الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ ، ذَكَرْنَا نَسَبَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَأَبُو بَكْرٍ هَذَا أَحَدُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ الْعَشْرَةِ الَّذِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ الْفَتْوَى فِي زَمَانِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأُمُّهُ فَاخِتَةُ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو قُرَشِيَّةٌ عَامِرِيَّةٌ ، وَاسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اسْمَهُ الْمُغِيرَةُ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ ، وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ الْجَمَلِ فَرُدَّ مِنَ الطَّرِيقِ هُوَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَاهِبُ قُرَيْشٍ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدًا مِنَ التَّابِعِينَ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيمَا أَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مُكْرِمًا لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا مُجِلًّا لَهُ ، وَأَوْصَى الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ بِإِكْرَامِهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنِّي لَأَهُمُّ بِالشَّيْءِ أَفْعَلُهُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لِسُوءِ أَثَرِهِمْ عِنْدَنَا ، فَأَذْكُرُ أَبَا بَكْرٍ فَأَسْتَحِي مِنْهُ وَأَدَعُ ذَلِكَ الْأَمْرَ . وَكَانَ مَوْتُهُ فَجْأَةً ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُغْتَسَلَهُ فَسَقَطَ ، وَكَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : وَاللَّهُ مَا أَحْدَثْتُ فِي صَدْرِ نَهَارِي شَيْئًا ، فَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتَّى مَاتَ ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ بِالْمَدِينَةِ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ خَبَرِهِ الْوَاقِدَيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَسْتَوْدِعُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَسُرِقَتْ ، فَاتَّهَمَ بِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ امْرَأَةً مِنَ الْعَرَبِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ ، فَحَذَّرَهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا وَخَوَّفَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا أَخَذَتْهَا وَأَنَّهَا عِنْدَهَا وَأَنَّهَا تُؤَدِّيهَا ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى مَشَايِخَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى اعْتِرَافِهَا ، وَفِيهم الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَخَلَّى سَبِيلَهَا ، فَلَمَّا خَرَجَتْ مِنْ دَارِهِ وَأَمِنَتْ قَالَتْ : مَا أَخَذْتُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، فَخَاصَمَهَا إِلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَسَأَلَ الشُّهُودَ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَشَهِدُوا أَنَّهَا اعْتَرَفَتْ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَنَّهَا مُؤَدِّيَتُهَا ، فَسَأَلَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى بَلَغَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : مَاذَا تَشْهَدُ بِهِ يَا قَاسِمُ ؟ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَعَانَا لِنَشْهَدَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي الْحَدِيدِ ظَاهِرًا عَلَيْهَا الضَّرْبُ ، فَاعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا أَخَذَتِ الْعِشْرِينَ أَلْفًا ، فَأَقْبَلَ أَبَانٌ عَلَى الْمَشَايِخِ فَقَالَ : أَكَانَ أَمْرُهَا عَلَى مَا ذَكَرَ الْقَاسِمُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ ؟ فَلَوْلَا مَكَانُهُ لَقَضَيْتُ عَلَيْهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ! يَا قَاسِمُ ، جِئْتَ - وَاللَّهِ - بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : فَارْتَفَعَ أَمْرُ الْقَاسِمِ مِنْ يَوْمِئِذٍ عَلَى النَّاسِ وَفَطِنُوا لِفَضْلِهِ ، وَكَانَ الْمَالُ لِوَلَدِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَبَاعَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا حَتَّى أَدَّاهَا إِلَى عُرْوَةَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : وَاللَّهِ مَا عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، إِنَّمَا أَنْتَ مُسْتَوْدَعٌ ! فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ إِلَّا أَنْ يَغْرَمَهَا . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا يُفْطِرُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رُدِدْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مِنَ الطَّرِيقِ يَوْمَ الْجَمَلِ ؛ اسْتَصْغَرَنَا ! وَإِيَّاهُ عَنَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ :
شَهِيدِي أَبُو بَكْرٍ فَنِعْمَ شَهِيدُ
فِي أَبْيَاتٍ أَذْكُرُهَا فِي بَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 1363 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . وَقَعَ فِي نُسْخَةِ مُوَطَّأ يَحْيَى : وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَهَذَا مِنَ الْوَهْمِ الْبَيِّنِ وَالْغَلَطِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ وَعِنْدَ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ كُلِّهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَأَمَّا لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مِثْلِ هَذَا ; لِأَنَّهُ مِنْ خَطَأ الْيَدِ وَسُوءِ النَّقْلِ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هَذَا اسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو ، وَيُكَنَّى أَبَا مَسْعُودٍ ، أَنْصَارِيٌّ يُعْرَفُ بِالْبَدْرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ بَدْرًا . وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فَأَمَّا مَهْرُ الْبَغِيِّ - وَالْبَغِيُّ الزَّانِيَةُ ، وَمَهْرُهَا مَا تَأْخُذُ عَلَى زِنَاهَا - فَمُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : بَغَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ تَبْغِي بِغَاءً فَهِيَ بَغِيٌّ ، وَهُنَّ الْبَغَايَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
؛ يَعْنِي زَانِيَةً ، وَقَالَ :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ
يَعْنِي الزِّنَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ . وَأَمَّا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ فَمُجْتَمَعٌ أَيْضًا على تحريمه ، قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ مَا يُعْطَى الْكَاهِنُ عَلَى كَهَانَتِهِ ، وَالْحُلْوَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الرِّشْوَةُ وَالْعَطِيَّةُ ، تَقُولُ مِنْهُ : حَلَوْتُ الرَّجُلَ حُلْوَانًا إِذَا رَشَوْتَهُ بِشَيْءٍ . قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ :
كَأَنِّي حَلَوْتُ الشِّعْرَ يَوْمَ مَدَحْتُهُ
صَفَا صَخْرَةٍ صَمَّاءَ يَبِسٍ بِلَالُهَا
وَقَالَ غَيْرُهُ :
فَمَنْ رَجُلٌ أَحْلُوهُ رَحْلِي وَنَاقَتِي
يُبَلِّغُ عَنِّي الشِّعْرَ إِذْ مَاتَ قَائِلُهُ
وَأَمَّا ثَمَنُ الْكَلْبِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّأهِ : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْكِلَابِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَنَى كَلْبُ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَةُ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ ، فَوَجْهُ إِجَازَةِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْكِلَابِ أَنَّهُ لَمَّا قُرِنَ ثَمَنُهَا فِي الْحَدِيثِ مَعَ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَهَذَا لَا إِبَاحَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ الَّذِي نهى عَنْ ثَمَنِهِ مَا لَمْ يُبَحِ اتِّخَاذُهُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي مِنَ الْكِلَابِ عُمُومُ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِهَا ، وَأَنَّ مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ مَعْدُومٌ وُجُودُهُ مِنْهَا . وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ قَتَلَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَلَا زَرْعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا لَمْ يَسْرَحْ كَلْبُ الدَّارِ مَعَ الْمَاشِيَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : بَيْعُ الْكِلَابِ جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ لِصَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَتَلَ كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ ، قَالَ : عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وكذلك السباع كلها إِذَا اسْتُأنِسَتْ وَانْتُفِعَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ كَلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ كُلِّهَا وَلَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى حَالٍ كَانَ لِصَيْدٍ أَوْ لِغَيْرِ صَيْدٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ كَلْبًا مِنْ قِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَحُجَّتُهُ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، قَالَ : وَمَا لَا ثَمَنَ لَهُ فَلَا قِيمَةَ فِيهِ إِذَا قُتِلَ . وَاحْتَجَّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهَا ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ الْكِلَابُ مِمَّا يَجُوزُ تَمَوُّلُهُ وَمِلْكُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لَمْ يَأْمُرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهَا ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِضَاعَةُ الْأَمْوَالِ وَتَلَفُهَا ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، وَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ لِتُقْتَلَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَدْخُلُ بِالْكَلْبِ فَمَا تَخْرُجُ حَتَّى يُقْتَلَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، قَالَ : إِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ الْجُذَامِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ . وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ . وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ . وَحَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا صَحِيفَةٌ . وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ضَعِيفَةٌ ، وكُلَّمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ فَثَمَنُهُ جَائِزٌ فِي النَّظَرِ ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِمَّا لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي السِّنَّوْرِ شَيْءٌ صَحِيحٌ وَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ كُلِّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي حَيَاتِهِ نَحْوَ الْفَهْدِ وَالْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ حَاشَا الْكَلْبِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَجُوزُ بَيْعُ الْفُهُودِ وَالنُّمُورِ وَالذِّئَابِ إِذَا كَانَتْ تُذَكَّى لِجُلُودِهَا ; لِأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا إِذَا ذُكِّيَتْ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : مَنْ قَتَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ . رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ جَعَلَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ الْقِيمَةَ ، وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَأَوْجَبَ فِي كَلْبِ مَاشِيَةٍ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ . وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَجَازَ الْكَلْبَ الضَّارِيَ فِي الْمَهْرِ ، وَجَعَلَ عَلَى قَاتِلِهِ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْكَلْبِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَالِي وَلِلْكِلَابِ ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبٍ آخَرَ . فَجَعَلُوا نَهْيَهُ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِإِبَاحَتِهِ ، وَقَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ كَلْبَ الصَّيْدِ وَغَيْرَهُ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ ، فَكَانَ بَيْعُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَرَامًا ، وَكَانَ قَاتِلُهُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحُ الِاصْطِيَادُ بِهِ كَانَ كَسَائِرِ الْجَوَارِحِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ . وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ كسب الْحَجَّامِ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ خَبِيثٌ ، ثُمَّ لَمَّا أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ كَانَ نَاسِخًا لِمَنْعِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَ فِي كسب الْحَجَّامِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الزَّرْعِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ ، وَقَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَاعْفُرُوهُ الثَّانِيَةَ بِالتُّرَابِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَافِعًا صَوْتَهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، فَكَانَتِ الْكِلَابُ تُقْتَلُ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ . فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِلَابَ الَّتِي أَذِنَ فِي اتِّخَاذِهَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي قَتْلِهَا ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَتْلَ الْكِلَابِ كُلِّهَا مَنْسُوخٌ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .