الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ
حَدِيثٌ أَوَّلُ لِزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ مَالِكٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، قَالَ طَاوُسٌ : وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ ، أَوِ : الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَلَى الشَّكِّ فِي تَقْدِيمِ إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ وَتَابَعَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ مَوْقُوفًا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى قَوْلِهِ ، عَنْ طَاوُسٍ : أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ ذَكَرُوا الزِّيَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَى يَحْيَى إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشُكَّ وَرَوَاهُ عَلَى الْقَطْعِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا يَجِيءُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الشَّكَّ مِنِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُرَاعَاةِ الْإِتْيَانِ بِأَلْفَاظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رُتْبَتِهَا وَأَظُنُّ هَذَا مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ اسْتِجَازَةُ الْإِتْيَانِ بِالْمَعَانِي دُونَ الْأَلْفَاظِ لِمَنْ يَعْرِفُ الْمَعْنَى ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ ( مِنْهُمْ ) مَنْصُوصًا ، وَمَنْ تَأَمَّلَ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ وَمِثْلَهُ ، وَاخْتِلَافَ أَصْحَابِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي مُتُونِ الْأَحَادِيثِ بَانَ لَهُ مَا قُلْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَدَلُّ الدَّلَائِلِ وَأَوْضَحُهَا عَلَى أَنَّ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ خَالِقُهُمَا لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، لِأَنَّ الْعَجْزَ شَرٌّ ، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اسْتَعَاذَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْعَجْزِ والجبن والدين ؟ وَمُحَالٌ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الْخَيْرِ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ
كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ ، وَقَالَ : - عَزَّ وَجَلَّ -
يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَالْفَاتِنُ . وَفِيمَا أَجَازَ لَنَا أَبُو ذَرٍّ عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ السَّقْطِيُّ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ خَالِدُ بْنُ النَّصْرِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ أَبُو الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعَدَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ مَنْ حَرَمَنِي الْهُدَى ، وَأَوْرَثَنِي الضَّلَالَةَ وَالرَّدَى ، أَتُرَاهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أَوْ ظَلَمَنِي ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنْ كَانَ الْهُدَى شَيْئًا كَانَ لَكَ عِنْدَهُ ، فَمَنَعَكَهُ فَقَدْ ظَلَمَكَ ، وَإِنْ كَانَ الْهُدَى لَهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَمَا ظَلَمَكَ شَيْئًا ، وَلَا تُجَالِسْنِي بَعْدَهُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ وَقَفَ بِرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عُثْمَانَ أَرَأَيْتَ الَّذِي مَنَعَنِي الْهُدَى ، وَمَنَحَنِي الرَّدَى أَأَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ ؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ : إِنْ كَانَ مَنَعَكَ شَيْئًا هُوَ لَكَ فَقَدْ ظَلَمَكَ ، وَإِنْ كَانَ فَضْلُهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَمَا ظَلَمَكَ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ رَبِيعَةُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وَ
لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ : إِنَّ الشَّرَّ لَيْسَ بِقَدَرٍ . فَقَالَ : بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْقَدَرِ هَذِهِ الْآيَةُ
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا
الْآيَةَ كُلَّهَا حَتَّى بَلَغَ
فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
وَقَالَ غَيْلَانُ الْقَدَرِيُّ : لِرَبِيَعة : أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُعْصَى ؟ قَالَ : وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُعْصَى قَسْرًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ ( وَالْهَرَمِ ) وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : أَلَا أُعَلِّمُكُمْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ ، وَالْكَسَلِ ، وَالْبُخْلِ ، وَالْجُبْنِ ، وَالْهَرَمِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، اللَّهُمَّ آتِ أَنْفُسَنَا تَقْوَاهَا ( وَزَكِّهَا ) أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مَنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ : ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَظَرْتُ فِي الْقَدَرِ فَتَحَيَّرْتُ ، ثُمَّ نَظَرْتُ فِيهِ فَتَحَيَّرْتُ ، وَوَجَدْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقَدَرِ أَكَفُّهُمْ عَنْهُ ، وَأَجْهَلُ النَّاسِ بِهِ أَنْطَقُهُمْ فِيهِ . وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُضِلُّ وَيُهْدِي فَإِنْ قِيلَ لِي فَسِّرْ ، قُلْتُ : أَغْنِ عَنِّي نَفْسَكَ ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ : أَمْلَى عَلَيَّ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ لِي : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، وَالطَّاعَةُ بِقَدَرٍ ، وَالْمَعْصِيَةُ بِقَدَرٍ . قَالَ : وَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ ، قَالَ : وَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ الْعِلْمُ وَالْقَدَرُ وَالْكِتَابُ سَوَاءٌ . ثُمَّ عَرَضْتُ كَلَامَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ : لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ أَبُو وَائِلٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا ، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا ، وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا .