حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ

مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَبِي وَجَعٌ قَدِ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ مِنِّي الْوَجَعُ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا تَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : الثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ إِسْنَادِهِ ، وَجَعَلَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَصْلًا فِي مِقْدَارِ الْوَصِيَّةِ وَأنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثَ ، إِلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ اخْتِلَافًا عِنْدَ نَقَلَتِهِ . فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ . انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَا عَلِمْتُ . وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشَفَيْتُ مِنْهُ ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ لِي مَنْ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : قَالَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَمَالِكٌ : حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَامَ الْفَتْحِ . قَالَ : وَالَّذِينَ قَالُوا حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَصْوَبُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ عَامِ الْفَتْحِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرٍو الْقَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَخَلَّفَ سَعْدًا مَرِيضًا حِينَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَجِعٌ مَغْلُوبٌ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا ، وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ أَوْ أَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . هَكَذَا فِي حَدِيثِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ أَفَأُوصِي عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ لَا ابْنُ عُيَيْنَةَ وَلَا غَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ أَوْ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَفَأُوصِي ، فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَوْلُهُ : أَفَأَتَصَدَّقُ - كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هِبَاتِ الْمَرِيضِ وَصَدَقَاتِهِ وَعِتْقِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ لَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ثُمَّ تُوُفِّيَ ، فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُدُ فِي هِبَةِ الْمَرِيضِ أَنَّهَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ شُذُوذُهُمْ عَنِ السَّلَفِ وَمُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي أَوْ بِمَالِي ؟ وَأَمَّا مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ فَإِنَّمَا قَالَ : أَفَأُوصِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ وَالَّذِي أَقُولُهُ : إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ هُوَ الَّذِي قَالَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ لِأَنَّ غَيْرَ ابْنِ شِهَابٍ رَوَاهُ عَنْ عَامِرٍ فَقَالَ فِيهِ : أَفَأُوصِي ؟ كَمَا قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عَفْرَاءَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ لَهُ : أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالنِّصْفُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ... . فَهَذِهِ الْآثَارُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ إِذَا تَرَكَ وَرَثَةً مِنْ بَنِينَ أَوْ عَصَبَةٍ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَنِينَ وَلَا عَصَبَةً وَلَا وَارِثًا بِنَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ ؛ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلَهُ ، وَقَالَ بِقَوْلِهِمَا قَوْمٌ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ . وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ ، وَهَذَا لَا وَرَثَةَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنْ أَبَا مُوسَى أَجَازَ وَصِيَّةَ امْرَأَةٍ بِمَالِهَا كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا ، فَمَا يمنعه إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ . وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ - مِثْلَهُ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَانَ لَهُ بَنُونَ ، أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً ، أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ مَالِهِمْ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ . وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِمِقْدَارٍ لَا يُتَعَدَّى ، وَكَانَ مُرَادُهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَلَامِهِ مَا بَيَّنَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ

؛ يَعْنِي لِتُبَيِّنَ لَهُمْ مُرَادَ رَبِّهِمْ فِيمَا احْتَمَلَهُ التَّأْوِيلُ مِنْ كِتَابِهِمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فِي بَابِ نَافِعٍ وَبَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ لَمْ يَجُزْ مِنْهَا إِلَّا الثُّلُثُ . وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ لَهُ : أُوصِي بِشَطْرِ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنْ أَجَازَهُ وَرَثَتُكَ جَازَ . وَكَذَلِكَ قَالُوا : إِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوهَا ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، وَيَجْعَلُونَهَا هِبَةً مُسْتَأْنَفَةً مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ . وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْغَايَةُ الَّتِي إِلَيْهَا تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ وَأنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَأَنَّ التَّقْصِيرَ عَنْهُ أَفْضَلُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَقِبِ قَوْلِهِ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ : وَلَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ؟ فَاسْتَحَبَّ لَهُ الْإِبْقَاءَ لِوَرَثَتِهِ . وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ قَلِيلًا وَمَالُهُ كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْلُغَ الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ . وَاسْتَحَبَّ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يُعْرَفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٌ فَيَجُوزُ لَهُ الثُّلُثُ ، لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لِإِسْحَاقَ حُجَّةً فِي قَوْلِهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبْعُ ، وَهَذَا الَّذِي نَزَعَ بِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ سُنَّةً . وَقَدْ رُوِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ الْوَصِيَّةَ بِالْخُمُسِ ، وَبِذَلِكَ أَوْصَى وَقَالَ : رَضِيتُ لِنَفْسِي مَا رِضَى اللَّهُ لِنَفْسِهِ . كَأَنَّهُ يَعْنِي خُمُسَ الْغَنَائِمِ ، وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ الوصية بالثلث ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَطَلْحَةُ ضَعِيفٌ ، رَوَى عَنْهُ هَذَا الْخَبَرَ وَكِيعٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الثُّلُثُ وَسَطٌ لَا غَبْنَ فِيهِ وَلَا شَطَطَ ، وَهَذَا لَا نَدْرِي مَا هُوَ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ لَيْسَتْ بِوَسَطٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ حُكْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَسَطٌ أَيْ عَدْلٌ ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، فَلَيْتَهُمْ نَقَصُوا إِلَى الرُّبُعِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ ، وَالرُّبُعُ قَصْدٌ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : الثُّلُثُ جَهْدٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَوْصَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالرُّبُعِ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ الْخُمُسُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ ، وَالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ . قَالَ الثَّوْرِيُّ : وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : أَوْصَانِي أَبِي أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ : أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ ؟ فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ فَهِيَ وَصِيَّتُهُ ، فَسَأَلْتُ ، فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمُسِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : صَاحِبُ الرُّبُعِ أَفْضَلُ مَنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَصَاحِبُ الْخُمُسِ أَفْضَلُ مَنْ صَاحِبِ الرُّبُعِ - يَعْنِي فِي الْوَصِيَّةِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَقَدْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ فَأَوْجَبَتْ ذَلِكَ . وَالْآيَةُ بِإِيجَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مَنْسُوخَةٌ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمْ يُوصِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً كَانَ أَبْدَرَ النَّاسِ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُعْطِيَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغنى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ الْحُلْقُومَ قُلْتَ : هَذَا لِفُلَانٍ ، وَهَذَا لِفُلَانٍ ! وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ كَانَا يُشَدِّدَانِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَوْصَى ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ ، فَإِنْ أَوْصَى فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا بَأْسَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ هَذَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مَا يُوصِي فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَتْرُكُهُ صَدَقَةً . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْنٍ يَقُولُ : إِنَّمَا الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ غَنِيًّا عَنْهَا أَنْ يَدَعَهَا . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَا ذُو مَالٍ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ مَا أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَصِيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : لَأَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ؟ وَقَدْ مَنَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوِ ابْنُ عُمَرَ مَوْلًى لَهُمْ مِنْ أَنْ يُوصِيَ ، وَكَانَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

إِنْ تَرَكَ خَيْرًا

وَلَيْسَ لَكَ كَبِيرُ مَالٍ . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ وَرَثَتُهُ كَثِيرًا وَمَالُهُ قَلِيلًا أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ . قَالَ : وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ : قَلِيلٌ . وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَهُ عِدَّةٌ مِنَ الْوَلَدِ ، فَقَالَتْ : مَا فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ وَسَائِرِ الْجُلَّةِ لِلْمَرِيضِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ ، لِقَوْلِهِ : وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْبَنِينَ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَأنْ تَرَكَ الْمَالَ لِلْوَرَثَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ وَاسِعَ الْمَالِ ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَرْضٌ ، وَأَدَاءُ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ . وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَكَانَ مَذْهَبًا ؛ لِقَوْلِهِ : حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُنْصَرِفِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَتُنْفِقُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ - أَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ ، فَاسْتَفْهَمَهُ هَلْ يَبْقَى بَعْدَ أَصْحَابِهِ ؟ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَرْبٍ مِنْ قَوْلِهِ : لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّكَ إِنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ كَمَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَقَ فِي ذَلِكَ ظَنُّهُ ، وَعَاشَ سَعْدٌ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِيهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، فَقَالَ : أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ فَأَضَرَّ بِهِمْ ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ فَتَابُوا فَانْتَفَعُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِمَّا يُشْبِهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ هَذَا الْكَلَامُ قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ الشَّعِثِ الرَّأْسِ : مَالَهُ ؟ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ ! فَقَالَ الرَّجُلُ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ : أَمِيرُكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : نَعَى إِلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ ، فَقُتِلُوا ثَلَاثَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا قِصَّةُ عَامِرِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ ارْتَجَزَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَيْرِهِ إِلَى خَيْبَرَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ يَا عَامِرُ ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ ! قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا اسْتَغْفَرَ لِإِنْسَانٍ قَطُّ يَخُصُّهُ بِذَلِكَ إِلَّا اسْتُشْهِدَ ، فَاسْتُشْهِدَ عَامِرٌ يَوْمَ خَيْبَرَ . وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَوْلِ وَلَا تَبْيِينٍ فِي الْمُرَادِ وَالْمَعْنَى ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ كُلُّهُ كَمَا تَرَى . وَقَدْ خُلِّفَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَحْوَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَهُ وَسَيْرَهُ وَطَرَفًا مِنْ فَضَائِلِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمُقَامُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا وُقِتَ لَهُ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الصَّدْرِ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى الدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ لِيَفِرَّ الرَّجُلُ بِدِينِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ : لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ ظَاهِرُهَا فِي الْهِجْرَةِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَقْدَانَ الْقُرَشِيِّ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ . وَرَوَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : هَذِهِ الْهِجْرَةُ هِجْرَةُ الْمَعَاصِي غَيْرُ الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، كَمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ فُدَيْكٍ قَالَ : خَرَجَ فُدَيْكٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولُ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فُدَيْكُ ، أَقِمِ الصَّلَاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَاهْجُرِ السُّوءَ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ - تَكُنْ مُهَاجِرًا . وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : أَفْضَلُ الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ مُفْتَرَضَةٌ بِالْجُمْلَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمِ الْهِجْرَةَ إِلَى نَبِيِّهِمْ حَتَّى فَتَحَ عَلَيْهِ مَكَّةَ ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ . فَمَضَتِ الْهِجْرَةُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ وَاسْتِيطَانُهَا وَتَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ مَعَهُ ، فَلَمَّا مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ . وَقَدْ كَانُوا يَعُدُّونَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَرْجِعَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ؛ أَيْ لَا هِجْرَةَ مُبْتَدَاةً يَهْجُرُ بِهَا الْمَرْءُ وَطَنَهُ هِجْرَانًا لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ قُرَيْشٍ خَاصَّةً بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا مِنْهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَيَدَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَابٌ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا أَطَاقَتْ أُسْرَتُهُ أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْهَا فَرْضًا وَاجِبًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ الْمُقَامُ فِي دَارٍ تَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ وَتَكُونُ كَلِمَتُهُ فِيهَا سُفْلَى وَيَدُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَطْعِ الذَّرَائِعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ ; لِأَنَّ سَعْدًا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَرُبَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ حُبُّ الْوَطَنِ عَلَى دَعْوَى الْمَرَضِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، وَلَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! وَقَوْلُهُ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَهُ فِي مَرَضِهِ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَدَعُ مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَنِصْفِهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَبِثُلُثِهِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، سَعْدُ إِنَّكَ إِنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ تُوجَرُ فِي نَفَقَتِكَ كُلِّهَا حَتَّى فِيمَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي ! قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللهم اشْفِ سَعْدًا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ عَسَى أَنْ تُخَلَّفَ ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَعِيشَ بَعْدِي حَتَّى يُضَرَّ بِكَ قَوْمٌ وَيَنْتَفِعَ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! . وَفِي قَوْلِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْزَنُ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، لَا أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ كَمَا ظَنَّ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسِّيَرِ ، وَالْخَبَرُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا نَصًّا . وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ بِمَكَّةَ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمُوتُ بِأَرْضِي الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ؟ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، وَفِي آخِرِهِ : لَكِنْ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْبَائِسُ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ : خَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا ، فَقَالَ : إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا . قَالَ سُفْيَانُ : لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْجِوَارِ بِمَكَّةَ فَرَخَّصَ فِيهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ لِئَلَّا يَغْلُوَ السِّعْرُ ، وَكُرِهَ لِمَنْ هَاجَرَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَسِّرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا حَتَّى تُخْرِجَنَا مِنْهَا . لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . وَأَمَّا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ حَلِيفٌ لَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث