حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ السَّادِسُ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ

ج٧ / ص٢٢٣1473 حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، شَرَكَهُ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يُحَدِّثَانِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ .

قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ : النَّحْلُ وَالنِّحْلَةُ الْعَطَاءُ بِلَا اسْتِعَاضَةٍ ، وَنَحَلَ الْمَرْأَةَ مَهْرَهَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : صَدَقَاتُهُنَّ مُهُورُهُنَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْكُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : نِحْلَةٌ أَيْ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ ، يَعْنِي أَنَّ الْمُهُورَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلنِّسَاءِ ، وَفَرِيضَةٌ عَلَيْكُمْ وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى ، كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ : إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : فَارْجِعْهُ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : فَارْدُدْهُ ، وَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا قَوْلُهُ فَارْجِعْهُ ، قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ ج٧ / ص٢٢٤ابْنِ بَشِيرٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ هِشَامٍ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُوجِبُ أَحْكَامًا ، سَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلَامًا ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا هَذَا الْغُلَامُ ؟ قَالَ : غُلَامٌ أَعْطَانِيهِ أَبِي ، قَالَ : أَفَكُلَّ إِخْوَتِكَ أَعْطَاهُمْ كَمَا أَعْطَاكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْدُدْهُ ، فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ خَاطَبَ بِهَذَا الْقَوْلِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَبَاهُ بَشِيرًا الْمُعْطَى ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدٌ أَنَّ ابْنَ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُحْلًا ، فَقَالَتْ أُمُّهُ : أَشْهِدْ عَلَيْهِ لِابْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْهَدَ لَهُ ، وَرَوَاهُ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، فَخَالَفَهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ ج٧ / ص٢٢٥الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نِحْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ فَقَالَ : أَكُلَّ بَنِيكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ لَهُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ الْعَطِيَّةِ مِنَ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ ( وَهَذَا فِي صِحَّةِ الْآبَاءِ ) لِأَنَّ فِعْلَ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ وَصِيَّةٌ ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، يُسْتَغْنَى عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ . وَفِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطَاءِ لِقَوْلِهِ : أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَه مِثْلَ هَذَا ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى : هَلْ هُوَ عَلَى الْإِيجَابِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ ؟ فَأَمَّا مَالِكٌ والليث وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَأَجَازُوا أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ بِالنِّحْلَةِ وَالْعَطِيَّةِ عَلَى كَرَاهِيَةٍ مِنْ بَعْضِهِمْ ، عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالتَّسْوِيَةُ أَحَبُّ إِلَى جَمِيعِهِمْ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ فِيمَنْ نَحَلَ بَعْضَ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ ، قَالَ : وَقَدْ نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَائِشَةَ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ . حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَرْكُ التَّفْضِيلِ فِي عَطِيَّةِ الْأَبْنَاءِ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ ، وَيَجُوزُ لَهُ ج٧ / ص٢٢٦ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ . قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ . وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ بِنَحْوِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ عَطِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ ، وَبِمَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا ، وَانْطَلَقَ بِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً ؟! قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ ج٧ / ص٢٢٧يَأْمُرْهُ بِرَدِّهَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِتَأْكِيدِهَا بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهَا لِتَقْصِيرِهِ عَنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِهِ وَتَرْكِهِ الْأَفْضَلَ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ بِمَا شَاءَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا لَمْ يَرِدِ الْإِضْرَارُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّي بَيْنَهُمُ ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ ، وَقَدْ روي عَنِ الثَّوْرِيِّ : أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطِيَّةِ ، وَكَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطَايَا ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ نَفَذَ وَلَمْ يُرَدَّ ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْهُ قَالَ : وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ أُمِرَ بِرَدِّهِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ فَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ ، وَقَالَ طَاوُسٌ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُنَفَّذْ وَفُسِخَ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِثْلُهُ . ج٧ / ص٢٢٨وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : " فَارْجِعْهُ " حَمَلُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَأَبْطَلُوا عَطِيَّةَ الْأَبِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ ، وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : هَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَلَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، قَالُوا : وَمَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النُّعْمَانِ : هَذَا جَوْرٌ ، وَلَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُبَابٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا بَشِيرُ أَلَكَ ابن غير هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَوَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ الَّذِي وَهَبْتَ لِهَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ . قَالَ أَحْمَدُ : وَثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ ج٧ / ص٢٢٩ابْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ . حَمَلُوا هَذَا عَلَى الْوُجُوبِ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : كَانَ إِذَا سَأَلُوهُ عَنِ الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ وَلَدِهِ يَقْرَأُ :

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ

قَالَ سُفْيَانُ : وَنَقَلْتُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ ، وَلَوْ كَانَ رَغِيفًا مُحْتَرِقًا ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ج٧ / ص٢٣٠مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْكُوفِيِّ قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبْلَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْفَضْلِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَرْضًا أَنْ لَا يُعْطِيَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ، عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ( كَذَلِكَ ) عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ عَطِيَّةِ الرَّجُلِ مَالَهُ لِغَيْرِ وَلَدِهِ ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ ( جَمِيعَ وَلَدِهِ عَنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ ) عَنْ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ ، وَأَمَّا قِصَّةُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ هَذِهِ فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِهِ أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ ، أَكْثَرُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي ج٧ / ص٢٣١هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَرِوَايَةُ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوُ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ رَوَاحَةَ أَعْطَيْتُهُ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ، قَالَ : فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ رَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ وَمُغِيرَةُ وَدَاوُدُ وَمُجَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا - قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ : مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ نِحْلَةً غُلَامًا لَهُ - قَالَ : فَقَالَتْ لَهُ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشْهِدْهُ ، قَالَ : فَأَتَى ج٧ / ص٢٣٢النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي النُّعْمَانَ نُحْلًا ، وَإِنَّ عَمْرَةَ سَأَلَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَهُ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ النُّعْمَانَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا ، قَالَ هُشَيْمٌ : قَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ : هَذَا جَوْرٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذِهِ تَلْجِئَةٌ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي حَدِيثِهِ : أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءً ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، وَذَكَرَ مُجَالِدٌ فِي حَدِيثِهِ : إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حَمْدَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُجَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ : سَمَّعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ . فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مَعَ قَوْلِهِ : أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى جَوَازِ الْعَطِيَّةِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ هَذِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ ؛ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْحَقَّ الَّذِي لَا تَقْصِيرَ فِيهِ عَنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْحَقِّ ، وَإِنْ كَانَ مَا دُونَهُ حَقًّا . ج٧ / ص٢٣٣فَصَحَّ بِهَذَا كُلِّهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي اسْتِحْبَابِ تَرْكِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطِيَّةِ وَإِمْضَائِهِ إِذَا وَقَعَ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْأَفْضَلِ كَمَا لَوْ أَعْطَى لِغَيْرِ رَحِمِهِ ، وَتَرَكَ رَحِمَهُ كَانَ مُقَصِّرًا عَنِ الْحَقِّ ، وَتَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَنَفَذَ مَعَ ذَلِكَ فِعْلُهُ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُشَاوَرَةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ الْهِبَةِ ، فَدَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَوْلَى بِهِ وَالْأَوْكَدِ عَلَيْهِ ، وَمَا فِيهِ الْفَضْلُ لَهُ .

وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا حَدَّثَنِيهِ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ : انْحَلِ ابْنَكَ غُلَامًا ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامًا ، وَقَالَتْ : أَشْهِدْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَلَهُ إِخْوَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَكُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : لَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا الْخَبَرَ ثُمَّ قَالَ : حَدِيثُ جَابِرٍ أَوْلَى مِنْ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا أَحْفَظُ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَأَضْبَطُ لَهُ ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ كَانَ صَغِيرًا
قَالَ : ج٧ / ص٢٣٤وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَهَبَ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَجْمَلِ الْأُمُورِ وَأَوْلَاهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ " أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا " فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطِيَّةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْ إِيجَابِ ذَلِكَ ، وَمَعَ إِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنِ اسْتِحْبَابِهِمْ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطِيَّةِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَرَ مِثْلَ مَا يُعْطِي الْأُنْثَى ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : أَلَا تَرَى الْحَدِيثَ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أَحَدًا آثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : التَّسْوِيَةُ أَنْ يُعْطَى الذَّكَرُ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قِيَاسًا عَلَى قَسْمِ اللَّهِ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ ، فَإِذَا قَسَّمَ فِي الْحَيَاةِ قَسَّمَ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ : عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِلَيْهِ ج٧ / ص٢٣٥ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَلَا أَحْفَظُ لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ فَارْجِعْهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ ، وَمَعْنَى الِاعْتِصَارِ عِنْدَهُمُ : الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَبِ عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْأَبِ وَحْدَهُ ، وَلِلْأُمِّ أَيْضًا إِنْ وَهَبَتْ لِابْنِهَا شَيْئًا وَأَبُوهُ حَيٌّ أَنْ تَرْجِعَ ، فَإِنْ كَانَ يَتِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَتْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلْيَتِيمِ كَالصَّدَقَةِ الَّتِي لَا رُجُوعَ فِيهَا لِأَحَدٍ ، فَإِنْ وَهَبَتْ لِابْنِهَا وَأَبُوهُ حَيٌّ ثُمَّ مَاتَ ، وَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ فِي هِبَتِهَا تِلْكَ ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ : أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ ، وَأَمَّا الْأَبُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ أَبَدًا فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ ، هَذَا إِذَا كَانَ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْهِبَةِ ، أَوْ يَنْكِحْ ، فَإِذَا تَدَايَنَ أَوْ نَكَحَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ لَهُ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْهِبَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا رُجُوعٌ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدٍ فِيهَا ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ : إنَّ الْوَاهِبَ عَلَى هِبَتِهِ إِذَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ حَتَّى يُثَابَ مِنْهَا ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ تَهْلَكَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وطلب الواهب الثَّوَابُ فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا ، وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا ، وَكَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ " فَارْجِعْهُ " - أَمْرُ إِيجَابٍ لَا نَدْبٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ نَحَلَهُ ج٧ / ص٢٣٦مِنْ بَيْنِ سَائِرِ بَنِيهِ مَالَهُ كُلَّهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَبْدِ ، حَكَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ . قَالَ أَشْهَبُ : فَقِيلَ لِمَالِكٍ : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاحِلِ مَالٌ غَيْرُهُ ، أَيَرْتَجِعُهُ بَعْدَ النِّحْلَةِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ لَيُقَالَ ، وَقَدْ قُضِيَ بِهِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ غَيْرُ مَالِكٍ : لَا يُعْرَفُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ بَشِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَبْدِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَدِّ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ مِنْ أَجْلِ مَا يُوَلِّدُ ذَلِكَ مِنَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْبَنِينَ ، وَرُبَّمَا أَبْغَضُوا أَبَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مِنْ جِهَةِ التَّحْرِيمِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا مَا نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ وَلَدِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ ، وَلَدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا وَالصَّدَقَةَ سَوَاءٌ إِذَا أَرَادَ بِهَا صِلَةَ الرَّحِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي مُرَاعَاةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَصَرُ وَلَا يَرْجِعُ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ ، وَإِنَّهَا كَالصَّدَقَةِ لِلَّهِ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَجُمْلَةُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ هِبَةً مَقْسُومَةً مَعْلُومَةً ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً فَالْهِبَةُ لَهُ جَائِزَةٌ ، وَلَيْسَ ج٧ / ص٢٣٧لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَعْتَصِرَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا لَمْ تَجُزِ الْهِبَةُ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْوَلَدُ ، فَإِذَا قَبَضَهَا فَهِيَ لَهُ جَائِزَةٌ ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ، وَلَا يَعْتَصِرَهَا ، قَالُوا : وَكَذَلِكَ النَّحْلُ وَالصَّدَقَةُ ، وَالزَّوْجَانِ عِنْدَهُمْ فِيمَا يَهَبُ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ كَذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ ، لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَى صَاحِبَهُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا ، وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَرْوَانَ هَذَا ، فِيمَنْ وَهَبَ لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ قَرَابَةٍ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ذِكْرُ الزَّوْجَيْنِ ، وَقَوْلُهُمْ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ : إنَّهَا جَائِزَةٌ ، عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، إِلَّا أَنَّهَا إِنْ زَادَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ هَلَكَتْ ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُجُوعٌ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَهِبَةُ الْمَشَاعِ عِنْدَهُمْ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى قَبْضِ الْمَشَاعِ فِيمَا زَعَمُوا ، وَلَوْ قَبَضَ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا ج٧ / ص٢٣٨الْقَبْضُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقْبَضَ مَفْرُوزًا مَقْسُومًا ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَنْقَسِمُ فَلَمْ يُقَسَّمْ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ قَبْضٌ فَهِيَ عِنْدُهُمْ عِدَةٌ لَا تَلْزَمُ الْوَاهِبَ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ يُجِيزُ هِبَةَ الْمَشَاعِ إِذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ جَمِيعَ الشَّيْءِ الْمَشَاعِ ، وَبَانَ بِهِ ، وَتَصِحُّ الْهِبَةُ عِنْدَهُ بالقول ، وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْوَاهِبَ بِهَا ، وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ بَعْدَهُ ، فَإِنْ مات الواهب قَبِلَ قَبْضَ الْهِبَةِ ؛ فَهِيَ بَاطِلَةٌ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا حِينَ وَهَبَ وَلَمْ يُسَلِّمْ مَا وَهَبَ حَتَّى مَاتَ ، عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الْبَاطِنِ صَحِيحَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ تَكَلَّمَ بِهِ الْوَاهِبُ لِتَكُونَ الْهِبَةُ بِيَدِهِ كَمَا كَانَتْ حَتَّى إِذَا مَاتَ خَرَجَتْ عَنْ وَرَثَتِهِ فَالْهِبَةُ عَلَى هَذَا بَاطِلٌ ، وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَهُمُ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ : مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ : هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أُعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ ، مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نُحِلَهَا حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ ، فَهِيَ بَاطِلٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا وَهَبَ لِبَنِيهِ ، وَلَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ رُجُوعٌ ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهِبَةُ الْمَشَاعِ عِنْدَهُ جَائِزَةٌ ، وَالْقَبْضُ فِيهَا كَالْقَبْضِ فِي الْبُيُوعِ ، وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ ، وَذَلِكَ بَيْعٌ لَا يَجُوزُ ، وَلَا مَعْنَى عِنْدَهُ لِلْهِبَةِ عَلَى الثَّوَابِ ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ . وَحُجَّتُهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تَخْصِيصِ الْوَلَدِ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ حَدِيثُ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ ج٧ / ص٢٣٩أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَمِنْ مَرَاسِيلِ طَاوُسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِكُلِّ أَجْنَبِيٍّ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ بَالِغٍ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ سَوَاءٌ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ : وَقَدِ اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا مَقْبُوضَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلِلْأَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِبَنِيهِ ، وَسَوَاءٌ اسْتَحْدَثَ الِابْنُ دَيْنًا أَوْ نَكَحَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِشْهَادُ أَبِيهِ وَإِعْلَانُهُ بِمَا يُعْطِيهِ حِيَازَةً لَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ وَرَثَةِ أَبِيهِ إِنْ مَاتَ ، وَهِيَ لِلصَّغِيرِ أَبَدًا ، وَإِنْ كَبُرَ وَبَلَغَ رَشِيدًا ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى قَبْضٍ آخَرَ ، وَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا أَبُوهُ بِإِشْهَادٍ يُبَيِّنُ بِهِ رجوعه فِي تِلْكَ الْهِبَةِ فَهِيَ لِلِابْنِ وَعَلَى مِلْكِهِ فَإِنْ رَجَعَ فِيهَا الْأَبُ بِالْقَوْلِ وَالْإِعْلَانِ وَعُرِفَ ذَلِكَ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلِابْنِ وَعَلَى مِلْكِهِ ، عَلَى أَصْلِ إِشْهَادِهِ بِالْهِبَةِ لَهُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ ، وَلَا يَضُرُّهُ مَوْتُهُ ، وَهِيَ بِيَدِهِ لِأَنَّهَا قَدْ نَفَذَتْ لَهُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا الْأَبُ بِالْقَوْلِ فَهِيَ عَلَى ج٧ / ص٢٤٠ذَلِكَ الْأَصْلِ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : تَصِحُّ الْهِبَةُ ، وَالصَّدَقَةُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْهِبَةُ مَشَاعًا أَوْ غَيْرَ مَشَاعٍ وَالْقَبْضُ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ وَتَصِحُّ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ لَا نَحْتَجُّ بِمِثْلِهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ . وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ بِالْقَوْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا قَبِلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ، وَالْمَشَاعُ وَغَيْرُ الْمَشَاعِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَالْبَيْعِ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : كُلُّ مَنْ عَدَا الْأَبَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ سَوَاءً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ أَوْ لَمْ يُرِدْ ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ كَحُجَّةِ الشَّافِعِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : " لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ " وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ ، وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ : لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَلَا لِمُهْدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَدِيَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، قَالَ قَتَادَةُ : لَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا ، وَالْجَدُّ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ كَالْأَبِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَرْجِعُ ج٧ / ص٢٤١الْوَالِدَانِ وَالْجَدُّ فِيمَا وَهَبُوا وَلَا يَرْجِعُ غَيْرُهُمْ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : مَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ ، وَمَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَيَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِحَدِيثِ مَرْوَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : إِنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً ، وَأَجَازَ إِسْحَاقُ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ ، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ : أَنَّ عَطِيَّةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى قَبْضٍ ، وَأَنَّ الْإِشْهَادَ فِيهَا يُغْنِي عَنِ الْقَبْضِ ، وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ لِخُصُوصِهِ بِذَلِكَ مَا دَامَ صغيرا ، عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي هِبَةِ الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّ الْإِشْهَادَ يُغْنِي فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يَعْزِلَهَا وَيُعَيِّنَهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مِنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا ثُمَّ هَلَكَ ، وَهُوَ يَلِيَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلِابْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلِابْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ : اشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ فِي هِبَةِ الرَّجُلِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ، وَذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الشَّيْءِ يُعَيِّنُهُ شُهُودًا يَقِفُونَ عَلَيْهِ وَيُعَيِّنُونَهُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى شَهَادَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُطْبَعُ ج٧ / ص٢٤٢عَلَيْهِ طَبَعَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الْأَبِ ، وَمَا لَمْ يَقِفِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ فِي حِينِ الْإِشْهَادِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صغيرا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نُحْلَهُ فَأَعْلَنَ ذَلِكَ ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ سَائِرِ الْعُرُوضِ أَنَّ إِعْلَانَ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ يُدْخِلُهُ فِي مِلْكِ الِابْنِ الصَّغِيرِ ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ الْأَبِ ، وَتَصِحُّ بِذَلِكَ الْعَطِيَّةُ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُحْلَةٍ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ بِبُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ فَلَا يَقْبِضُ تِلْكَ الْهِبَةَ بِمَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَهَا ، وَتَتَمَادَى فِي يَدِ الْأَبِ كَمَا كَانَتْ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ بَطَلَتْ حِينَئِذٍ الْهِبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنْ بَلَغَ الِابْنُ رُشْدًا ، وَمَنَعَهُ الْأَبُ مِنْهَا كَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْبِضَهَا ، وَيَحُوزَهَا لِنَفْسِهِ ، فَإِنِ ادَّعَى الْأَبُ أَنَّهُ رَجَعَ فِيهَا ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الِابْنِ دَيْنٌ يَمْنَعُ مِنْ رُجُوعِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ إِذَا لَمْ يَقُلْ فِيهَا : إِنَّهَا لِلَّهِ ، فَإِنْ قَالَ : إِنَّهَا لِلَّهِ ، كَانَتْ كَالصَّدَقَةِ ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا ، وَأُجْبِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَى ابْنِهِ إِذَا بَلَغَ رُشْدًا . هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَدْ مَضَى قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِيمَ فَأَخْرَجَهَا عَنْ نَفْسِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَعَيَّنَهَا وَجَعَلَهَا لِابْنِهِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ، فَهِيَ جَائِزَةٌ نَافِذَةٌ إِذَا مَاتَ الْأَبُ ، وَفِي حَيَاتِهِ بِحِيَازَةِ الْقَابِضِ لَهَا لِلِابْنِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَجَعَلَهَا فِي ظَرْفٍ مَعْلُومٍ ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا ، وَتُوجَدُ عِنْدَهُ مَخْتُومًا عَلَيْهَا ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ يَدِهِ إِلَى ج٧ / ص٢٤٣غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ طَبَعَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَطْبَعْ لَا تَجُوزُ حَتَّى يُخْرِجَهَا إِلَى غَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفٌ : هِيَ عَطِيَّةٌ جَائِزَةٌ إِذَا وُجِدَتْ بِعَيْنِهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ قَوْلِهِ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ بَدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ اقْتَضَاهُ : أَنَّهُ لِلِابْنِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ ثُمَّ يَبِيعُهُ فَالثَّمَنُ لِلِابْنِ ، وَأَجْمَعُوا أَنْ الوالد لَا يَعْتَصِرَ الْفَرْجَ إِذَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ فَوَطِئَهُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : إِنَّ الْوَلَدَ يَعْتَصِرُ أَيْضًا مَا وَهَبَ لِوَالِدِهِ إِلَّا رَبِيعَةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ ، فَهَذَا مَا يَقُومُ مِنْ مَعَانِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُجِزِ الْهِبَةَ إِلَّا مَقْبُوضَةً : حَدِيثُ أُمِّ كُلْثُومٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى لِلنَّجَاشِيِّ مِسْكًا ، وَقَالَ لِأَهْلِهِ : أَحْسَبُهُ مَاتَ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَيَّ أَعْطَيْتُكُمْ مِنْهُ ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَوُجِدَ قَدْ مَاتَ ، فَرَجَعَ الْمِسْكُ إِلَيْهِ ، فَأَعْطَاهُنَّ مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ تُحْتَازُ بِالْكَلَامِ ج٧ / ص٢٤٤لَمَا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هِبَتِهِ وَلَا هَدِيَّتِهِ ، وَكَيْفَ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " وَجَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وَعَائِشَةَ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ عُمَرَ مِثْلُهُ أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهِبَاتِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِ الْوَاهِبِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي زَوَالِهِ مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِ الْوَاهِبِ حَتَّى يُجْمِعُوا ، وَلَمْ يُجْمِعُوا إِلَّا مَعَ الْقَبْضِ ، وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ : لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إِلَّا مَعْلُومَةً ، وَإِنْ كَانَتْ مُشَاعَةً ، فَيَكُونُ الْجُزْءُ مَعْلُومًا ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا بَطَلَتْ عَطِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَائِشَةَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً ، وَلَا سَهْمًا مِنْ سِهَامٍ مَعْلُومَةٍ ، قَالَ : وَكُلُّ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ عَلَى هَذَا فَغَيْرُ جَائِزَةٍ . فَهَذَا كُلُّهُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا ، وَالنَّاسُ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَرَضُ الطَّارِئُ ، وَلِلْقَوْلِ فِي هِبَاتِ الْمَرِيضِ موضع غير هَذَا مِنْ كِتَابِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . ج٧ / ص٢٤٥

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث