الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ
ج٥ / ص٩٥
604 حَدِيثٌ خَامِسٌ وَثَلَاثُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ .
هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ج٥ / ص٩٦فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ رَجُلٍ أُهْدِيَتْ لَهُ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَرَوَاهَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ يَعْنِي الْكُوفِيَّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ يَعْنِي الْمِصْرِيَّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ ج٥ / ص٩٧يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ غَارِمٍ ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدْخُلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ :
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
الْآيَةَ ، وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ، وَقَوْلُهُ هَذَا عُمُومٌ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِلَّا لِخَمْسَةٍ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ ، غَيْرِ مَنْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمَوْصُوفِينَ فِيهِ ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ لِغَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ ، وَيُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ج٥ / ص٩٨مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَفِي بِهَا مَالَهُ ، وَيُؤَدِّي مِنْهَا دَيْنَهُ ، وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ ، قَالَ : وَإِذَا احْتَاجَ الْغَازِي فِي غَزْوَتِهِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا ، وَاسْتَقْرَضَ ، فَإِذَا بَلَغَ بَلَدَهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ . هَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ ، وَغَيْرَهُ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ : يُعْطَى مِنْهَا الْغَازِي ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي غَزَاتِهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَالِهِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ فِي بَلَدِهِ . رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا الْغُزَاةُ ، وَمَنْ لَزِمَ مَوَاضِعَ الرِّبَاطِ ، فُقَرَاءَ كَانُوا ، أَوْ أَغْنِيَاءَ ، وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَدِ احْتَاجَ فِي غَزْوَتِهِ ، وَغَابَ عَنْهُ غِنَاهُ ، وَوَفْرُهُ ، قَالَ : وَلَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالُهُ مِنَ الْغُزَاةِ ، إِنَّمَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا عَنْهُ مِنْهُمْ ، قَالَ عِيسَى : وَتَحِلُّ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُهَا لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عِنْدِ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي ، وَالْأَمْوَالِ فَهَذَا يُعْطَى مِنْهَا عَلَى قَدْرِ سَعْيِهِ لَا عَلَى قَدْرِ مَا جَمَعَ ج٥ / ص٩٩مِنَ الصَّدَقَاتِ ، وَالْعُشُورِ ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى الثُّمُنِ ، وَلَيْسَ الثُّمُنُ بِفَرِيضَةٍ ; وَإِنَّمَا لَهُ قَدْرُ اجْتِهَادِهِ ، وَعَمَلِهِ ، قَالَ : وَتَحِلُّ لِغَارِمٍ غُرْمًا قَدْ فَدَحَهُ ، وَذَهَبَ بِمَالِهِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرْمُهُ فِي فَسَادٍ ، وَلَا دَيْنُهُ فِي فَسَادٍ ، مِثْلُ أَنْ يَسْتَدِينَ فِي نِكَاحٍ ، أَوْ حَجٍّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الصَّلَاحِ ، وَالْمُبَاحِ ، قَالَ : وَأَمَا غَارِمٌ لَمْ يَفْدَحْهُ الْغُرْمُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ ، وَقَدْ بَقِيَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ ، قَالَ : وَتَحِلُّ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، وَلِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ - فِيمَا عَلِمْتُ - فَإِنَّهُمْ ، قَالُوا : جَائِزٌ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِذَا ذَهَبَتْ نَفَقَتُهُ ، وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يُبَلِّغُهُ ، قَالُوا : وَالْمُحْتَمِلُ بِحَمَالَةٍ فِي صَلَاحٍ وَبِرٍّ ، وَالْمُتَدَائِنُ فِي غَيْرِ فَسَادٍ كِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ غَنِيًّا ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يُجْحِفُ بِمَالِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، وَبِظَاهِرِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا . ج٥ / ص١٠٠فَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ : تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ : أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتِ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ ، ج٥ / ص١٠١فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، فَمَا سِوَاهُنَّ يَا قَبِيصَةُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَسُحْتٌ . فَقَوْلُهُ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ ; لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ ، عَنِ السُّؤَالِ مَعَ فَقْرِهِ ، وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ عَطْفُهُ ذِكْرَ الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ ، وَذِكْرَ الْفَقِيرِ ذِي الْفَاقَةِ عَلَى ذِكْرِ صَاحِبِ الْحَمَالَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَالُهُ ، وَلَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَنْ عَمِلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لَهَا بِمَالِهِ ، وَالَّذِي تُهْدَى إِلَيْهِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَالِ غِنَاهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَخْذُهَا إِلَّا مَعَ الْحَاجَةِ ، وَالْفَقْرِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَهَا لِلْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ إِبَاحَةً مُطْلَقَةً ، وَحَقُّ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجًا مِنَ الْجُمْلَةِ مَا دَخَلَ فِي عُمُومِهَا ، هَذَا هُوَ الْوَجْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . ج٥ / ص١٠٢رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّ زَوْجِي تُوُفِّيَ ، وَأَوْصَى بِمَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ : هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ : قُلْتُ : إِنَّكَ لَمْ تَزِدْهَا إِلَّا غَمًّا ، قَدْ سَأَلَتْكَ فَأَخْبِرْهَا ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَبِي نُعْمٍ ، أَتَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهَا أَنْ تَدْفَعَهُ إِلَى هَذِهِ الْجُيُوشِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ فَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، وَيَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : فَتَأْمُرُهَا بِمَاذَا ؟ قَالَ : آمُرُهَا أَنْ تُنْفِقَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَعَلَى حُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ ، أُولَئِكَ وَفْدُ الرَّحْمَنِ ، لَيْسُوا كَوَفْدِ الشَّيْطَانِ يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا ، قُلْتُ : وَمَا وَفْدُ الشَّيْطَانِ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَأْتُونَ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ فَيَمْشُونَ إِلَيْهِمْ بِالنَّمِيمَةِ ، وَالْكَذِبِ فَيُعْطَوْنَ عَلَيْهَا الْعَطَايَا ، وَيُجَازَوْنَ عَلَيْهَا بِالْجَوَائِزِ . ج٥ / ص١٠٣وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ ، وَحَلَّتْ لَهُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا ، وَيَمْلِكُهَا ، وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَحَبَّ ، وَلِذَلِكَ مَا يَطِيبُ أَكْلُهَا لِمَنْ اشتراها ، ولمن أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَدِيَّةِ الْمِسْكِينِ مِنَ الصَّدَقَةِ لِلْغَنِيِّ فِي بَابِ رَبِيعَةَ فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرِيرَةَ ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَيبُّوَيْهِ السَّجَسْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ : أَعْنَدَكِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ : لَا ، إِلَّا رِجْلُ شَاةٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى امْرَأَةٍ ، فَأَهْدَتْهُ لَنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَرِّبِيهِ ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا . ج٥ / ص١٠٤وَمَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَيْ قَدْ بَلَغَتْ حَالًا تَحِلُّ لَنَا فِيهَا ، إِذْ هِيَ هَدِيَّةٌ أَهْدَاهَا مَنْ يَمْلِكُهَا ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا صَدَقَةً ، فَلَا تَضُرُّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ مِنَ الْمُهْدَي . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَلَغَتْ مَوْضِعَهَا الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ تُؤْكَلَ فِيهِ ، فَهُوَ مَحِلُّهَا ، وَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : أَنَّهَا بَلَغَتْ حَالًا حَلَّ لَهُ فِيهَا أَكْلُهَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ قَدْ بَلَغَتِ الْحَاجَةُ مَحِلَّهَا ، فَنَحْنُ نَأْكُلُ الرِّجْلَ ، وَغَيْرَ الرِّجْلِ لِحَاجَتِنَا إِلَى ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ ج٥ / ص١٠٥عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ ؟ قُلْتُ : لَا ، إِلَّا عَظْمٌ أُعْطِيَتْهُ مَوْلَاةٌ لَنَا مِنَ الصَّدَقَةِ ، قَالَ : قَرِّبِيهِ ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا . وَرَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاةً مِنَ الصَّدَقَةِ ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيْءٍ ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَائِشَةَ ، قَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ : لَا ، إِلَّا أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنْ شَاتِهَا الَّتِي بَعَثْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا فَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا . كَذَا قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَخَالَفَهُ أَبُو شِهَابٍ ، فَقَالَ فِيهِ : عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : بَعَثْتُ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ ، وَذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ ، عَنْ ج٥ / ص١٠٦خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : بَعَثْتُ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ : لَا ، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ ، قَالَ : هَاتِ ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا .