الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَطَاءٍ
حَدِيثٌ رَابِعٌ وَثَلَاثُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَطَاءٍ ، فَرَدَّهُ ( عُمَرُ ) ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِمَ رَدَدْتَهُ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ خَيْرًا لِأَحَدِنَا أَنْ لَا يَأْخُذَ مَنْ أَحَدٍ شَيْئًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ( أَمَا ) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا ، وَلَا يَأْتِينِي شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إِلَّا أَخَذْتُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، وَمِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ . وَفِيهِ أَنْ يُهْدِيَ الْكَبِيرُ إِلَى الصَّغِيرِ ، وَالْجَلِيلُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ، وَأَنْ يُهْدِيَ الْقَلِيلُ الْمَالِ إِلَى مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ مَالًا ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرُدَّ الْهَدِيَّةَ إِذَا عَلِمَ طِيبَ مَكْسَبِهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِعُمَرَ لِمَ رَدَدْتَهُ ؟ كَانَ إِنْكَارًا مِنْهُ لِفِعْلِهِ ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْعُمُومِ فِي الْأَخْبَارِ ، وَالْأَوَامِرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ مَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ : خَيْرٌ لِأَحَدِكُمْ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا عَلَى عُمُومِهِ ، وَلَمْ تُوجِبْ عِنْدَهُ اللُّغَةُ فِي الْخِطَابِ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ بَيَّنَ لَهُ مُرَادَهُ مِنْهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْعُمُومَ جَائِزٌ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ ، وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ السُّؤَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ الْآثَارِ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، وَمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى ذَلِكَ ، عَنْ إِعَادَتِهِ هَهُنَا . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُمَرَ بِعَطَاءٍ . أَيْ مِمَّا كَانَ يُقَسِّمُهُ مِنَ الْفَيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْأَعْطِيَةِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَيَسْتَحِيلُ أَيْضًا أَنْ يَرُدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الْفَيْءِ ، وَيَقُولَ فِيهِ ذَلِكَ الْقَوْلَ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ .
وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّهَا عَطِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ ، وَالْهَدِيَّةِ ، وَالصِّلَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الْوَاجِبَ قَبُولُ كُلِّ رِزْقٍ يَسُوقُهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى الْعَبْدِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا بَيِّنًا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ : أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ ، وَمَا لَا ، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ . قَالَ سَالِمٌ : فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا ، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ .
وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الْبِدَارِ إِلَى طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي فِيهَا طَاعَةُ اللَّهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا ، وَلَا يَأْتِينِي شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إِلَّا أَخَذْتُهُ ، وَهَكَذَا يَلْزَمُ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا ، الِانْقِيَادُ إِلَى الْعِلْمِ ، وَاسْتِعْمَالُهُ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَالٍ فَرَدَدْتُهُ ، فَلَمَّا جِئْتُهُ ، قَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَرُدَّ مَا أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْتَ لِي : إِنَّ خَيْرًا لَكَ أَنْ لَا تَأْخُذَ مِنَ النَّاسِ ، قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ النَّاسَ ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَكَهُ اللَّهُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِينِي الْعَطَاءَ ، فَأَقُولُ : أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي ، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا ، فَقُلْتُ : أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي ، فَقَالَ : خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ ، وَتَصَدَّقْ بِهِ ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ ، وَمَا لَا ، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِينِي الْعَطَاءَ ، فَأَقُولُ : أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي ، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ : أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذْهُ ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إِشْرَافٍ فَخُذْهُ .
وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمعناه سَوَاءً . رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمُ : الزُّبَيْدِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مَعْمَرٍ ، وَعَنْهُ يَرْوِيهِ ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ : الْحَدِيثُ الَّذِي أَتَى : مَا جَاءَكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَكَهُ اللَّهُ ، أَفِيهِ رُخْصَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : فَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا ، وَوُصِلَ بِهِ ؟ قَالَ : تَرْكُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَأُفَضِّلُ إِنْ كَانَ لَهُ عَنْهُ غِنًى ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْجُوعَ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ ، فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَهْدِي إِلَيَّ هَدِيَّةً إِلَّا قَبِلْتُهَا .
وَأَمَّا أَنْ أَسْأَلَ ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَسْأَلَ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَتَاكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إِشْرَافٍ ، أَيَّ الْإِشْرَافِ أَرَادَ ؟ فَقَالَ : أَنْ تَسْتَشْرِفَهُ ، وَتَقُولَ : لَعَلَّهُ يَبْعَثُ إِلَيَّ بِقَلْبِكَ ، قِيلَ لَهُ : وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّمَا هُوَ بِالْقَلْبِ ، قِيلَ لَهُ : هَذَا شَدِيدٌ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فَهُوَ هَكَذَا . قِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ لَمْ يُعَوِّدْنِي أَنْ يُرْسِلَ إِلَيَّ شَيْئًا ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ عَرَضَ بِقَلْبِي ؟ فَقُلْتُ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَ إِلَيَّ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : هَذَا إِشْرَافٌ ، فَأَمَّا إِذَا جَاءَكَ من غير أَنْ تَحْسَبَهُ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِكَ ، فَهَذَا الْآنَ لَيْسَ فِيهِ إِشْرَافٌ ، قُلْتُ لَهُ : فَلَوْ عَرَضَ بِقَلْبِهِ : لَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ، أَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّهُ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا يَلْزَمُهُ ؟ وَلَكِنْ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَرُدَّهُ ، قُلْتُ لَهُ : وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ أَنْ يَرُدَّهُ ؟ قَالَ : لَا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّأْنَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إِشْرَافٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَقْبَلْهُ ، قَالَ : فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ، وَيُضَيِّقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ إِشْرَافٍ ، وَلَا مَسْأَلَةٍ أَنْ يَرُدَّ ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ إِشْرَافٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ ، وَإِنْ أَخَذَهُ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَلَوْ سَأَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ، وَضَاقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالْمَسْأَلَةِ إِذَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْإِشْرَافُ فِي اللُّغَةِ : رَفْعُ الرَّأْسِ إِلَى الْمَطْمُوعِ عِنْدَهُ ، وَالْمَطْمُوعِ فِيهِ ، وَأَنْ يَهَشَّ الْإِنْسَانُ ، وَيَتَعَرَّضَ . وَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَأْوِيلِ الْإِشْرَافِ تَضْيِيقٌ ، وَتَشْدِيدٌ ، وَهُوَ عِنْدِي بَعِيدٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ ، أَوْ تَعْمَلْهُ جَارِحَةٌ ، وَمَا اعْتَقَدَهُ الْقَلْبُ مِنَ الْمَعَاصِي مَا خَلَا الْكُفْرَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، حَتَّى يُعْمَلَ بِهِ ، وَخَطَرَاتُ النُّفُوسِ مُتَجَاوَزٌ عَنْهَا بِإِجْمَاعٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعْدٍ الْحَمْرَاوِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّلُولِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نَجِيحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْهَدِيَّةُ رِزْقٌ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ فَمَنْ أُهْدِيَ لَهُ فَلْيَقْبَلْهُ ، وَلَا يَرُدَّهُ ، وَلْيُعْطِهِ خَيْرًا مِنْهُ ، وَلِيُكَافِئْ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُكَافَأَةُ الِاسْتِوَاءُ ، وَالِاعْتِدَالُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ، أَيْ مُعْتَدِلَتَانِ أَوْ مِثْلَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَرِيرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْحَاسِبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلْيَقْبَلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : إِذَا أَخُوكَ أَعْطَاكَ شَيْئًا فَاقْبَلْهُ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ فِيهِ حَاجَةٌ فَاسْتَمْتِعْ بِهِ ، وَإِنْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْهُ فَتَصَدَّقْ بِهِ ، وَلَا تَنْفِسْ عَلَى أَخِيكَ أَنْ يَأْجُرَهُ اللَّهُ فِيك .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي شُرَيْحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَاهُ اللَّهُ بِرِزْقٍ لم يسأله ، وَلَمْ يَسْتَشْرِفْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ ؟ إِنْ كَانَ غَنِيًّا أُجِرَ فِي أَخِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا كَانَ رِزْقًا قَسَمَهُ اللَّهُ لَهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ لَهُ دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ; وَإِنَّمَا يُرْزَقُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمْ شَيْئًا ، فَلْيَقْبَلْهُ ، فَإِنْ كَانَ عَنْهُ غَنِيًّا ، فَلْيَضَعْهُ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ إِخْوَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ إِلَيْهِ فَقِيرًا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ عَلَى حَاجَتِهِ ، وَلَا يَرُدَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقَهُ الَّذِي رَزَقَهُ . قَرَأْتُ عَلَى خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُطَرِّفٍ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو صَالِحٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَدِيٍّ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ جَاءَهُ مِنْ أَخِيهِ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ ، فَلْيَقْبَلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ .
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبي أَيُّوبَ ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَدِيٍّ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ جَاءَهُ مِنْ أَخِيهِ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ إِشْرَافٍ ، وَلَا مَسْأَلَةٍ فَلْيَقْبَلْهُ ، وَلَا يَرُدَّهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ . وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ أَصَحُّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .