حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ كَانَ يَرْعَى لَقْحَةً

ج٥ / ص١٣٦

1056 حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَثَلَاثُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ كَانَ يَرْعَى لَقْحَةً بِأُحُدٍ فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ ، فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فَكُلُوهَا .

هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ مُرْسَلًا ، وَمَعْنَاهُ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إِلَّا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . ج٥ / ص١٣٧ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَلَقِيتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَحَدَّثَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ نَاقَةٌ تَرْعَى فِي قِبَلِ أُحُدٍ ، فَنَحَرَهَا بِوَتَدٍ ، فَقُلْتُ لِزَيْدٍ : وَتَدٌ مِنْ حَدِيدٍ ، أَوْ خَشَبٍ ؟ قَالَ : لَا بَلْ مِنْ خَشَبٍ ، وَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا . ج٥ / ص١٣٨قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَاللَّقْحَةُ : النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالشِّظَاظُ : الْعُودُ الْحَدِيدُ الطَّرْفِ ، كَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ ، فَأَخَذَ وَتَدًا فَوَجَأَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا . فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، الشَّظَّاظُ الْوَتَدُ ، ( وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ ) ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الشَّظَّاظُ هُوَ الْعُودُ الَّذِي يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ عُرْوَتَيِ الْغِرَارَتَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ : (

بِحَالِّ الْعُرْوَتَيْنِ مِنَ الشِّظَاظِ

) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ عَنْتَرَةُ :

إِذَا ضَرَبُوهَا سَاعَةً بِدِمَائِهَا

وَحَلَّ عَنِ الْكَوْمَاءِ عَقْدُ شِظَاظِهَا

ج٥ / ص١٣٩قَالَ الْخَلِيلُ : الظُّرَرَةُ ، وَالظُّرَرُ : حَجَرٌ لَهُ حَدٌّ ، قَالَ وَالشَّظَاظُ خَشَبَةٌ عَقْفَاءُ مَحْدُودَةُ الطَّرَفِ ، وَاللَّيْطُ : قِشْرُ الْقَصَبِ ، وَالتَّذْكِيَةُ بِالشِّظَاظِ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُنْحَرُ لَا فِيمَا يُذْبَحُ ، وَالنَّاقَةُ الشَّأْنُ فِيهَا النَّحْرُ ، وَهُوَ ذَكَاتُهَا ، وَالشِّظَاظُ لَا يُمْكِنُ بِهِ الذَّبْحُ ; لِأَنَّهُ كَطَرَفِ السِّنَانِ ، وَقَدْ يُمْكِنُ الذَّبْحُ بِفِلْقَةِ الْعُودِ ; لِأَنَّ لَهَا جَانِبًا رَقِيقًا ، وَذَلِكَ يُسَمَّى الشَّطِيرَ ، وَفِلْقَةُ الْحَجَرِ الرَّقِيقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ الذَّكَاةُ بِهَا تُسَمَّى الظُّرَرَ ، وَهَذَانَ يُذْبَحُ بِهِمَا ، وَلَا يُمْكِنُ النَّحْرُ بِهِمَا . وَأَمَّا الْقَصَبَةُ فَيُمْكِنُ بِهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ ، وَفِلْقَةُ الْقَصَبَةِ تُسَمَّى اللِّيطَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : مَا ذُبِحَ بِاللِّيطَةِ ، وَالشَّطِيرِ ، وَالظُّرَرِ فَحِلٌّ ذَكِيٌّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ تَذْكِيَةِ مَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ أَكْلُهُ ، كَانَتِ الْبَهِيمَةُ فِي حَالٍ تُرْجَى حَيَاتُهَا ، أَوْ لَا تُرْجَى إِذَا كَانَتْ حَيَّةً فِي وَقْتِ الذَّكَاةِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ مُذَكِّيهَا عَنْ حَالِهَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ قَالَ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فَكُلُوهَا ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : أَصَابَهَا الْمَوْتُ فَعَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا سَلِمَ مَوْضِعُ الذَّكَاةِ مِنَ الْآفَةِ ، وَكَانَتِ الْحَيَاةُ مَوجُودَةً فِي الْمُذَكَّى جَازَ تَذْكِيَتُهُ . ج٥ / ص١٤٠أَخْبَرَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْمُتَرَدِّيَةِ ، وَالْمَفْرُوسَةِ تُدْرَكُ ذَكَاتُهَا وَهِيَ تَتَحَرَّكُ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ قُطِعَ رَأْسُهَا أَوْ نُثِرَ بَطْنُهَا قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : إِذَا غُيِّرَ مَا بَيْنَ الْمَنْحَرِ إِلَى الْمَذْبَحِ لَمْ تُؤْكَلْ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

فَقَالَ قَوْمٌ : هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ عَلَى كُلِّ مَا أُدْرِكَ ذَكَاتُهُ مِمَّا يَنْخَنِقُ ، وَيُوقَذُ ، وَيَتَرَدَّى ، وَيُنْطَحُ ، وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ فَمَتَى أَدْرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَفِيهِ حَيَاةٌ كَانْتِ الذَّكَاةُ عَامِلَةٌ فِيهِ ; لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ ، وَلَا يُجْعَلُ مُنْقَطِعًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْمَعْنَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَمِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَشَرِيكٌ ، وَجَرِيرٌ عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذِئْبٍ عَدَا عَلَى ج٥ / ص١٤١شَاةٍ فَشَقَّ بَطْنَهَا حَتَّى انْتَثَرَ قَصَبُهَا ، فَأَدْرَكْتُ ذَكَاتَهَا ، فَذَكَّيْتُهَا ، فَقَالَ : كُلْ ، وَمَا انْتَثَرَ مِنْ قَصَبِهَا فَلَا تَأْكُلْ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَحُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا أَكَلَ السَّبُعُ : إِذَا كَانَتْ تَطْرِفُ بِعَيْنِهَا ، أَوْ تَرْكُضُ بِرِجْلِهَا ، أَوْ تَمْصَعُ بِذَنَبِهَا فَذَكِّ وَكُلْ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ :

إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

قَالَ الْحَسَنُ : أَيُّ هَذِهِ الْخَمْسِ أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ كَيْفَ أَعْرِفُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِذَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا ، أَوْ ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِذَا كَانَتِ الذَّبِيحَةُ تَطْرِفُ فَهِيَ ذَكِيَّةٌ ، وَلَوْ طَرَفَتْ بِأَحَدِ أَطْرَافِهَا بِعَيْنٍ ، أَوْ رِجْلٍ ، أَوْ ذَنَبٍ ، أَوْ يَدٍ مَعَ مَجْرَى النَّفَسِ فَهِيَ ذَكِيَّةٌ ، قَالَ : وَهَكَذَا فَسَّرَهُ لِي أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَهُ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا كَانَتْ حَيَّةً ، وَقَدْ أَخْرَجَ السَّبُعُ جَوْفَهَا أكلت إِلَّا مَا بَانَ مِنْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ ، وَالْأَشْهَرُ ج٥ / ص١٤٢مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي السَّبُعِ إِذَا شَقَّ بَطْنَ شَاةٍ ، وَاسْتَيْقَنَ أَنَّهَا تَمُوتُ إِنْ لَمْ تُذْكَّ فَذُكِّيَتْ ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا ، قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَأَحْفَظُ لَهُ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إِذَا بَلَغَ مِنْهَا السَّبُعُ ، أَوِ التَّرَدِّي إِلَى مَا لَا حَيَاةَ مَعَهُ ، قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ ، قَالَ : وَهُوَ عِنْدِي أَقَيْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : فِي صَيْدِ الْبَرِّ : إِذَا لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ السِّلَاحُ مَبْلَغَ الذَّبْحِ ، وَأَمْكَنَتْ ذَكَاتُهُ فَلَمْ يُذَكِّهِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ . قَالَ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الذَّبْحُ أَكَلَهُ ، قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِهِ أَيْضًا ، قَالَ فِي كِتَابِ الدِّمَاءِ : لَوْ قُطِعَ حُلْقُومُ رَجُلٍ ، وَمِرِّيئُهُ ، أَوْ قُطِعَ حَشْوَتُهُ فَأَبَانَهَا مِنْ جَوْفِهِ ، أَوْ صَيَّرَهُ فِي حَالِ الْمَذْبُوحِ ، ثُمَّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَهُ ، فَالْأَوَّلُ قَاتِلٌ دُونَ الْآخَرِ ، قَالَ : فَفِي هَذَا مِنْ قَوْلِهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ أَنَّهُ أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ قَوْلِهِ الْآخَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ عَلَى خِلَافِ مَا اخْتَارَ الْمُزَنِيُّ ، وَاحْتَجَّ مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْقَزْوِينِيُّ بِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - بَعْدَ ذِكْرِ الْمُنْخَنِقَةِ ، وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا إِلَى قَوْلِهِ : ج٥ / ص١٤٣

إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

قَالَ : فَمَعْنَى الْآيَةِ : أَكْلُ الْمُنْخَنِقَةِ ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ ، وَالنَّطِيحَةِ ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِذَا ذُكِّيَ ، وَفِيهِ الْحَيَاةُ ، كَانَ التَّرَدِّي ، وَأَكْلُ السَّبُعِ بَلَغَ مِنْهَا مَا فِيهِ الْبَقَاءُ ، أَوْ مَا لَا بَقَاءَ مَعَهُ ، إِذَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْحَيَاةِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهَا لَمْ تَمُتْ ، قَالَ : وَالزَّاعِمُ أَنَّ الْمُتَرَدِّيَةَ ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ وَفِيهَا الْحَيَاةُ إِذَا ذُكِّيَتْ تُؤْكَلُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ مُدَّعٍ عَلَى الْكِتَابِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْكِتَابُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَفِي كُلِّ مَا تُدْرَكُ ذَكَاتُهُ وَفِيهِ الْحَيَاةُ مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ فَإِنَّهُ ذَكِيٌّ ، وَمَتَى ذُكِّيَتْ ، وَأُدْرِكَتْ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ أُكِلَتْ عِنْدَهُ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ : إِذَا بَلَغَ بِهَا ذَلِكَ حَالًا لَا تَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ تُؤْكَلْ ، قَالَ وَذَكَرَ ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا بَلَغَ بِهَا ذَلِكَ حَالًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ الْيَوْمَ ، وَنَحْوَهُ ، وَالسَّاعَتَيْنِ ، وَالثَّلَاثَ ، وَنَحْوَهَا فَذَكَّاهَا حَلَّتْ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَبْقَى إِلَّا بَقَاءَ الْمَذْبُوحِ لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنْ ذُبِحَتْ ، قَالَ : وَاحْتَجَّ مُحَمَّدُ ج٥ / ص١٤٤ابْنُ الْحَسَنِ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَتْ جِرَاحَاتُهُ مُتْلِفَةٌ ، وَصَحَّتْ عُهُودُهُ ، وَأَوَامِرُهُ ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْأَنْعَامِ إِذَا أَصَابَتْهَا الْأَمْرَاضُ الْمُتْلِفَةُ الَّتِي قَدْ تَعِيشُ مَعَهَا مُدَّةً قَصِيرَةً ، أَوْ طَوِيلَةً أَنَّهَا تُذَكَّى ، وَأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ فِي حَالِ النُّزُوعِ ، وَالِاضْطِرَابِ لِلْمَوْتِ أَنَّهُ لَا ذَكَاةَ فِيهَا ، فَكَذَاكَ الْقِيَاسُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمُتَرَدِّيَةِ ، وَنَحْوِهَا ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ فَذُبِحَتْ أُكِلَتْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ : - عَزَّ وَجَلَّ -

إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ ، غَيْرُ عَائِدٍ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ ، قَالُوا : وَذَلِكَ مَشْهُورٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَجْعَلُونَ إِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : "

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً

" يُرِيدُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا أَلْبَتَّةَ ، ثُمَّ قَالَ : إِلَّا خَطَأً أَيْ لَكِنْ إِنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَالِاسْتِثْنَاءُ هَهُنَا لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْفَرَّاءِ كُلُّهُمْ يَجْعَلُونَ إِلَّا ( هَهُنَا ) بِمَعْنَى لَكِنْ ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِأَبِي خِرَاشٍ : ج٥ / ص١٤٥

أَمْسَى سُقَامٌ خَلَاءً لَا أَنِيسَ بِهِ

إِلَّا السِّبَاعُ وَمَرُّ الرِّيحِ بِالْغَرَفِ

أَرَادَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ السِّبَاعُ ، أَوْ لَكِنْ بِهِ السِّبَاعُ ، وَطَرْدُ الرِّيحِ ، وَسُقَامٌ : وَادٍ لِهُذَيْلٍ . وَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ الشَّاعِرِ :

وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ

إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ

أَرَادَ : لَكِنْ بِهَا الْيَعَافِيرُ ، وَبِهَا الْعِيسُ ، وَلَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ مَعَ هَذَا . وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ :

وَبَعْضُ الرِّجَالِ نَخْلَةٌ لَا جَنَى لَهَا

وَلَا ظِلَّ إِلَّا أَنْ تُعَدَّ مِنَ النَّخْلِ

يُرِيدُ لَكِنْ تُعَدُّ مِنَ النَّخْلِ . وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ : لَا أَنِيسَ بِهِ إِلَّا السِّبَاعُ ، وَلَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ ، وَلَا الْيَعَافِيرُ ، وَلَا السِّبَاعُ فَتَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا

أَيْ : وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :

مَا بِالْمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ

دَارُ الْخَلِيفَةِ إِلَّا دَارُ مَرْوَانَ

ج٥ / ص١٤٦أَيْ إِلَّا دَارُ الْخَلِيفَةِ ، وَدَارُ مَرْوَانَ ، هَذَا كُلُّهُ قَدْ قِيلَ كَمَا وَصَفْنَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا ، وَحَقِيقَةُ " إِلَّا " أَنْ تُحْمَلَ عَلَى صَرِيحِ الِاسْتِثْنَاءِ إِمَّا مُتَّصِلًا رَدًّا لِلْأَوَّلِ عَلَى الْآخِرِ مُخْرِجًا لَهُ مِنْ جُمْلَتِهِ ; وَإِمَّا مُنْقَطِعًا قَدْ فَصَلَ الْأَوَّلَ مِنَ الْآخِرِ ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ :

وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ

إِلَّا الْأَ وَارِيَ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ - أَيْضًا - وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَمِنْ أَبْدَعِهِ قَوْلُ جَرِيرٍ :

مِنَ الْبَيْضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا وَلَمْ تَطَأْ

عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا ذَيْلَ بُرْدٍ مُرَجَّلِ

فَكَأَنَّهُ ، قَالَ : لَمْ تَطَأْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ تَطَأَ ذَيْلَ الْبُرْدِ ، وَالتَّرْجِيلُ : وَشْيٌ فِي حَاشِيَةِ الْبُرْدِ . وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : - عَزَّ وَجَلَّ -

إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ

أَيْ : لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يُحَاجُّونَكُمْ ، وَقِيلَ : إِلَّا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ، وَالْمَيْتَةُ هَهُنَا الَّتِي تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا ، وَحَرَّمَ الَّتِي تَمُوتُ مُنْخَنِقَةً ، ج٥ / ص١٤٧وَمَوْقُوذَةً ، وَمُتَرَدِّيَةً ، وَمَنْطُوحَةً ، وَأَكِيلَةَ السَّبُعِ ، فَعَمَّ بِهَذَا أَجْنَاسَ الْمَيْتَةِ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَ ، وَأُحِلَّ لَهُمْ مَا ذَكَّوْا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا حَرَّمَ مِنَ الْمَيْتَاتِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ : لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ وَذَبَحْتُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَحَلَّ لَكُمْ . هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَهُمْ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، وَجَمَاعَةُ الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا الْمَذْهَبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كَانَتْ لِي عَنَاقٌ كَرِيمَةٌ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَذْبَحَهَا ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ تَرَدَّتْ ، فَأَمْرَرْتُ الشَّفْرَةَ عَلَى أَوْدَاجِهَا ، فَرَكَضَتْ بِرِجْلِهَا ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لِيَتَحَرَّكُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا تَأْكُلْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَزِيدُ مَوْلَى عَقِيلٍ هَذَا ، هُوَ أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ج٥ / ص١٤٨أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَوَى عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : إِذَا قَطَعَ السَّبُعُ حُلْقُومَ الشَّاةِ ، أَوْ قَسَمَ صُلْبَهَا ، أَوْ شَقَّ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مِعَاهَا ، أَوْ قَطَعَ عُنُقَهَا لَمْ تُذَكَّ ، وَفِي سَائِرِ ذَلِكَ كُلِّهِ تُذَكَّى إِذَا كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : تُذَكَّى الَّتِي شُقَّ بَطْنُهَا ، نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ : فَذَهَبَ مِنْهُمْ قَوْمٌ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ كَمَا وَصَفْنَا ، وَذَهَبَ مِنْهُمْ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ عَائِدٌ عَلَيْهِ مُخْرِجٌ لِجُمْلَةِ مَا ذُكِّيَ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْآيَةِ ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ فِي ذِكْرِ الْمُتَرَدِّيَةِ ، وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا يُرْوَى عَنْ قَتَادَةَ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا بِتَذْكِيَةِ مَا أُدْرِكَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مِنْ ذَلِكَ : رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ

الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ أَهْلُ ج٥ / ص١٤٩الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا ، وَالْمَوْقُوذَةُ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ كَانَتْ تَتَرَدَّى فِي الْبِئْرِ فَتَمُوتُ فَيَأْكُلُونَهَا ، وَالنَّطِيحَةُ كَبْشَانِ يَتَنَاطَحَانِ ، فَيَمُوتُ أَحَدُهُمَا فَيَأْكُلُونَهُ ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَتَلَ السَّبُعُ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، أَوْ أَكَلَ مِنْهُ أَكَلُوا مَا بَقِيَ فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - :

إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

فَكُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ هَهُنَا مَا خَلَا الْخِنْزِيرَ إِذَا أُدْرِكَتْ مِنْهُ عَيْنًا تَطْرِفُ ، أَوْ ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ ، أَوْ قَائِمَةً تَرْكُضُ فَذَكَّيْتَهُ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ مِثْلَ قَوْلِ قَتَادَةَ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ . قَالَ الضَّحَّاكُ : فَإِنْ لَمْ تَطْرِفْ لَهُ عَيْنٌ ، وَلَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُ قَائِمَةٌ ، وَلَا ذَنَبٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ ، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا أَدْرَكْتَ ذَكَاةَ الْمَوْقُوذَةِ ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ ، وَالنَّطِيحَةِ ، وَهِيَ تُحَرِّكُ يَدًا ، أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ إِسْمَاعِيلُ بِرَدِّ هَذَا ، وَنَكَبَ عَنْهُ . ج٥ / ص١٥٠قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ ( وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا فِيهِ الْحَيَاةُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ ، وَلَا يُرْجَى لَهُ بِالْعَيْشِ يُذَكَّى ، وَيُؤْكَلُ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَارُودِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ قَالَ : وَأَمَّا الشَّاةُ يَعْدُو عَلَيْهَا الذِّئْبُ ، فيبقر بطنها وَيُخْرِجُ الْمَصَارِينَ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مِثْلُهَا ، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ مَا وَصَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَتْ مَصَارِينُهَا فَإِنَّهَا حَيَّةٌ بَعْدُ ، وَمَوْضِعُ الذَّكَاةِ مِنْهَا سَالِمٌ ; وَإِنَّمَا يُنْظَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ أَحَيَّةٌ هِيَ أَمْ مَيِّتَةٌ ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى هَلْ يَعِيشُ مِثْلُهَا ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُشَكُّ أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ جَائِزٌ ذَكَاتُهَا إِذَا أُدْرِكَتْ فِيهَا حَيَاةٌ ، وَمَا دَامَ الرُّوحُ فِيهَا فَلَهُ أَنْ يُذَكِّيَهَا ، قَالَ إِسْحَاقُ : وَمَنْ قَالَ خِلَافَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ السُّنَّةَ مِنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ ، وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُعَضِّدُ ذَلِكَ

، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ج٥ / ص١٥١وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ
. وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ كُلَّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَفَرَى الْأَوْدَاجَ فَهُوَ مِنْ آلَاتِ الذَّكَاةِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يُذَكَّى بِهِ ، مَا خَلَا السِّنَّ ، وَالْعَظْمَ ، وَعَلَى هَذَا تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ ، وَقَالَ بِهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ قَالَ : ذَبَحْتُ أَرْنَبَيْنِ بِمَرْوَةَ ، فَأَتَيْتُ بِهِمَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا . كَذَا قَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ : وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ ، أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ : ج٥ / ص١٥٢اصْطَدْتُ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ - أَيْضًا - عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَلَمْ يَشُكَّ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُرِّيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ أَحَدُنَا صَيْدًا ، وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ ، أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ ، وَشِقِّ الْعَصَا ؟ فَقَالَ : أَنْزِلِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ، وَالْمَرْوَةُ : فِلْقَةُ الْحَجَرَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ج٥ / ص١٥٣رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا ، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ ، أَوْ ظُفْرٌ ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ : أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . فَإِذَا جَازَتِ التَّذْكِيَةُ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ جَازَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى شَيْءٍ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالسِّنُّ ، وَالظُّفْرُ الْمَنْهِيُّ عَنِ التَّذْكِيَةِ بِهِمَا عِنْدَهُمْ ( هُمَا ) غَيْرُ الْمَنْزُوعَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ خَنْقًا ، وَكَذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ذَلِكَ الْخَنْقُ فَأَمَّا السِّنُّ ، وَالظُّفْرُ الْمَنْزُوعَانِ إِذَا فَرَيَا الْأَوْدَاجَ فَجَائِزٌ الذَّكَاةُ بِهِمَا عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ السِّنَّ ، وَالظُّفْرَ ، وَالْعَظْمَ عَلَى كُلِّ حَالٍ : مَنْزُوعَةً ، وَغَيْرَ مَنْزُوعَةٍ ، مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسْنُ بْنُ حَيٍّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ - أَيْضًا - عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث