حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيِّ
مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ . فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ . فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفَعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ . فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فِرَارًا مَنْ قَدَرِ اللَّهِ ! فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ ، نَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَاتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطّأ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ : عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - لَمْ يَقُلْ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالَّذِي فِي الْمُوَطَّأ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ . وَرِوَايَةُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَظُنُّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ لَفْظُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ . وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ نَصْرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ . وَأَمَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ فَمَشْهُورٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ الصَّدَقَةِ ، الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يَرْوِيهِ مَالِكٌ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هَذَا عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَيَرْوِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ بِبَبَّةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ - وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ - عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى . رَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ؛ فَقِيلَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقِيلَ : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَالصَّوَابُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْهُ فِي حَدِيثِ صَلَاةِ الضُّحَى ، فَابْنُ شِهَابٍ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ نَفْسِهِ ، وَيَرْوِي عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ ، فَاعْلَمْ . وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا فَقَدَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَأَمَّا أَخُوهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَمَعْرُوفٌ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ وَأَهْلِ النَّسَبِ ، وَلَهُ ابْنٌ يُسَمَّى الْعَبَّاسَ ، وَلَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ النَّسَبِ أَخَوَانِ ; أَحَدُهُمَا الصَّلْتُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، كَانَ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ عِنْدَهُ بِنْتَانِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ الْعَدَوِيُّ : وَكَانَ فَقِيهًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّهُ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْعِلْمِ وَلَا أَحْفَظُ لَهُ رِوَايَةً ، وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْنٍ كَانَ جَوَادًا ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ :
لَوْلَا نَدَى الْحَارِثِ مَاتَ النَّدَى
وَانْقَطَعَ الْمَسْؤولُ وَالسَّائِلُ
فَأَمَّا قَوْلُ الذُّهْلِيِّ بِأَنَّ بَبَّةُ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلَمْ يُطَالِعْ مَا قَالَهُ أَهْلُ النَّسَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي : خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَعْمَالِهِ يُطَالِعُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْرِفُ أَحْوَالَ أَهْلِهَا ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مَرَّتَيْنِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ هَذِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ . ذَكَرَ خَلِيفَةُ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ : لَمَّا صَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْلَ حَلَبَ شَخَصَ - وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَحَاصَرَا أَهْلَ إِيلِيَا ، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عُمَرُ هُوَ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ وَيَكْتُبُ لَهُمْ أَمَانًا ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَدِمَ عُمَرُ فَصَالَحَهُمْ فَأَقَامَ أَيَّامًا ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَانَ خُرُوجُهُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : فِيهَا خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَانْصَرَفَ مِنْ سَرْغَ وَبِهَا الطَّاعُونُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَبِيعَةَ فِي ذِكْرِ سَرْغَ وَمَعْنَى الطَّاعُونِ وَأَخْبَارٍ فِي الْفِرَارِ مِنْهُ مَا يُغْنِي عَنْ تَكْرَارِهِ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيٌّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ فَوَجَدْتُهُ قَائِلًا فِي خِبَائِهِ ، فَانْتَظَرْتُهُ فِي فَيْءِ الْخِبَاءِ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَضَوَّرَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ غَزْوَةِ سَرْغَ ؛ يَعْنِي حِينَ رَجَعَ مِنْ أَجْلِ الْوَبَاءِ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْخَلِيفَةِ أُمَرَاءَ عَدَدًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِوُجُوهٍ يُصَرِّفُهُمْ فِيهَا ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَسَّمَ الشَّامَ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمَرَاءَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُنْدٌ وَنَاحِيَةٌ مِنَ الشَّامِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَحْسَبُ الرَّابِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الشَّامِ ، ثُمَّ لَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى جَمَعَ الشَّامَ لِمُعَاوِيَةَ . وَقَدِ اسْتَخْلَفَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مَرَّاتٍ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْحَجِّ ، وَمَا أَظُنُّهُ اسْتَخْلَفَ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَطُّ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَخْلَفَ خَالًا لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ . وَأَمَّا عُمَّالُهُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَكَثِيرٌ ، وَكَانَ يَعْزِلُ وَيُوَلِّي كَثِيرًا ، لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِمْ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ؛ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَمَلِ وَالْوِلَايَةِ وَأَنْ لَا بَأْسَ لِلصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ فَاضِلًا عَالِمًا يَأْمُرُ بِالْحَقِّ وَيَعْدِلُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَشُورَةِ مَنْ يُوثَقُ بِفَهْمِهِ وَعَقْلِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ الْمُعْضِلِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِذَا كَانَ سَبِيلُهَا الِاجْتِهَادَ وَوَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ الْقَائِلِينَ فِيهَا عَيْبُ مُخَالِفِهِ وَلَا الطَّعْنُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا - وَهُمُ الْقُدْوَةُ - فَلَمْ يَعِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ اجْتِهَادَهُ وَلَا وَجَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ . إِلَى اللَّهِ الشَّكْوَى ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أُمَّةٍ نَحْنُ بَيْنَ أَظْهُرِهَا تَسْتَحِلُّ الْأَعْرَاضَ وَالدِّمَاءَ إِذَا خُولِفَتْ فِيمَا تَجِيءُ بِهِ مِنَ الْخَطَأ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا قَادَهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ خَالَفَهُ فِيهِ صَاحِبُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَيْلُ إِلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يُبِنْ مَوْقِعَ الصَّوَابِ فِيهِ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ وَذَوِي الرَّأْيِ وَيُشَاوِرَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ غَيْرِ اجْتِهَادِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَى الْأَصْلَحِ وَالْأَخْذُ بِمَا يَرَاهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ النَّظَرُ ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ عِنْدَ الْخِلَافِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى : تَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهَ ! فَقَالَ : نَعَمْ ، أَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهَ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ ... فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشَّبَهُ فِي مَسْأَلَتِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ إِذَا نَزَلَ وَقَامَ الْحِجَاجُ فَالْحُجَّةُ وَالْفَلْجُ بِيَدِ مَنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكِتَابِ نَصٌّ لَا يُخْتَلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ وَجَبَ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ يُسَمَّى عِلْمًا وَيُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ ؟ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ يَجْرُونَ فِي قَدَرِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ ، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَوْ شَيْئًا لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْعِالْمَ قَدْ يُوجَدُ عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي الْعِلْمِ دُونَهُ مَا لَا يُوجَدُ مِنْهُ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَوْضِعَ عُمَرَ مِنَ الْعِلْمِ وَمَكَانَهُ مِنَ الْفَهْمِ وَدُنُوَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ فَوْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا جَهِلَهُ عُمَرُ ، وَهَذَا وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ . وَقَدْ جَهِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدِيثَ رُجُوعِ عُمَرَ مِنْ أَجْلِ الطَّاعُونِ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ مِنَ الشَّامِ حِينَ سَمِعَ بِهَا وَبَاءً فلم يعرفه ، وَقَالَ : إِنَّمَا أُخْبِرَ أَنَّ الصَّائِفَةَ لَا تَخْرُجُ الْعَامَ ، فَرَجَعَ . وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ لَا يُنَفِّذُ قَضَاءً وَلَا يَفْصِلُهُ إِلَّا عَنْ مَشُورَةِ مَنْ بِحَضْرَتِهِ وَيَصِلُ إِلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ مَوْضِعِهِ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ذِكْرُ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : عَهِدَ عُمَرُ إِلَى الْقُضَاةِ أَنْ لَا يَصْرِمُوا الْقَضَاءَ إِلَّا عَنْ مَشُورَةٍ وَعَنْ مِلًا وَتَشَاوُرٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ عِلْمِ عَالِمٍ أَنْ يَجْتَزِئَ بِهِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ غَيْرِهِ ، وَتَمَثَّلَ :
خَلِيلَيَّ لَيْسَ الرَّأْيُ فِي صَدْرٍ
وَاحِدٍ أَثِيرًا عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا يُرِيَانِي
قَالَ سَيْفٌ : وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مُعَلِّمًا لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ ، قَالَ : يَا مُعَاذُ ، إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَهْلِ كِتَابٍ ، وَإِنَّهُمْ سَائِلُوكَ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَلَا تَقْضِيَنَّ إِلَّا بِعِلْمٍ ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَسَلْ وَاسْتَشِرْ ، فَإِنَّ الْمُسْتَشِيرَ مُعَانٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ، وَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكَ فَقِفْ حَتَّى تَتَبَيَّنَ أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ ، وَلَا تَصْرِمَنَّ قَضَاءً فِيمَا لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّتِي إِلَّا عَنْ مِلًا ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ مِنَ الْإِنْصَافِ لِلْعِلْمِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَبُولِهِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ أَوْضَحُ وَأَقْوَى مَا نَرَى مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَبِمَحْضَرِهِمْ فِي أَمْرٍ قَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَقُلْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْتَ وَاحِدٌ ، وَالْوَاحِدُ لَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ ، إِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِ الْكَافَّةِ ! مَا أَعْظَمَ ضَلَالَ مَنْ قَالَ بِهَذَا ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ :
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
وَقُرِئَتْ فَتَثَبَّتُوا ، فَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ إِذَا جَاءَ بِنَبَأ يُتَثَبَّتُ فِي خَبَرِهِ وَلَمْ يُنَفَّذْ لَاسْتَوَى الْفَاسِقُ وَالْعَدْلُ ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
وَالْقَوْلُ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَمَا التَّوْفِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَدْ مَضَى فِي مَعْنَى الطَّاعُونِ أَخْبَارٌ وَتَفْسِيرٌ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ لَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهَا هَاهُنَا ، وَالْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الطَّاعُونَ طَعْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَتُسَمِّيهِ أَيْضًا رِمَاحَ الْجِنِّ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشْعَارٌ لَمْ أَذْكُرْهَا لِأَنِّي عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْهَا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَامَ فِي النَّاسِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ بِالشَّامِ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ قَدْ ظَهَرَ ، وَإِنَّمَا هُوَ رِجْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَفِرُّوا مِنْهُ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَصَابَ النَّاسَ طَاعُونٌ بِالْجَابِيَةِ ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَقَالَ : تَفَرَّقُوا عَنْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ . فَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ : لَقَدْ كُنْتَ فِينَا وَلَأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِكَ ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هُوَ رَحْمَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اللَّهُمَّ فَاذْكُرْ مُعَاذًا وَآلَ مُعَاذٍ فِيمَنْ تَذْكُرُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ . قَالَ دُحَيْمٌ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ شُرَحْبِيلَ بْنَ شُفْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ رِجْسٌ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ . فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهَا رَحْمَةُ بِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ . أَظُنُّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَرُوِينَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَالْفَارِّ ؛ أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ : فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ : أَقَمْتُ فَمِتُّ - وَكَذَبَا ؛ فَرَّ مَنْ لَمْ يَجِئْ أَجَلُهُ ، وَأَقَامَ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .