حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ

مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ : لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ ! فَقَالَ سَعْدٌ : بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي ! فَقَالَ الضَّحَّاكُ : فَإِنَّ عُمَرَ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ . لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ وَمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يُقِمْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ نَهْيَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ اخْتِلَافَ الْآثَارِ فِي مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فِي خَاصَّتِهِ مُحْرِمًا فِي حَجَّتِهِ ، وَذَكَرْنَا مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ; مِنْهَا مَا اجْتُمِعَ عَلَى أَنَّهُ تَمَتُّعٌ ، وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ . فَأَمَّا الْوَجْهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَى أَنَّهُ التَّمَتُّعُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

فَهُوَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَقَدْ قِيلَ : ذُو الْحِجَّةِ كُلُّهُ ، فَإِذَا أَحْرَمَ أَحَدٌ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَ مَسْكَنُهُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَالْحَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا خَاصَّةً ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ هُمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ هُمْ أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ أَهْلِ مَا وَرَاءَهَا فَهُمْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَعِنْدَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ . وَعَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الْأَرْبَعَةِ مَذَاهِبُ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

فَلَيْسَ لَهُ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا أَبَدًا - أَعْنِي التَّمَتُّعَ الْمُوجِبَ لِلْهَدْيِ - مَا كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ كَذَلِكَ . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَخَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مِيقَاتِهِ وَقَدِمَ مَكَّةَ محرما بالعمرة فَطَافَ لَهَا وَسَعَى وَحَلَّ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ وَقَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مِيقَاتِ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ - فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَعَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ . وَذَلِكَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، يَذْبَحُهُ لِلَّهِ ، وَيُعْطِيهِ الْمَسَاكِينَ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ . وَالثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ فِي الْحَجِّ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ ، فَإِنْ صَامَهَا مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِحَجِّهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْحَجِّ ، وَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ صِيَامُ يَوْمِ النَّحْرِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ نَقْلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِهِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إِذْ هِيَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ ، فَرَخَّصَ لَهُ خَاصَّةً فِي ذَلِكَ قَوْمٌ ، وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُتْعَةِ وَالتَّمَتُّعِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ :

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ

وَالْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ تَمَتَّعَ بِحِلِّهِ كُلِّهِ فَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَسَقَطَ عَنْهُ السَّفَرُ لِحَجِّهِ مِنْ بَلَدِهِ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِهِ فِي الْحَجِّ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّمَا ذَلِكَ لِسُقُوطِ السَّفَرِ خَاصَّةً لَا لِتَمَتُّعِهِ بِالْحِلِّ ; لِأَنَّ الْقَارِنَ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِحِلٍّ وَعَلَيْهِ دَمٌ . وَالْوَجْهُ الْعَامُّ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ تَمَتُّعِهِ بِحِلِّهِ وَسُقُوطِ سَفَرِهِ وَسُقُوطِ الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ ، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ وَجَبَ الدَّمُ عَلَيْهِ إِذْ حَصَلَ حَاجًّا ، وَلَمْ يَحْرِمْ بِحَجِّهِ ذَلِكَ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهِ ، وَلَا شَخَصَ لِذَلِكَ الْحَجِّ مِنْ مَوْضِعِهِ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ مُحْرِمًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَزَمَانِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ، فَهَذِهِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ عَلَيْهِ الدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَمَنْزِلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا ، إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ هَدْيٌ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ . قَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ : عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَلَا يُهْدُونَ . فَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : فَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ؟ قَالَ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَقَالَ الْحَسَنُ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ . وَهُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ ، وَالصَّحِيحُ عَنِ الْحَسَنِ مَا ذَكَرْنَا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَشْعَثَ النَّجَّارِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : إِنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ : عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلٌ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَهِيَ مُتْعَةٌ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ قَبْلَ هَذَا . رَوَى هُشَيْمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا النَّاسُ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . كَمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ ، فَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ . وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قَبْلَ الْحَجِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَجٌّ ، ولذلك فسره مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ فَقَالَ بِإثَرِ حَدِيثِهِ ذَلِكَ : قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اعْتَمَرَ الرَّجُلُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ فِي التَّمَتُّعِ قَوْلَانِ هُمَا أَشَدُّ شُذُوذًا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ ; أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَنِ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ - فِيمَا عَلِمْتُ - غَيْرُهُ ، وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ شُهُورَ الْحَجِّ أَحَقُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ جَائِزَةٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَالْحَجُّ إِنَّمَا مَوْضِعُهُ شُهُورٌ مَعْلُومَةٌ ، فَإِذَا جَعَلَ أَحَدٌ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ بِحَجٍّ فَقَدْ جَعَلَهَا فِي مَوْضِعٍ كَانَ الْحَجُّ أَوْلَى بِهِ . ثُمَّ رَخَّصَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي عَمَلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ لِلْحَجِّ مَعَهَا ، وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْرِدَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْآخَرُ قَالَهُ فِي الْمَكِّيِّ : إِذَا تَمَتَّعَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ، وَهَذَا لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

وَالتَّمَتُّعُ عَلَى مَا قَدْ أَوْضَحْنَا عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي وَصَفْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَنْشَأَ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ عَمِلَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ . يُرِيدُ إِنْ كَانَ حَلَّ مِنْهَا في غَيْرَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ، وَإِنْ كَانَ حَلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا قَدِمَ الرَّجُلُ مُعْتَمِرًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ فَلَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ حَتَّى رِيءَ هِلَالُ شَوَّالٍ فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ : هُوَ مُتَمَتِّعٌ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُهَرِيقَ دَمًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فِي رَمَضَانَ وَأَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي شَوَّالٍ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَإِنْ طَافَ لَهَا أَرْبَعَةً فِي رَمَضَانَ وَثَلَاثَةً فِي شَوَّالٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْعُمْرَةِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ إِنَّمَا تَكْمُلُ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى إِكْمَالِهَا . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا دَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَسَوَاءٌ طَافَ لَهَا فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي شَوَّالٍ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعًا . وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يَمُوتُ بَعْدَمَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ بِعَرَفَةَ أَوْ غَيْرِهَا : أَتَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا ؟ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُولَئِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا ، وَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ . قِيلَ لَهُ : فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنَ الثُّلُثِ ؟ قَالَ : بَلْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِذَلِكَ . ذَكَرَهُ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ ، وَقَالَ عَنْهُ الرَّبِيعُ : إِذَا أَهَلَّ الْمُتَمَتِّعُ بِالْحَجِّ ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدُ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ فَفِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّوْمُ قَدْ زَالَ وَغُلِبَ عَلَيْهِ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا صَامَ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ إِذَا أَحْرَمَ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَى آخِرِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَصُومَ الْمُتَمَتِّعُ فِي الْعَشْرِ ، وَهُوَ حَلَالٌ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ : إِذَا صَامَهُنَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَجْزَأَهُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا سَبِيلَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ الْهَدْيَ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْهَدْيِ فَصَامَ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ إِكْمَالِ صَوْمِهِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : إِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَهْدِيَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجَزْأَهُ الصِّيَامُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْضِي فِي صَوْمِهِ وَهُوَ فَرْضُهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أَيْسَرَ الْمُتَمَتِّعُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ صَوْمِهِ بَطَلَ الصوم ووجب عَلَيْهِ الْهَدْيُ ، وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَيْسَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ وَلَا يَرْجِعَ إِلَى الْهَدْيِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : إِذَا وَجَدَ مَا يَذْبَحُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فَلْيَذْبَحْ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَامَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَذْبَحُ حَتَّى يَحِلَّ فَقَدْ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ . وَقَالَ عَطَاءٌ : إِنْ صَامَ ثُمَّ وَجَدَ مَا يَذْبَحُ فَلْيَذْبَحْ حَلَّ أَمْ لَمْ يَحِلَّ ، مَا كَانَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ أَوْ مَرِضَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَلْيَصُمْ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ : إِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلْيَصُمْ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ ، وَلْيَصُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ سَبْعَةً ، وَإِنْ كَانَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُهْدِ إِنْ قَدَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي بَلَدِهِ وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ بَلَدَهُ وَلَمْ يَصُمْ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ ، وَلَا يَصُومُ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنِ انْقَضَى يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ : يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى إِنْ لَمْ يَكُنْ صَامَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ . وَقَالَ بمصر : لَا يَصُومُهَا - وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ - وَيَصُومُهَا كُلَّهَا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أُطْعِمَ عَنْهُ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ لَوْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَازِمًا عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَحَجَّ - أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَكِّيًّا لَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَضَاهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ - أَنَّهُ مَنْ حَاضَرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِينَ لَا مُتْعَةَ لَهُمْ ، وَأَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَأَجْمَعُوا فِي الْمَكِّيِّ يَجِيءُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يُنْشِئُ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَأَهْلُهُ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَسْكُنْ سِوَاهَا - أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَكَنَ غَيْرَهَا وَسَكَنَهَا وَكَانَ لَهُ أَهْلٌ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ عَنْ مَكَّةَ بِأَهْلِهِ وَسَكَنَ غَيْرَهَا ثُمَّ قَدِمَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُعْتَمِرًا فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ - أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ كَسَائِرِ أَهْلِ الْآفَاقِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ طَاوُسٍ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ لِعُمْرَتِهِ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَعَلَيْهِ بَعْدُ أَيْضًا طَوَافٌ آخَرُ لِحَجِّهِ وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . وَأَمَّا طَوَافُ الْقَارِنِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي يَسُوقُ الْهَدْيَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا حَلَّ إِذَا طَافَ وَسَعَى ، وَلَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إِلَّا بِمِنًى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا لِلْعُمْرَةِ ، فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا لِلْعُمْرَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا نَحَرَهُ بِمِنًى . ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَهْدَى هَدْيًا لِلْعُمْرَةِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ لَمْ يُجْزِه ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ لِلْمُتْعَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا إِذَا أَنْشَأَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ : لَا يَنْحَرُ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيَهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ قَدِمَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ الْعَشْرِ طَافَ وَسَعَى وَنَحَرَ هَدْيَهُ ، وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَنْحَرْ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ . وَقَالَهُ عَطَاءٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ وَسَعَى سَاقَ هَدْيًا أَوْ لَمْ يَسُقْ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَحِلُّ ، وَلَكِنْ لَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ، وَيَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ . وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي التَّمَتُّعِ وَمَسَائِلِهِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا كُلِّهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً ، وَلَهُ قَوْلَانِ أَيْضًا فِي صِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا لَمْ يَسُقِ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ صَارَ حَلَالًا ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَيَصِيرُ حَرَامًا ، وَلَوْ كَانَ ساق هَدْيًا لِمُتْعَتِهِ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَحِلَّ مَنْ حَجَّتِهِ ; لِأَنَّهُ ساق الْهَدْيُ عَلَى حَدِيثِ حَفْصَةَ . وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ إِحْلَالِهِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إِذَا اسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ فَإِنَّمَا هُوَ قَارِنٌ لَا مُتَمَتِّعٌ ، وَالْقِرَآنُ قَدْ أَبَاحَ التَّمَتُّعَ . فَهَذِهِ جُمْلَةُ أُصُولِ أحكام التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمَشْهُورُ فِي التَّمَتُّعِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذَا الْوَجْهَ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَرَاهِيَتُهُ ، وَقَالَا - أَوْ أَحَدُهُمَا : يَأْتِي أَحَدُهُمْ مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا . وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ هَذَا ، وَعَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَهُ وَأَذِنَ فِيهِ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّمَا كَرِهَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ كَانُوا قَدْ أَصَابَتْهُمْ يَوْمَئِذٍ مَجَاعَةٌ ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْتَدِبَ النَّاسَ إِلَيْهِمْ لِيُنْعَشُوا بِمَا يُجْلَبُ مِنَ الْمِيرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَحَبَّ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ ؛ مَرَّةً للحج ومرة للعمرة ، ورأى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ فَكَانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِهِ ، وَيَنْهَى عَنْ غَيْرِهِ اسْتِحْبَابًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ : افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَلِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَأَلْتُ بِالْحِجَازِ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَطَاوُسًا وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَأَلْتُ بِالْبَصْرَةِ الْحَسَنَ وَجَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَمَعْبَدًا الْجُهَنِيَّ وَأَبَا الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيَّ ؛ كُلُّهُمْ أَمَرَنِي بِمُتْعَةِ الْحَجِّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فَيُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا ، يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا . فَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا ، أَوْ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَحُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ لِأَنَّ الْقَارِنَ مُتَمَتِّعٌ بِتَرْكِ النَّصَبِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَإِلَى الْحَجِّ أُخْرَى وَتَمَتَّعَ بِجَمْعِهِمَا لَمْ يُحْرِمْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ وَضَمَّ إِلَى الْحَجِّ ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

وَهَذَا وَجْهٌ مِنَ التَّمَتُّعِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا بِسِيَاقِ الْهَدْيِ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ بدنة لَا يَجُوزُ دُونَهَا . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَخْتَارُونَ الْبَدَنَةَ وَيَسْتَحِبُّونَهَا ، وَتُجْزِي عِنْدَهُمْ عَنِ الْقَارِنِ شَاةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ : الْقَارِنُ أَخَفُّ حَالًا مِنَ الْمُتَمَتِّعِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْقَارِنُ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ تَمَتُّعٌ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ لِأَهْلِ الْآفَاقِ ، وَتَلَا :

ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

فَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ قِرَانٍ وَلَا تَمَتُّعٍ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ دَمٌ . وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ : إِذَا قَرَنَ الْمَكِّيُّ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ كَانَ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ الدَّمَ وَالصِّيَامَ فِي التَّمَتُّعِ لَا فِي الْقِرَانِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ لِمَكِّيٍّ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَمَا سَمِعْتُ أَنَّ مَكِّيًّا قَرَنَ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ وَلَا صِيَامٌ ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ التَّمَتُّعِ هُوَ الَّذِي تَوَاعَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ ، وَقَالَ : مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا : مُتْعَةُ النِّسَاءِ ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ فِي جَوَازِ هَذَا الْوَجْهِ هَلُمَّ جَرَّا ، وَذَلِكَ أَنْ يُهِلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ حَجَّهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ حَلَّ وَأَقَامَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، فَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْهُمْ هَدْيٌ وَلَمْ يَسُقْهُ وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ - أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِ الْآثَارِ بِذَلِكَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَدْفَعُوا شَيْئًا مِنْهَا ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ لِعِلَلٍ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهَا ; لِأَنَّهَا عِنْدَهُم خُصُوصٌ خَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ تِلْكَ لِعِلَّةٍ قَالَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا ، وَيَقُولُونَ : إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ ، وَعَفَا الْأَثَرْ ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ - أَوْ قَالُوا : دَخَلَ صَفَرْ - حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ ، وَعَفَا الْأَثَرْ ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ . فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْحِلِّ ؟ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ . فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا فَسَخَ الْحَجَّ فِي الْعُمْرَةِ لِيُرِيَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا بَأْسَ بِهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ له ولمن مَعَهُ خَاصَّةً ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِيهِمَا أَمْرًا مُطْلَقًا ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُخَالَفَ ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا إِلَى مَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ مِنْ كِتَابٍ نَاسِخٍ أَوْ سُنَّةٍ مُبَيِّنَةٍ . وَاحْتَجُّوا مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ؟ فَقَالَ : بَلْ لَنَا خَاصَّةً . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَذْكُرُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أفَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لمن بعدنا ؟ قَالَ : بَلْ لَنَا خَاصَّةً . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سُئِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ : كَانَتْ لَنَا ، لَيْسَتْ لَكُمْ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ ذَرٍّ قَالَ : إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ بِالْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً . وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : يَعْنِي أَنْ يُجْعَلَ الْحَجُّ عُمْرَةً . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمُرَقَّعُ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَنَا أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَفْسَخُهَا بِعُمْرَةٍ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءَ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ وَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا أَرُدُّ تِلْكَ الْآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ الصِّحَاحَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ بِحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ وَبِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ : وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى مَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ ، وَلَوْ أَجْمَعُوا كَانَ حُجَّةً ، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبَا ذَرٍّ وَلَمْ يَجْعَلْهُ خُصُوصًا . وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ وَأَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنْتَ مُعْتَمِرٌ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَمْ أُرِدْ عُمْرَةً . فَقَالَ : أَنْتَ مُعْتَمِرٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَضْلَلْتَ النَّاسَ ! قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : تُفْتِي النَّاسَ إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلُّوا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ : مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَزَلْ مُحْرِمًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُحَدِّثُونِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ! فَقَالَ عُرْوَةُ : كَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْكَ . وَذَكَرَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ جَوَازَ فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُتْعَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ لِلْأَبَدِ . وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ وُجُوبَ ذَلِكَ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُتْعَةِ مُتْعَةُ الْمُحْصَرِ وَمَنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ ؛ ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : أَنْبَأَنَا أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيُّ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيْسَ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كَمَا تَصْنَعُونَ ، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ حَاجًّا فَيَحْبِسَهُ عَدُوٌّ أَوْ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَتَمَتَّعُ بِحِلِّهِ إِلَى الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ يَحُجُّ وَيُهْدِي . وَسَنَذْكُرُ وُجُوهَ ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ وَجَابِرًا يَقُولَانِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ . وَيَقُولُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ : قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَنَسٌ : سَمِعْتُهُ يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى أَذِنَ فِيهَا وَأَبَاحَهَا ، وَإِذَا أَمَرَ الرَّئِيسُ بِالشَّيْءِ جَازَ أَنْ يُضَافَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ : رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزِّنَا ، وَقَطَعَ فِي السَّرِقَةِ ، وَنَحْوُ هَذَا . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ

؛ أَيْ أَمَرَ فَنُودِيَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث