حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ

ج٥ / ص٢٠٣

26 حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَأَرْبَعُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً بِطَرِيقٍ مَكَّةَ ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فَرَقَدَ بِلَالٌ ، وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا ، وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ ، وَقَدْ فَزِعُوا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ، فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْزِلُوا ، وَأَنْ يَتَوَضَّأوا ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ ، أَوْ يُقِيمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ ، وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حين غير هَذَا ، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى ج٥ / ص٢٠٤اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ ( حَتَّى نَامَ ) ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا ، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ .

هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوطَآتِ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ زَيْدٍ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ جَاءَ مَعْنَاهُ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ فِي نَوْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ ، رَوَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَأَظُنُّهَا قِصَّةٌ لَمْ تَعْرِضْ لَهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِيمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ -
وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . إِلَّا أَنَّ بَعْضَهَا فِيهِ مَرْجِعُهُ مِنْ خَيْبَرَ ، كَذَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا ، وَهُوَ أَقْوَى مَا يُرْوَى فِي ج٥ / ص٢٠٥ذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَقَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ في حَدِيثُهُ هَذَا بِطْرِيقِ مَكَّةَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ ; لِأَنَّ طَرِيقَ خَيْبَرَ ، وَطَرِيقَ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا ، وَرُبَّمَا جَعَلَتْهُ الْقَوَافِلُ وَاحِدًا ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا مُرْسَلٌ ، وَلَيْسَ مِمَّا يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( مَنْ يُوقِظُنَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا أُوقِظُكُمْ ) ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ قِصَّةِ بِلَالٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ : أَيْقِظْنَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجِيبَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَيَأْمُرَ بِلَالًا ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ ج٥ / ص٢٠٦زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةَ ، وَهُوَ زَمَنٌ وَاحِدٌ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَضَى إِلَى خَيْبَرَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَفِي الْحُدَيْبِيَةِ نَزَلَتْ :

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً

يَعْنِي خَيْبَرَ ، وَكَذَلِكَ قَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ . وَرَوَى خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي جَيْشِ الْأُمَرَاءِ ، وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ كَانَ فِي غَزَاةِ مُؤْتَةَ ، وَكَانَتْ سَرِيَّةً لَمْ يَشْهَدْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْأَمِيرَ عَلَيْهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَفِيهَا قُتِلُوا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَلَى غَيْرِ مَا رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ ، وَمَا قَالُوهُ فَهُوَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الصَّوَابُ ، دُونَ مَا قَالَهُ خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ ، وَقَدْ قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ : إنَّهَا كَانَتْ غَزْوَةَ تَبُوكٍ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَالْآثَارُ الصِّحَاحُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ مُسْنَدَةٌ ثَابِتَةٌ . ج٥ / ص٢٠٧وَقَوْلُهُ : مُرْسَلٌ ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فِي مَضْجَعِهِ ذَلِكَ بِالْأُولَى ، ثُمَّ مَشَوْا قَلِيلًا ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّوُا الصُّبْحَ ، وَسَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعَ هَذِهِ الْآثَارِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَنَوْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَمْرٌ خَارِجٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ عَادَتِهِ ، وَطِبَاعِهِ ، وَطِبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ، وَأَظُنُّ الْأَنْبِيَاءَ مَخْصُوصِينَ بِأَنْ تَنَامَ أَعْيُنُهُمْ ، وَلَا تَنَامَ قُلُوبُهُمْ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; وَإِنَّمَا كَانَ نَوْمُهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ سُنَّةً ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ كَيْفَ حُكْمُ مَنْ نَامَ ج٥ / ص٢٠٨عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنِّي ; لَأَنْسَى ، أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ ، وَالَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ جِبِلَّتُهُ ، وَعَادَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُخَامِرَ النَّوْمُ قَلْبَهُ ، وَلَا يُخَالِطَ نَفْسَهُ ; وَإِنَّمَا كَانَتْ تَنَامُ عَيْنُهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ، وَهَذَا عَلَى الْعُمُومِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا خَصْلَةٌ لَمْ يَعِدْهَا فِي السِّتِّ الَّتِي أُوتِيَهَا ، وَلَمْ يُؤْتَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُ مَا أَرَادَ لِيُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَضَ رُوحَهُ ، وَرُوحَ مَنْ مَعَهُ فِي نَوْمِهِمْ ذَلِكَ ، وَصَرَفَهَا إِلَيْهِمْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِيُبَيَّنَ لَهُمْ مُرَادَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَالْأَثَرِ ، وَهُوَ ج٥ / ص٢٠٩وَاضِحٌ ، وَالْمُخَالِفُ فِيهِ مُبْتَدَعٌ ، وَلِلْكَلَامِ عَلَيْهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَبِاللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ الْأَسْيُوطِيُّ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ التَّعْرِيسَ نُزُولُ الْمُسَافِرِينَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ نَزَلَ أَوَّلُ اللَّيْلِ : عَرَّسَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ ، فَمَعْنَاهُ يُسَكِّنُهُ ، وَيُعَلِّلُهُ حَتَّى ج٥ / ص٢١٠نَامَ ; وَرَوَى أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِتَرْكِ الْهَمْزِ ، وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرِمَةَ :

خَوْدٌ تُعَاطِيكَ بَعْدَ رَقْدَتِهَا

إِذَا تُلَاقِي الْعُيُونَ مَهْدَؤُهَا

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِيَّاكُمْ ، وَالسَّمَرَ بَعْدَ هَدْأَةِ الرَّجُلِ ، وَفِي فَزَعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ انْتَبَهُوا لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَجَلِ ، وَالْإِشْفَاقِ ، وَالْخَوْفِ لِرَبِّهِمْ ، وَأَظُنُّهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنِ النَّائِمِ ، وَأَنَّ الْإِثْمَ عَنْهُ سَاقِطٌ ; لِأَنَّهُمْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ، فَعَرَّفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْإِثْمَ عَنِ النَّائِمِ ، وَالنَّاسِي سَاقِطٌ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ سَاقِطَةٍ ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِعْلُهَا مَتَى مَا انْتَبَهَ ، وَذَكَرَهَا ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فَزَعَهُمْ كَانَ لِخَوْفِ عَدْوِهِمْ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ مُنْصَرَفَهُ مِنْ خَيْبَرَ ، أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَ انْصِرَافَ خَائِفٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ مَا يَبِينُ بِهِ تَأْوِيلُنَا ; لِأَنَّ فِيهِ : ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ ج٥ / ص٢١١وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، الْحَدِيثَ ، فَأنَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا قَضَاهَا إِذَا انْتَبَهَ ، أَوْ ذَكَرَ ، وَقَالَ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتَ الْأُخْرَى ، وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ إِلَى الصَّلَاةِ فَزِعًا ، يَجُرُّ ثَوْبَهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ ، وَغَيْرُهُ . وَذَلِكَ خَوْفٌ لِرَبِّهِ ، وَشَفَقَةٌ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ . وَأَمَّا خُرُوجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَتَرْكُهُ الصَّلَاةَ فِيهِ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ : فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرُّكُوبِ ، وَالْإِسْرَاعِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ; لِأَنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ، تَشَاؤُمًا بِذَلِكَ الْوَادِي ، أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ ج٥ / ص٢١٢مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : اخْرُجُوا عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ ، وَقَوْلُهُ : " إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُصَلِيَّ بِأَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا كَرَاهِيَتُهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِ الْخَسْفِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ مِنْ ثَمُودَ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَتَى وَادِيَ ثَمُودَ أَمَرَ النَّاسَ فَأَسْرَعُوا ، وَقَالَ : هَذَا وَادٍ مَلْعُونٌ ، وَرَوِيٌّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَجِينِ فَطُرِحَ ، فَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ لَا تُدْرَى عِلَّتُهُ حَقِيقَةً ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا مَرْدُودًا إِلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ، وَالدَّلَائِلِ الصَّحِيحِ مَجِيئُهَا ، وَبِاللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ . ج٥ / ص٢١٣وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْعِلَّةُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي أَنَّهُ انْتَبَهَ ، وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ ، وَذَلِكَ وَقْتٌ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ فِيهِ ، لَا نَافِلَةٌ وَلَا فَرِيضَةٌ عِنْدَهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ عَلَى حَسَبِ نَهْيِهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ فِيهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا ، وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا مِنْهَا : حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ ، قَالُوا : وَهَذَا عَلَى الْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ هَذَا ، وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَنْتَبِهْ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا وَالشَّمْسُ لَهَا حَرَارَةٌ ، وَلَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ حَرَارَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَفَعَتْ ، وَجَازَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمْ ج٥ / ص٢١٤هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْخَبَرَ ، وَغَيْرَهُ مِنْ شَكْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِعَوْنِ اللَّهِ . وَتَأَوَّلُوا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ إِعْلَامٌ مِنْهُ بِأَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ عَنِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي ، لَا أَنَّهَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ يُبِيحُ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَهَذَا نَصٌّ يَقْطَعُ الِارْتِيَابَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا فِيهِ مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَهُنَا ، وَجَاءَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ رَكْعَتِي الْفَجْرِ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَمَا هُوَ فِي بَعْضِ ج٥ / ص٢١٥أَسْفَارِهِ ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي آخِرِ اللَّيْلِ نَزَلُوا لِلتَّعْرِيسِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يُوقِظُنَا لِلصُّبْحِ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا ، فَتَوَسَّدَ بِلَالٌ ذِرَاعَهُ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَوَضَّأَ ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي مُعَرَّسِهِ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيُّ سَفَرٍ هُوَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ عَطَاءٍ هَذَا ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَخِّرْ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَئِذٍ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي لِمَا زَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَنَّهُ انْتَبَهَ فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتِي الْفَجْرِ ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ النَّافِلَةُ فَالْفَرِيضَةُ أَحْرَى أَنْ تَجُوزَ فِيهِ ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ ، ثُمَّ انْتَبَهَ لَزِمَهُ الزَّوَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَإِنْ كَانَ وَادِيًا خَرَجَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا ، وَقَوْلِهِ : ارْكَبُوا ، وَاخْرُجُوا ج٥ / ص٢١٦مِنَ هَذَا الْوَادِي فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ، قَالُوا : فَكُلُّ مَوْضِعٍ يُصِيبُ الْمُسَافِرِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ فِيهِ مِثْلُ مَا أَصَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، فَوَاجِبٌ الْخُرُوجُ عَنْهُ ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ ، وَمَوْضِعٌ مَلْعُونٌ ، وَنَزَعُوا بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنَ الْعِلَلِ ، وَقَالَ مِنْهُمْ آخَرُونَ : أَمَّا ذَلِكَ الْوَادِي وَحْدَهُ ، إِنْ عُلِمَ وَعَرَضَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَارِضِ ، فَوَاجِبٌ الْخُرُوجَ مِنْهُ عَلَى مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ ; وَأَمَّا سَائِرُ الْمَوَاضِعِ فَلَا ، وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ وَحْدَهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ :

وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي

وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ ، أَوْ نَسِيَهَا ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَّا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي خَاصَّةً . وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَنِ انْتَبَهَ إِلَى صَلَاةٍ مِنْ نَوْمٍ ، أَوْ ذَكَرَ بَعْدَ نِسْيَانٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ صَلَاتَهُ بِأَعْجَلِ مَا يُمْكِنُهُ ، وَيُصَلِّيَهَا كَمَا أُمِرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، وَادِيًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَ وَادٍ ، إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَاهِرًا ، وَسَوَاءٌ ذَلِكَ ج٥ / ص٢١٧الْوَادِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خُصُوصًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْ حُضُورِ الشَّيْطَانِ فِي الْمَوْضِعِ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ . وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ مِنْ غَيْرِهِ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَعْقُوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ فَحْلُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُطَرِّفًا ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يَقُولَانِ : لَا يَلْزَمُ النَّاسُ أَنْ يَقْتَادُوا شَيْئًا إِذَا اسْتَيْقَظُوا فِي أَسْفَارِهِمْ ، وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَا : وَمَنِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي ، أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى فِيهِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ ، وَغَيْرَهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ جَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا كُلِّهَا ، مَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا مَعْنَى لِاعْتِلَالِ مَنِ اعْتَلَ بِأَنَّ مَوْضِعَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ ، وَمَوْضِعٌ مَلْعُونٌ ج٥ / ص٢١٨لَا يَجُوزُ أَنْ تُقَامَ فِيهِ الصَّلَاةُ ; لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْفَكُّ عَنِ الشَّيَاطِينِ ، وَلَا الْمَوْضِعِ الَّذِي تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ ، وَكُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ ، وَبِأَرْضِ بَابِلَ ، وَفِي الْحَمَّامِ ، وَفِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ ، وَمَدْفُوعٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَطَهُورًا ، وَقَوْلُهُ هَذَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْبِرًا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهِ ، وَمِمَّا خُصَّ بِهِ ، وَفَضَائِلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ ، وَلَا التَّبْدِيلُ ، وَلَا النَّقْصُ ،

قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُوتِيَتُ خَمْسًا ، وَقَدْ رُوِيَ سِتٌّ ، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثٌ ، وَأَرْبَعٌ ، وَهِيَ تَنْتَهِي إِلَى أَزْيَدَ مِنْ سَبْعٍ ، قَالَ فِيهِنَّ : لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحُلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ لِيَ ج٥ / ص٢١٩الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَطَهُورًا ، وَأُوتِيتُ الشَّفَاعَةَ ، وَبُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ كُنُوزِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ ، وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ ، وَهُوَ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، وَعَدَنِيهِ رَبِّي ، وَهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، وَخُتِمَ بِي النَّبِيئونَ . وَهَذِهِ الْمَعَانِي رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ بَعْضَهَا ، وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُونَ ، وَهِيَ صِحَاحٌ كُلُّهَا ، وَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ فَهِيَ فِي أَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ثَابِتَةٍ
، وَجَائِزٌ عَلَى فَضَائِلِهِ الزِّيَادَةُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهَا النُّقْصَانُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا ، ثُمَّ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا ، وَنَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ، وَلَا بِكُمْ ، ثُمَّ نَزَلَتْ :

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ

ج٥ / ص٢٢٠وَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَهُ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ، فَقَالَ : ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ ، وَقَالَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ، وَقَالَ : السَّيِّدُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَلَا فَخْرَ . فَفَضَائِلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَزَلْ تَزْدَادُ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ ، فَمِنْ هَهُنَا قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ ، وَلَا الِاسْتِثْنَاءُ ، وَلَا النُّقْصَانُ ، وَجَائِزٌ فِيهَا الزِّيَادَةُ ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، أَجَزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ ، وَفِي الْحَمَّامِ ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا مِنَ الْأَنْجَاسِ ; لِأَنَّهُ عُمُومَ فَضِيلَةٍ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْخُصُوصُ ، وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ :

الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ فَكَيْفَ ، وَفِي إِسْنَادِ هَذَا ج٥ / ص٢٢١الْخَبَرِ مِنَ الضَّعْفِ مَا يَمْنَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ
فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِقَوْلِهِ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ ، فَيَكُونُ زِيَادَةً فِيمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ : جُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، وَأَنَا أَسْمَعُ - أَنَّ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارُ - هُوَ أَبُو الْحَكَمِ - ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي : ج٥ / ص٢٢٢نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمِعَ أَبَاهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ ج٥ / ص٢٢٣الصَّلَاةُ فَصَلِّ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ مُخْتَصَرًا . وَعَنِ الْأَعْمَشِ - أَيْضًا - عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فِي تَعْدِيدِ فَضَائِلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَحُذَيْفَةَ ، وَهِيَ آثَارٌ كُلُّهَا صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ كَرِهْتُ ذِكْرَهَا بِأَسَانِيدِهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا ، أَوْ أَكْثَرَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفَضَائِلِ مِنَ مُصَنَّفِهِ .
وَأَمَّا
حَدِيثُ الْمَقْبَرَةِ فَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَزْهَرَ فَمَرَّةً قَالَ : عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُرَادِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُرَّةَ قَالَ : عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَزْهَرَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : نَهَانِي حِبِّي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ ، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا مُنْقَطِعٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَعَمَّارٌ ، وَالْحَجَّاجُ ، ج٥ / ص٢٢٤وَيَحْيَى مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ ( بِغَيْرِ هَذَا ) ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ ضَعِيفَانِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا ، وَلَا بِمَثَلِهِمَا ، وَأَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيُّ مِصْرِيٌّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ - أَيْضًا - ، وَلَا يَصْحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَلِيٍّ .
وَفِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ ، حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَنْبَسِ حُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ فَلَمَّا جَاوَزْنَا سُورًا ، وَقَعَ بِأَرْضِ بَابِلَ قُلْنَا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَمْسَيْتَ ، الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَ أَحَدًا ، قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَلَيْسَ قَدْ أَمْسَيْتَ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنِّي لَا أُصَلِّي فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا . وَالْمُغَيَّرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ ، قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ . وَحُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وَفِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ حَدِيثٌ آخَرُ - أَيْضًا -
رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ ج٥ / ص٢٢٥عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا . فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ الْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا
، وَلَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ : إِنَّ الْمَقْبَرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ أُرِيدَ بِهَا مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا خَبَرٍ صَحِيحٍ ، وَلَا لَهُ مُدْخَلٌ فِي الْقِيَاسِ ، وَلَا فِي الْمَعْقُولِ ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْخِطَابِ ، وَلَا خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ
بِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ : فِي الْمَزْبَلَةِ ، وَالْمَجْزَرَةِ ، وَالْمَقْبَرَةِ ، وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَمَّامِ ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ ، وَفَوْقَ بَيْتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرَةَ ، ج٥ / ص٢٢٦وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ ; وَقَدْ كَتَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ : لَا أَعْلَمُ مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ نَافِعٍ ، إِلَّا قَدْ قَالَ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ ، ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، فَصَحَّ بِهَذَا وَشَبَهِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمِثْلِهِ . عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِهَا .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَفِيهِ مِنَ الْعِلَّةِ مَا وَصَفْنَا ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَقْبَرَةٍ دُونَ مَقْبَرَةٍ ، أَوْ حَمَّامٍ دُونَ حَمَّامٍ - بِغَيْرِ تَوْقِيفِ عَلَيْهِ - ، وَلَا يَخْلُو تَخْصِيصُ مَنْ خَصَّصَ مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْكُفَّارِ إِلَيْهَا بِأَقْدَامِهِمْ ، فَلَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمَقْبَرَةِ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ هُمْ فِيهِ بِأَجْسَامِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ ج٥ / ص٢٢٧جَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ ، أَوْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بُقْعَةُ سُخْطٍ ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَبْنِيَ مَسْجِدَهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ ، وَيَنْبُشُهَا وَيُسَوِّيَهَا وَيَبْنِيَ عَلَيْهَا ; وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ الصَّلَاةَ فِي الْكَنِيسَةِ إِذَا بُسِطَ فِيهَا ثَوْبٌ طَاهِرٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَنِيسَةَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَكُونَ بُقْعَةَ سُخْطٍ مِنَ الْمَقْبَرَةِ ; لِأَنَّهَا بُقْعَةٌ يُعْصَى اللَّهُ ، وَيُكْفَرُ بِهِ فِيهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَقْبَرَةَ ، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِإِبَاحَةِ اتِّخَاذِ الْبِيَعِ ، وَالْكَنَائِسِ مَسَاجِدَ : ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُصَلِّي فِي الْبَيْعَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَمَاثِيلُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْكَنِيسَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا تَمَاثِيلُ . وَرَوَى أَيُّوبُ ، وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ صَنَعَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ النَّصَارَى طَعَامًا وَدَعَاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ ، وَلَا نُصَلِّي فِيهَا مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ ، وَالتَّمَاثِيلِ ، فَلَمْ يَكْرَهْ عُمَرُ ، وَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ ، إِلَّا مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ التَّمَاثِيلِ . وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَا : لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْبَيْعَةِ . ج٥ / ص٢٢٨وَأَمَّا جُثَثُ الْمَوْتَى فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ : فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا كُلَّهَا سَوَاءٌ ، وَيَتَحَفَّظُ عِنْدَ غُسْلِ الْمَيِّتِ مِنْ أَنْ يَطِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( لَا تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ ) عَلَى أَنَّ جُثَثَ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً طَاهِرَةٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرَجَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَتْ طَوَاغِيتُهُمْ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ ، عَنْ ج٥ / ص٢٢٩قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَحَدِيثُ هَنَّادٍ أَتَمُّ ، قَالَ : خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بَيْعَةً لَنَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بَيْعَتَكُمْ ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا مُخْتَصَرًا .

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا طَاهِرًا نَظِيفًا ، جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي كَنِيسَةٍ ، أَوْ بَيْعَةٍ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ أَنَّ صَلَاتَهُ مَاضِيَةٌ جَائِزَةٌ ، وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمِينَ ، أَوْ مُشْرِكِينَ لِلْأَحَادِيثِ الْمَعْلُولَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ;

وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا . وَلِحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ ، وَلَا تَجْلِسُوا ج٥ / ص٢٣٠عَلَيْهَا . وَهَذَانِ حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ
، وَلَا حُجَّةَ فِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا مُحْتَمِلَانِ لِلتَّأْوِيلِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا . وَمِمَّنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ لَمْ يَعُدْ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ صَلَّى أَحَدٌ فِي الْمَقْبَرَةِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَجْزَأَهُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَّا مَا حَكَيْنَا مِنْ خَطَلِ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُشْتَغَلُ بِمِثْلِهِ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي نَظَرٍ ، وَلَا فِي صَحِيحِ أَثَرٍ ; لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ كَرِهَهَا فِي كُلِّ مَقْبَرَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَعُمُومِهِ ، وَمَنْ أَبَاحَ الصَّلَاةَ فِيهَا دَفَعَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَالِاعْتِلَالِ ، وَقَدْ بَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْجِدَهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ج٥ / ص٢٣١مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ ، قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ ، قَالَ أَنَسٌ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ ، وَمَلَأَ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفَنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، وَخِرَبٌ ، وَنَخْلٌ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَيَرْتَجِزُونَ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ ، وَيَقُولُونَ :

اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ

فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

ج٥ / ص٢٣٢وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ خِرَبٌ ، وَنَخْلٌ ، وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَامِنُونِي فِيهِ ، فَقَالُوا : لَا نَلْتَمِسُ بِهِ ثَمَنًا إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَ ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ ، وَفِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ . فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَنَى مَسْجِدَهُ فِي مَوْضِعِ مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْمَقَابِرِ مَقْبَرَةً لَكَانَتْ مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى بِالْخُصُوصِ ، وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكُلُّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ لَمْ يَخُصَّ مَقْبَرَةً ; لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ لَا إِلَى ج٥ / ص٢٣٣الْمَعْهُودِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْكُفَّارِ فَرْقٌ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يُهْمِلْهُ ; لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ ، وَالْقَوْمُ عَرَبٌ لَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَّا اسْتِعْمَالَ عُمُومِهِ مَا لَمْ يَكُنِ الْخُصُوصُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَصْحَبُهُ ، فَلَوْ أَرَادَ مَقْبَرَةً دُونَ مَقْبَرَةٍ لَوَصَفَهَا ، وَنَعَتَهَا ، وَلَمْ يُحِلْ عَلَى لَفْظِ الْمَقْبَرَةِ جُمْلَةً ; لِأَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مَقْبَرَةٍ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ الْمَقْبَرَةِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ حَقِيقَةِ الْخِطَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَلَوْ سَاغَ لِجَاهِلٍ أَنْ يَقُولَ مَقْبَرَةُ كَذَا لَجَازَ لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ : حَمَّامُ كَذَا ; لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ : إِلَّا الْمَقْبَرَةَ ، وَالْحَمَّامَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : الْمَزْبَلَةُ ، وَالْمَجْزَرَةُ ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : مَزْبَلَةُ كَذَا ، وَلَا مَجْزَرَةُ كَذَا ، وَلَا طَرِيقُ كَذَا ; لِأَنَّ التَّحَكُّمَ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرُ سَائِغٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نَصْرٍ النَّرْسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ج٥ / ص٢٣٤الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ، أو يقعد عليه ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ ، قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ : قَوْلُهُ : أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ، وَهْمٌ ; وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يُصَلَّى إِلَى الْقَبْرِ . وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا : ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْزِلُوا ، وَيَتَوَضَّئُوا ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ ، أَوْ يُقِيمَ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَلَى الشَّكِّ ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ ، وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَأَكْثَرُهَا فِيهَا أَنَّهُ أَذَّنَ ، وَأَقَامَ ، وَكَذَلِكَ فِي أَكْثَرِهَا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَمَنْ ذَكَرَ شَيْئًا ، وَحَفِظَهُ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ . فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الأذَانِ ، وَالْإِقَامَةِ لِلصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ فَإِنَّ مَالِكًا ، وَالْأَوْزَاعِيَّ ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَأَصْحَابَهُمْ ، قَالُوا : فِيمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ ، أَوْ صلوات حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةً ، وَلَا يُؤَذِّنُ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْفَوَائِتِ أَذَانٌ ، وَلَا إِقَامَةٌ ، ج٥ / ص٢٣٥وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةُ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ صَلَّاهَا بِأَذَانٍ ، وَإِقَامَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا فَاتَتْهُ صلوات فَإِنْ صَلَّاهُنَّ بِإِقَامَةِ إِقَامَةٍ كَمَا فعل النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَذَّنَ ، وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَحَسَنٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ ، وَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبِسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ إِلَى هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ . رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، فَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أبو جعفر الطحاوي ، قال : حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ج٥ / ص٢٣٦عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا

قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ - أَيْضًا - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ :

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا

- الْمَعْنَى وَاحِدٌ - . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَرْبَعٍ صلوات فِي الْخَنْدَقِ ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَصَلَّى ج٥ / ص٢٣٧الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ . هَكَذَا قَالَ هُشَيْمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَأَذَّنَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، فَذَكَرَ الْأَذَانَ لِلظَّهْرِ وَحْدَهَا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ هُشَيْمٍ سَوَاءٌ . وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ فَقَالَ فِيهِ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ . لَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا لِلظُّهْرِ ، وَلَا لِغَيْرِهَا ; وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَةَ وَحْدَهَا فِيهَا كُلِّهَا . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبَرْقِيُّ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، قَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ طَافَ عَلَيْنَا فَقَالَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرَكُمْ . ج٥ / ص٢٣٨وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءٌ . وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . ذَكَرَ ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَغَيْرُهُ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يُؤْذِّنُ ، وَيُقِيمُ لِلْفَوَائِتِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، قَالَ : وَالْعِشَاءُ كَانَتْ مُفْعُولَةً فِي وَقْتِهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَذَانًا وَهِيَ غَيْرُ فَائِتَةٍ ; فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ إِقَامَتُهَا بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ لَهَا مِنَ الْأَذَانِ ، وَالْإِقَامَةِ ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ صَلَّاهَا بِأَذَانٍ ، وَإِقَامَةٍ . وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، فَإِنَّ مَالِكًا ، قَالَ : يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا ذَكَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتِي الْفَجْرَ أَنَّهُ رَكَعَهَا يَوْمَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ، ذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ نَامَ عَنِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَنَّهُ لا يركع رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ ، قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : ج٥ / ص٢٣٩لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، قَالَ : مَا عَلِمْتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا ، وَلَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ; وَإِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبَ ، وَعَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا : يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ، قَالَا : وَقَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ ، وَكَذَلِكَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَغَيْرِهِ . وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ يَرْكَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : فِيمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ ، لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا كَانَ فِي سِعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُدُ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سِعَةٌ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ابْدَأْ ج٥ / ص٢٤٠بِالْمَكْتُوبَةِ ، ثُمَّ تَطَوَّعْ بِمَا شِئْتَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَبْدَأُ بِالْفَرِيضَةِ ، وَلَا يَتَطَوَّعُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَتِ الظَّهْرَ فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، ثُمَّ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ الَّتِي لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلَ الظُّهْرِ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : كُلُّ وَاجِبٍ مِنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ ، أَوْ صَلَاةِ نُذُرٍ ، أَوْ صِيَامٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْوَاجِبِ قَبْلَ النَّفْلِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ - أَيْضًا - ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، وَلَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ : إِنَّهُ يَدْخُلُ معهم ويصلي بِصَلَاتِهِمْ ، فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الْعِشَاءَ ، قَالَ : وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ مَكَانًا طَاهِرًا فَلْيُصَلِّ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ لِيَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الْقِيَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَيَجِيءُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَدَاوُدَ ، فِيمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ ، وَقَدْ صَلَّى أَهْلُهُ ، وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مِثْلَ ج٥ / ص٢٤١قَوْلِ اللَّيْثِ فِيمَنْ أَدْرَكَ الْقَوْمَ فِي قِيَامِ رَمَضَانِ سَوَاءٌ . إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوتِرَ مَعَهُمْ ، وَإِنْ أَوْتَرْ مَعَهُمْ لَزِمَهُ إِعَادَةُ الْوِتْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَوِتْرُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كَلَا وِتْرٍ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ وَقْتِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ ، وَالنَّفْسِ هَلْ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، أَوْ شَيْئَانِ ؟ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلُ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : الرُّوحُ وَالنَّفْسُ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا

فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمَا ، قَالَا : تُقْبَضُ أَرْوَاحُ الْأَمْوَاتِ إِذَا مَاتُوا ، وَأَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ إِذَا نَامُوا تَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَتَعَارَفَ ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ : الَّتِي قَدْ مَاتَتْ ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى . ذَكَرَهُ بَقِيُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَذَكَرَهُ - أَيْضًا - عَنْ يَحْيَى بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِمَا وَاحِدٌ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ ، وَالرُّوحَ شَيْءٌ ج٥ / ص٢٤٢وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْآيَةَ ، - وَقَدْ جَاءَتْ بِلَفْظِ "

يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ

" الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا - فَقَالُوا : يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ كَمَا رَأَيْتَ ، وَذَلِكَ ، وَاضِحٌ فِي أَنَّ النَّفْسَ ، وَالرُّوحَ سَوَاءٌ . وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى بِلَالٍ قَوْلَهُ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يُشِيرَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ بِلَفْظِ النَّفْسِ مَرَّةً ، وَبِلَفْظِ الرُّوحِ أُخْرَى . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّفْسَ مُخَاطَبَةٌ ، مَنْهِيَّةٌ ، مَأْمُورَةٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ

ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ :

أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ

وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، قَالُوا : وَالرُّوحُ لَمْ تُخَاطَبْ ، وَلَمْ تُؤْمَرْ ، وَلَمْ تُنْهَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا شَيْءٌ مِنَ التَّوْبِيخِ كَمَا لَحِقَ النَّفْسَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . ج٥ / ص٢٤٣وَتَأَوَّلُوا فِي قَوْلِ بِلَالٍ : أَيْ " أَخَذَ بِنَفْسِي مِنَ النَّوْمِ مَا أَخَذَ بِنَفْسِكَ " . وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا

الْآيَةَ . قَالَ : فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ رُوحٌ وَنَفْسٌ ، بَيْنِهِمَا فِي الْجَوْفِ مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ ، فَإِذَا تَوَفَّى اللَّهُ النَّفْسَ كَانَ الرُّوحُ فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ ، فَإِذَا أَمْسَكَ اللَّهُ نَفْسَهُ أَخْرَجَ الرُّوحَ مِنْ جَوْفِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمِتْهُ أَرْسَلَ اللَّهُ نَفْسَهُ فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأُخْبِرْتُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ حَكَى عَنِ التَّوْرَاةِ فِي خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : حِينَ خَلَقْتُ آدَمَ رَكَّبْتُ جَسَدَهُ مِنْ رَطْبٍ ، وَيَابِسٍ ، وَسُخْنٍ ، وَبَارِدٍ ، وَذَلِكَ ; لِأَنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ تُرَابٍ ، وَمَاءٍ ، ثُمَّ جَعَلْتُ فِيهِ نَفْسًا وَرُوحًا ، فَيُبُوسَةُ كُلُّ جَسَدٍ خَلَقْتُهُ مِنَ التُّرَابِ ، وَرُطُوبَتُهُ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ ، وَحَرَارَتُهُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ ، وَبُرُودَتُهُ مِنْ قِبَلِ الرُّوحِ ، وَمِنَ النَّفْسِ حِدَّتُهُ ، وَشَهْوَتُهُ ، وَلَهْوُهُ ، وَلَعِبُهُ ، وَضَحِكُهُ ، وَسَفَهُهُ ، وَخِدَاعُهُ ، وَعُنْفُهُ ج٥ / ص٢٤٤وَخَرْقُهُ ، وَمِنَ الرُّوحِ حِلْمَهُ ، وَوَقَارُهُ ، وَعَفَافُهُ ، وَحَيَاؤُهُ ، وَفَهْمُهُ ، وَتَكَرُّمُهُ ، وَصِدْقُهُ ، وَصَبْرُهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الظَّفَرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : إِنَّ أَنْفُسَ الْآدَمِيِّينَ كَأَنْفُسِ الدَّوَابِّ الَّتِي تَشْتَهِي ، وَتَدْعُو إِلَى الشَّرِّ ، وَمَسْكَنُ النَّفْسِ الْبَطْنُ ، إِلَّا أنَّ الْإِنْسَانَ فُضِّلَ بِالرُّوحِ ، وَمَسْكَنُهُ الدِّمَاغُ ، فَبِهِ يَسْتَحْيِي الْإِنْسَانُ ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُ بِهِ ، ثُمَّ نَفَخَ وَهْبُ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ : هَذَا بَارِدٌ ، وَهُوَ مِنَ الرُّوحِ ، ثُمَّ تَنَهَّدَ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ : هَذَا حَارٌّ ، وَهُوَ مِنَ النَّفْسِ ، وَمَثَلُهُمَا كَمَثَلِ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ ، فَإِذَا انْحَدَرَ الرُّوحُ إِلَى النَّفْسِ وَالْتَقَيَا نَامَ الْإِنْسَانُ ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ رَجَعَ الرُّوحُ إِلَى مَكَانِهِ ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِأَنَّكَ إِذَا كُنْتَ نَائِمًا فَاسْتَيْقَظْتُ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَبْدُرُ إِلَى رَأْسِكَ . وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدٍ صَاحِبَ مَالِكٍ ، قَالَ : النَّفْسُ جَسَدٌ مُجَسَّدٌ كَخَلْقِ الْإِنْسَانِ ، وَالرُّوحُ كَالْمَاءِ الْجَارِي ، قَالَ : وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا

ج٥ / ص٢٤٥الْآيَةَ ، وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ قَدْ تَوَفَّى اللَّهُ نَفْسَهُ ، وَرُوحُهُ صَاعِدٌ وَنَازِلٌ ، وَأَنْفَاسُهُ قِيَامٌ ، وَالنَّفْسُ تَسْرَحُ فِي كُلِّ وَادٍ ، وَتَرَى مَا تَرَاهُ مِنَ الرُّؤْيَا ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ فِي رَدِّهَا إِلَى الْجَسَدِ عَادَتْ ، وَاسْتَيْقَظَ بِعَوْدَتِهَا جَمِيعُ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ ، وَحَرَّكَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَعْضَاءِ . قَالَ : فَالنَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ ، وَالرُّوحُ كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي الْجِنَانِ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِفْسَادَ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ مَنَعَ الْمَاءَ الْجَارِي فِيهِ ، فَمَاتَتْ حَيَاتُهُ فَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسَقَ لَفْظِهِ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ : إِذَا حُمِلَ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ ، كَانَتْ نَفْسُهُ بِيَدِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسِيرُ بِهَا مَعَهُ ، فَإِذَا وُضِعَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَفَ ، فَإِذَا حُمِلَ إِلَى قَبْرِهِ سَارَ مَعَهُ ، فَإِذَا أُلْحِدَ ، وَوُورِّيَ فِي التُّرَابِ أَعَادَ اللَّهُ نَفْسَهُ حَتَّى يُخَاطِبَهُ الْمَلَكَانِ ، فَإِذَا وَلَّيَا عَنْهُ مُنْصَرِفَيْنِ اخْتَلَعَ الْمَلَكُ نَفْسَهُ ، فَرَمَى بِهَا إِلَى حَيْثُ أُمِرَ ، وَهَذَا الْمَلَكُ مِنْ أَعْوَانِ مَلَكِ الْمَوْتِ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : هَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَقَدْ قَالَهُ مَعَهُ غَيْرُهُ . ج٥ / ص٢٤٦قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ بِمَا وَصَفْنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِالصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ الْقَوْمُ ، فَلَيْسَ حُجَّةً وَاضِحَةً ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ يَقْطَعُ الْعُذْرَ ، وَيُوجِبُ الْحُجَّةَ ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَلَا اسْتِنْبَاطٍ ، بَلِ الْعُقُولُ تَنْحَسِرُ ، وَتَعْجَزُ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا

أَنَّهُ هَذَا الرُّوحُ ، الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالذِّكْرِ : رُوحُ الْحَيَاةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : إِنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَقُومُ صَفًّا ، وَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفًّا ، فَكَيْفَ يَتَعَاطَى عِلْمُ شَيْءٍ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ وَقَدْ قِيلَ فِي الرُّوحِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَقِيلَ : هُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ :

وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا

فَقِيلَ : أَرَادَ الْيَهُودَ السَّائِلِينَ عَنِ الرُّوحِ ; لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ :

وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ

ج٥ / ص٢٤٧، الْآيَةَ . يَقُولُ : مَا أُوتِيتُمْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَالْإِنْجِيلِ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَقِيلَ : بَلْ عَنَى بِالْآيَةِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسَ كُلَّهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى النَّظَرِ ، وَالْقِيَاسِ ، وَالِاسْتِنْبَاطِ فِي مَعْنَى الرُّوحِ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ لَقُلْنَا : إنَّ النَّظَرَ يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ تَضَعُ الْعَرَبُ النَّفْسَ مَوْضِعَ الرُّوحِ ، وَالرُّوحَ مَوْضِعَ النَّفْسِ ، فَيَقُولُونَ : خَرَجَتْ نَفْسُهُ ، وَفَاضَتْ نَفْسُهُ ، وَخَرَجَتْ رُوحُهُ ، إِمَّا لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، أَوْ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُتَّصِلَانِ لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَقَدْ يُسَمُّونَ الْجَسَدَ نَفْسًا ، وَيُسَمُّونَ الدَّمَ جَسَدًا ، قَالَ النَّابِغَةُ :

وَمَا أُرِيقَ عَلَى الْأَنْصَابِ مِنْ جَسَدِ

يُرِيدُ مِنْ دَمٍ ، وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ : فَجَعَلَ الْجَسَدَ نَفْسًا :

يَا قَابِضَ الرُّوحِ مِنْ نَفْسٍ إِذَا احْتُضِرَتْ

وَغَافِرَ الذَّنْبِ زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ

وَيُقَالُ لِلنَّفْسِ : نَسَمَةٌ - أَيْضًا - عَلَى عِتْقِ نَسَمَةٍ أَيْ نَفْسٍ . ج٥ / ص٢٤٨وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْنِي رُوحَهُ . وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْخَبَرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ( وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا . وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ إِيجَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ عَمَّنْ نَامَ ، أَوْ نَسِيَ ، وَلَمْ يَخُصَّ وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ ، فَالْبِدَارُ إِلَيْهَا أَوْلَى ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ ، وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ :

وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي

وَفِي هَذَا وُجُوبُ صَلَاتِهَا عِنْدَ الذِّكْرِ لَهَا ، وَالِانْتِبَاهِ إِلَيْهَا أَيَّ وَقْتٍ كَانَ ، وَهُوَ مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَاسْتَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَسَيَأْتِي مِنْهُ ذِكْرٌ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ج٥ / ص٢٤٩مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ أَوْلَى بِذِكْرِ ذَلِكَ ، لِقَوْلِهِ فِيهِ : فَلَيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ; وَإِنَّمَا فِي حَدِيثِ زَيْدٍ هَذَا : فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَفِي إِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ بِمَا عَرَضَ لِبِلَالٍ فِي نَوْمِهِ ذَلِكَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ صَرِيحِ الْإِيمَانِ ، وَالْبِدَارِ إِلَى تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْفَرَحِ بِكُلِّ مَا يَأْتِي مِنْهُ ، وَهُوَ الصِّدِّيقُ حَقًّا مِنْ أُمَّتِهِ - رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ - . وَأَمَّا الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ فَرَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَأَبُو مَرْيَمَ السَّلُولِيُّ ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ السِّوَائِيُّ ، وَذُو مِخْبَرٍ الْحَبَشِيُّ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَنَذْكُرُ مِنْهُ هَهُنَا مَا يُشْبِهُ حَدِيثَنَا ، وَيَكُونُ فِي مَعْنَاهُ ، وَنَذْكُرُ مَنْ قَطَعَهُ ، وَمَنْ ج٥ / ص٢٥٠وَصَلَهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . فَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَصَّاصُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ أَبُو عُتْبَةَ الْحِجَازِيُّ بِحِمْصَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ عَرَّسَ بِنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ يَكْلَأُ لَنَا الْفَجْرَ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اكْلَأْهُ لَنَا يَا بِلَالُ ، وَلَا تَكُنْ لُكَعًا ، قَالَ بِلَالٌ : فَنَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَنَامَ أَصْحَابُهُ فَعَمَدْتُ إِلَى حَجَفَةٍ لِي اسْتَنَدْتُ إِلَيْهَا فَجَعَلْتُ أُرَاعِي الْفَجْرَ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيَّ النُّوَّمَ ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إِلَّا لِحَرِّ الشَّمْسِ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَقُمْتُ فَزِعًا فَقُلْتُ : الصَّلَاةَ عِبَادَ اللَّهِ ، فَانْتَبَهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَبَهَ النَّاسُ ، وَقَالَ لِي : يَا بِلَالُ ، أَلَمْ أَقُلْ لَكَ : اكْلَأْ لَنَا الْفَجْرَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَرْوَاحَكُمْ كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - حَبَسَهَا إِذْ شَاءَ ، وَأَطْلَقَهَا إِذْ شَاءَ . ج٥ / ص٢٥١اقْتَادُوا مِنْ هَذَا الْوَادِي ، فَإِنَّهُ وَادٍ مَلْعُونٌ بِهِ الشَّيْطَانُ ، قَالَ : فَخَرَجْنَا مِنَ الْوَادِي ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَتَوَضَّأَ أَصْحَابُهُ ، ثُمَّ صَلَّوْا فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنْ غَدٍ لِلْوَقْتِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ، وَيَرْضَاهُ مِنْكُمْ ; مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، لَا كَفَّارَةَ لَهَا غَيْرُهَا ; إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ :

وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : عَرَّسْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَأْخُذُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ ، قَالَ : فَفَعَلْنَا فَدَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ج٥ / ص٢٥٢فَصَلَّى الْغَدَاةَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَحَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ( وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا : ) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَلْقَمَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يَكْلَؤُنَا ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا ، فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : افْعَلُوا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ، قَالَ : فَفَعَلْنَا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا لِمَنْ نَامَ ، أَوْ نَسِيَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ : سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ ذَاتِ لَيْلَةٍ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا ، قَالَ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ يُوقِظُنَا ج٥ / ص٢٥٣للصلاة ؟ فقال بِلَالٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَعَرَّسَ الْقَوْمُ ، وَاسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، وَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ ، فَقَالَ : يَا بِلَالُ ، أَيْنَ مَا قُلْتَ لَنَا ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلَهَا ، قَالَ : فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْتَشَرُوا لِحَاجَتِهِمْ ، وَتَوَضَّئُوا ، وَارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ . وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَفِي حَدِيثِهِ زِيَادَةٌ : يَا بِلَالُ ، قُمْ فَأَذِّنْ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ ، وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، ج٥ / ص٢٥٤فَعَرَّسُوا مِنَ اللَّيْلِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا يَسُرُّنِي بِهَا الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا يَعْنِي الرُّخْصَةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَسَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَغَفَلُوا عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤَذِّنًا ، فَأَذَّنَ كَمَا كَانَ يُؤَذَّنُ كُلَّ يَوْمٍ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الْغَدَاةَ كَمَا كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، فَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَفَرٍ لَهُ : مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ ؟ لَا نَرْقُدُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا ، فَاسْتَقْبَلَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ ج٥ / ص٢٥٥فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ حَتَّى أَيْقَظَهُمْ حُرُّ الشَّمْسِ ، فَقَامُوا ، فَقَالَ : تَوَضَّئُوا ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ . ( وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَرْيَمَ فَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَغَيْرُهُ . عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ : نَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصُّبْحِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَنَّ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْفَجْرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَيَّاشٍ أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ صُبْحٍ حَدَّثَهُ أَنَّ الزِّبْرِقَانَ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَمِّهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَنَامَ ، وَلَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى أَذَاهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ ج٥ / ص٢٥٦عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَنَحَّوْا عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَصَلَّوْا رَكْعَتِي الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ جَمِيعًا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَ مَعْنَاهُ ، وَذَكَرَ الْأَذَانَ ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، فَحَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ( بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ) ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : أَسْرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخَرِ السَّحَرِ عَرَّسْنَا ، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا حَتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَثِبُ دَهِشًا فَزِعًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْكَبُوا فَرَكِبَ ، وَرَكِبْنَا ، فَسَارَ حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ نَزَلَ ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، وَقَضَى الْقَوْمُ مِنْ حَاجَاتِهِمْ ، وَتَوَضَّئُوا ، وَصَلَّيْنَا الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَصَلَّى بِنَا ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا نَقْضِيهَا لِوَقْتِهَا مِنَ الْغَدِ ؟ ج٥ / ص٢٥٧فَقَالَ : لَا يَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ عَنِ الرِّبَا ، وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : أَسْرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً ، ثُمَّ عَرَّسَ بِنَا مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ ، قَالَ : فَاسْتَيْقَظْنَا ، وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَثُورُ إِلَى طَهُورِهِ دَهِشًا فَازِعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْتَحِلُوا ، فَارْتَحَلْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلْنَا ، فَقَضَيْنَا مِنْ حَوَائِجِنَا ، وَتَوَضَّأْنَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا ، فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنِقْضِيَهَا لِمِيقَاتِهَا مِنَ الْغَدِ ؟ فَقَالَ : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنِ الرِّبَا ، وَيَأْخُذُهُ مِنْكُمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ج٥ / ص٢٥٨غَزَاةٍ أَوْ قَالَ : فِي سَرِيَّةٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ مِثْلَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ السِّوَائِيِّ ، فَحَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرِهِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ ، مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ ، وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَ .

وَأَمَّا ، فَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ . وَهُوَ يَدُورُ عَلَى جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ الرَّحَبِيِّ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ : فَقَوْمٌ قَالُوا : عَنْهُ عَنْ صُلَيْحٍ الرَّحَبِيِّ ، كَذَا قَالَ أَبُو الْمُغِيرَةِ ، ج٥ / ص٢٥٩وَقَوْمٌ قَالُوا : عَنْهُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ : عَنْهُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صَالِحٍ
. وَالْحَدِيثُ شَامِيٌّ مَشْهُورٌ بِمَعْنَى مَا تَقْدَّمَ مِنَ الْآثَارِ سَوَاءً . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرَّجُلِ يَرْقُدُ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ يَغْفُلُ عَنْهَا ؟ قَالَ : كَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث