بِتَمَامِهَا ، لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا مِنَ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهَا فِيهِ الصَّلَاةُ ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ ، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا إِعَادَتُهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ مَنَعَهَا أَنْ تُصَلِّيَ ، وَهِيَ حَائِضٌ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ أَوَّلُ الْوَقْتِ هَاهُنَا كَآخِرِهِ ، فَيَلْزَمُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ الصَّلَاةُ كُلِّهَا أَوِ الصَّلَاتَانِ ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ يَتَهَيَّأُ عَلَى الرَّكْعَةِ ، وَلَا يَتَهَيَّأُ الْبِنَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ فِي الرَّجُلِ تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا ، فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَخْرُجَ ، قَالَ : يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ دَخَلَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَّى . وَالْكَلَامُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَطُولُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا أُصُولَ مَعَانِيهِ ، وَمَا مَدَارُهُ عَلَيْهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : لَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا حَاضَتْ فِي بَقِيَّةٍ مِنَ الْوَقْتِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا صَلَاةَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ كَانَتْ مُوَسَّعًا لَهَا فِي الْوَقْتِ ، وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ تَكْثُرُ جَدًّا ، وَهَذِهِ أُصُولُهَا الَّتِي تُضْبَطُ بِهَا . وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِهِ ، وَبِاللَّهِ الْعَوْنُ ، وَالتَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ مَعَانِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ جَوَازُ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، أَوِ الْعَصْرِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِمَّنْ نَامَ ، أَوْ نَسِيَ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ ؛ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَقْضِي أَحَدٌ صَلَاةً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَا عِنْدَ قِيَامِ قَائِمِ الظَّهِيرَةِ ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِ الشمس غير عَصْرِ يَوْمِهِ خَاصَّةً ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى وَقْتٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ . قَالُوا : وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ ، وَاسْتَقْبَلَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ . وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَاصْفَرَّتِ الشَّمْسُ أَتَمَّهَا إِذَا كَانَتْ عَصْرَ يَوْمِهِ خَاصَّةً . وَاحْتَجُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا . وَجَعَلُوا نَهْيَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ نَهْيَ عُمُومٍ ، كَنَهْيهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَيَوْمِ النَّحْرِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا فَرْضًا مِنْ صِيَامٍ ، وَلَا يُتَطَوَّعُ بِصِيَامِهَا ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَاسْتِوَائِهَا ، يَقْتَضِي صَلَاةَ النَّافِلَةِ ، وَالْفَرِيضَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَاسْتَيْقَظَ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى ارْتَفَعَتْ . قَالُوا : وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ نَهْيَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ . فَذَكَرُوا حَدِيثَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مَنْ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ نَامَ عَنِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَالَ : فَقُمْتُ أَصَلِّي ، فَدَعَانِي فَأَجْلَسَنِي ، أَعْنِي : كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ ، وَابْيَضَّتْ ، ثُمَّ قَالَ : قُمْ فَصَلِّ . وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ أَتَاهُمْ فِي بُسْتَانٍ لَهُمْ فَنَامَ عَنِ الْعَصْرِ قَالَ : فَرَأَيْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ مِنْ وَلَدِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي عَصْرِ يَوْمِهِ ، وَيَرَوْنَ جَوَازَ ذَلِكَ . وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ السُّنَّةَ لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةٌ مِثْلُهَا ، وَلَا تُنْسَخُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ ، وَمَحْظُورٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا أَوْ فَاتَتْهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ فَلْيُصَلِّهَا بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، وَعِنْدَ الطُّلُوعِ ، وَعِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ ذَكَرَهَا فِيهِ . وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ ، وَالْيَمَنِ ، وَالْعِرَاقِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : صَلِّهَا حِينَ تَذْكُرُهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . فَهَذَا الْحَدِيثُ يُبِيحُ الصَّلَاةَ فِي حِينِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ لِمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً بَعْدَ نِسْيَانٍ ، أَوْ غَفْلَةٍ ، أَوْ تَفْرِيطٍ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الظَّاهِرَ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَلَمْ يَخُصَّ وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقْتٌ لِمَنْ نَامَ ، أَوْ نَسِيَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَلَّى مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَطَلَعَتْ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى . وَهَذَا نَصٌّ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ . وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَارَضُ ، وَيَتَضَادُّ ، وَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ نَهْيَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَنَاسِخٌ لِقَوْلِهِ :
مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا
، وَلَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ; لَجَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ نَسَخَا نَهْيَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ ، وَهَذَا لَا يُجَوِّزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ النَّسْخَ فِيمَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ، فَلِهَذَا صَحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ ; لِيَصِحَّ اسْتِعْمَالُ الْآثَارِ كُلِّهَا ، وَلَا يَدْفَعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَقَدْ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهَا . أَلَا تَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ قَالَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ : لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَلَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا ، وَغُرُوبِهَا ، إِلَّا مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، أَوْ نَامَ عَنْهَا ، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْكَلَامِ تَنَاقُضٌ ، وَلَا تَعَارُضٌ ، وَكَذَلِكَ هُوَ إِذَا وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَرِدَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، وَلَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ أَوْ وَقْتَيْنِ . فَمَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ أَوِ الصُّبْحِ قَبْلَ الطُّلُوعِ ، وَالْغُرُوبِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ ، عَلَى الْفَرَائِضِ ، وَرَتَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَعَلَ نَهْيَهُ عَنِ الصَّلَوَاتِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مُرَتَّبًا عَلَى النَّوَافِلِ ، فَقَدِ اسْتَعْمَلَ جَمِيعَ الْآثَارِ ، وَالسُّنَنِ ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ أَنَّهُ رَدَّ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَامَّةُ عُلَمَاءِ الحجاز وفقهاؤهم وجميع أَهْلِ الْأَثَرِ . وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ جَسِيمٌ فِي تَرْتِيبِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ ، فَتَدَبَّرْهُ ، وَقِفْ عَلَيْهِ ، وَرُدَّ كُلَّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ بَابِهِ إِلَيْهِ . وَمِنْ قَبِيحِ غَلَطِهِمْ فِي ادِّعَائِهِمُ النَّسْخَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ غَفَلَ أَوْ نَامَ عَنْ عَصْرِ يَوْمِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَقُودُوا أَصْلَهُمْ فِي النَّسْخِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَصْرِ يَوْمِهِ ، وَغَيْرِ يَوْمِهِ فِي نَظَرٍ ، وَلَا أَثَرٍ . وَلَوْ صَحَّ النَّسْخُ دَخَلَ فِيهِ عَصْرُ يَوْمِهِ ، وَغَيْرِ يَوْمِهِ ، وَفِي قَوْلِهِمْ هَذَا إِقْرَارٌ مِنْهُمْ بِالْخُصُوصِ فِي أَحَادِيثَ النَّهْيِ ، وَالْخُصُوصُ أَنْ يُقْتَصَرَ بِهَا عَلَى التَّطَوُّعِ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَنْسِيَّاتِ الْمَكْتُوبَاتِ . هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : الْمَسْنُونَاتِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ الْفَائِتَةَ حِينَ انْتَبَهَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، فَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، لِأَنَّا قَدْ رُوِّينَا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَبِهُوا يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِحَرِّ الشَّمْسِ ، وَالشَّمْسُ لَا تَكُونُ لَهَا حَرَارَةٌ إِلَّا فِي وَقْتٍ تَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ : مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدُ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا ، فَاسْتَقْبَلَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ حَتَّى أَيْقَظَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ ، ثُمَّ قَامُوا فَقَادُوا رِكَابَهُمْ فَتَوَضَّئُوا ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ صَلَّوْا رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ . وَسَنَذْكُرُ أَحَادِيثَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَبَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَنَذْكُرُ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَاسْتِوَائِهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَنُبَيِّنُ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . وَنَذْكُرُ حَدِيثَ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ وَنَذْكُرُ أَحَادِيثَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَنُورِدُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ ، وَالتَّنَازُعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .