الْحَدِيثُ الرَّابِعُ الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ - مُسْنَدٌ شَرَكَ فِيهِ سَالِمًا أَخُوهُ حَمْزَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ أبِيهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ . الشُّؤْمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ النَّحْسُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ
، قَالُوا : مَشَائِيمُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : نَحِسَاتٌ ذَوَاتُ نُحُوسٍ مَشَائِيمُ . وَقَدْ فَسَّرَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ الشُّؤْمَ تَفْسِيرًا حَسَنًا . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ أَوْ عَنْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَيْهِمَا - شَكَّ مَعْمَرٌ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشُّؤْمُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ . قَالَ : وَقَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ : وَالسَّيْفِ . قَالَ مَعْمَرٌ : سَمِعْتُ مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ : شُؤْمُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ ، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَشُؤْمُ الدَّارِ جَارُ السُّوءِ . وَقَدْ رَوَى جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ أَمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَهُ أَنَّ أَمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَزِيدُ السَّيْفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ؛ أَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ . أَمَّا الْمَتْنُ فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنْ كَانَ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ - يَعْنِي الشُّؤْمَ ، فَلَمْ يَقْطَعْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالشُّؤْمِ . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا شُؤْمَ ، وَالْيُمْنُ فِي الدَّارِ وَالدَّابَّةِ وَالْخَادِمِ . وَرُبَّمَا قَالَ : الْمَرْأَةِ . وَهَذَا أَشْبَهُ فِي الْأُصُولِ ، لِأَنَّ الْآثَارَ ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا طِيَرَةَ وَلَا شُؤْمَ وَلَا عَدْوَى . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا شُؤْمَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ غَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا طِيَرَةَ ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ . قَالُوا : وَمَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ . هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَعْنَى ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا . وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُمُورٌ كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ ! قَالَ : فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ . قَالَ : وَكُنَّا نَتَطَيَّرُ ! قَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ . قَالَ الدَّارَقُطْنِي : تَفَرَّدَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِذِكْرِ الْكُهَّانِ وَالنَّهْيِ عَنْ إِيتَائِهِمْ . قَالَ : وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَعْدُ بْنُ عُفَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطِّبَاعُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ - ذَكَرُوا سُؤَالَهُ عَنِ الطِّيَرَةِ لَا غَيْرَ - قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطِّيَرَةِ ، فَقَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثَ ابْنَ شِهَابٍ هَذَا فَقَالَ فِيهِ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَمَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ . وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَا يرْوَي فِي إِسْنَادِهِ حَمْزَةُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ . فَقِيلَ لِسُفْيَانَ : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ عَنْ حَمْزَةَ ! قَالَ : مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَمْزَةَ قَطُّ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَوَاءً . وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ - لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَمْزَةَ . وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ بِمِثْلِ إِسْنَادِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَمْزَةَ أَيْضًا ، إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ . أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْهَرَوِيُّ - فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ بِهِ إِجَازَةً - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّقَّاشُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ التَّطَيُّرِ وَاشْتِقَاقُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ وَمُرُورِهِ سَانِحًا أَوْ بَارِحًا ، مِنْهُ اشْتَقُّوا التَّطَيُّرَ ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ ، فَتَطَيَّرُوا مِنَ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْضَبِ وَالْأَبْتَرِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَوُا الْغُرَابَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الطَّيْرِ يَتَفَلَّى أَوْ يَنْتِفُ ، وَلِإِيمَانِ الْعَرَبِ بِالطِّيَرَةِ عَقَدُوا الرَّتَائِمَ وَاسْتَعْمَلُوا الْقِدَاحَ بِالْآمِرِ وَالنَّاهِي وَالْمُتَرَبِّصِ ، وَهِيَ غَيْرُ قِدَاحِ الْأَيْسَارِ ، وَكَانُوا يَشْتَقُّونَ الْأَسْمَاءَ الْكَرِيهَةَ مِمَّا يَكْرَهُونَ ، وَرُبَّمَا قَلَبُوا ذَلِكَ إِلَى الْفَأْلِ الْحَسَنِ فِرَارًا مِنَ الطِّيَرَةِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّوُا اللَّدِيغَ سَلِيمًا وَالْقَفْرَ مَفَازَةً ، وَكَنَّوُا الْأَعْمَى أَبَا الْبَصِيرِ ، وَنَحْوَ هَذَا ; فَمَنْ تَطَيَّرَ جَعَلَ الْغُرَابَ مِنَ الِاغْتِرَابِ وَالْغُرْبَةِ ، وَجَعَلَ غُصْنَ الْبَانِ مِنَ الْبَيْنُونَةِ ، وَالْحَمَامَ مِنَ الْحُمَامِ وَمِنَ الْحَمِيمِ وَمِنَ الْحُمَّى ، وَرُبَّمَا جَعَلُوا الْحَبْلَ مِنَ الْوِصَالِ ، وَالْهُدْهُدَ مِنَ الْهُدَى ، وَغُصْنَ الْبَانِ مِنْ بَيَانِ الطَّرِيقِ ، وَالْعُقَابَ مِنْ عُقْبَى خَيْرٍ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْهُمْ ، إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْإِشْفَاقُ تَطَيَّرُوا وَتَشَاءَمُوا ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجَاءُ وَالسُّرُورُ تَفَاءَلُوا ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَهُمْ فيما يرون مِنَ الْأَشْخَاصِ وَيَسْمَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا طِيَرَةَ وَلَا شُؤْمَ . فَعَرَّفَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ ; لِيَرْفَعَ عَنِ الْمُتَوَقِّعِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيُعَلِّمُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَنَالُهُ مِنْهُ إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ فَهُوَ عِنْدُنَا على غير ظَاهِرُهُ ، وَسَنَقُولُ فِيهِ بِحَوَلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَهُوَ فِيمَا بَيْنُ اللِّحْيَيْنِ - يَعْنِي اللِّسَانَ - وَمَا شَيْءٌ أَحْوَجَ إِلَى سجن طويل مِنْ لِسَانٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَنَقُولُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ بِمَا نَرَاهُ يُوَافِقُ الصَّوَابَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا طِيَرَةَ نَفْيٌ عَنِ التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِأُصُولِ شَرِيعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ الشُّؤْمِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ رَوَى زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا طِيَرَةَ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ ، وَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ . وَقَالَ : هَذَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ لِمَنْ تَطَيَّرَ - قِيلَ لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ : لَوْ كَانَ كَمَا ظَنَنْتَ لَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يَنْفِي بَعْضُهُ بَعْضًا ; لَأَنَّ قَوْلَهُ لَا طِيَرَةَ نَفْيٌ لَهَا ، وَقَوْلَهُ وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ إِيجَابٌ لَهَا ، وَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ هَذَا مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ نَفْيُ الطِّيَرَةِ بِقَوْلِهِ لَا طِيَرَةَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ فَمَعْنَاهُ إِثْمُ الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطِّيَرَةِ وَقَوْلُهُ فِيهَا : إِنَّهَا شِرْكٌ ، وَمَا مَنَّا إِلَّا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ . فَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مِنْ تَطَيَّرَ فَقَدْ أَثِمَ ، وَإِثْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَطَيُّرِهِ لِتَرْكِ التَّوَكُّلِ وَصَرِيحِ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مَا تَطَيَّرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَقِيقَةِ ، لِأَنَّهُ لَا طِيَرَةَ حَقِيقَةً ، وَلَا شَيْءَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ ، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تَسْلِيمُ الْأَمْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْكُ الْقَطْعِ عَلَى اللَّهِ بِالشُّؤْمِ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا يُقْطَعُ عَلَى عَيْنِهَا ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الْعَمَلَ فَقَطْ . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
وَقَالَ :
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
فَمَا قَدْ خُطَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ ، وَلَيْسَتِ الْبِقَاعُ وَلَا الْأَنْفُسُ بِصَانِعَةٍ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِرَحْمَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ قَوْمٌ لَا يَتَطَيَّرُونَ ولَا يَرَوْنَ الطِّيَرَةَ شَيْئًا . ذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ النَّابِغَةَ خَرَجَ مَعَ زَيَّانَ بْنِ سَيَّارٍ يُرِيدَانِ الْغَزْوَ ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي مَنْهَلٍ يُرِيدَانِ الرِّحْلَةَ إِذْ نَظَرَ النَّابِغَةُ فَإِذَا عَلَى ثَوْبِهِ جَرَادَةٌ ، فَقَالَ : جَرَادَةٌ تُجَرِّدُ وَذَاتُ أَلْوَانٍ ! فَتَطَيَّرَ ، وَقَالَ : لَا أَذْهَبُ فِي هَذَا الْوَجْهِ ! وَنَهَضَ زَيَّانُ ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ تِلْكَ الْغَزْوَةِ سَالِمًا غَانِمًا أَنْشَأَ يَقُولُ :
تَخَبَّرَ طَيْرَةً فِيهَا زِيَادٌ
لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ
أَقَامَ كَأَنَّ لُقْمَانَ بْنَ عَادٍ
أَشَارَ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُشِيرُ
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا
عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ
بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ
أحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ
هَذَا زَيَّانُ بْنُ سَيَّارٍ - وَهُوَ أَحَدُ دُهَاةِ الْعَرَبِ وَسَادَاتِهِمْ - لَمْ يَرَ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَقَالَ إِنَّهُ اتِّفَاقٌ وَبَاطِلُهُ كَثِيرٌ . وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَرَى الطِّيَرَةَ شَيْئًا مِنَ الْعَرَبِ وَيُوصِي بِتَرْكِهَا الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ ، وَذَلِكَ مِنْ صَحِيحِ قَوْلِهِ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مِنْ شِعْرِهِ هَذَا فَهُوَ مَصْنُوعٌ :
يَا أَيُّهَا الْمُزْمِعُ ثُمَّ انْثَنَى
لَا يُثْنِكَ الْحَازِي وَلَا السَّاحِجُ
وَلَا قَعِيدٌ أَعْضَبَ قَرْنَهُ
هَاجَ لَهُ مِنْ مَرْتَعٍ هَائِجُ
بَيْنَا الْفَتَى يَسْعَى وَيُسْعَى لَهُ
تَاحَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ خَالِجُ
يَتْرُكُ مَا رَقَّحَ مِنْ عَيْشِهِ
يَعْبَثُ فِيهِ هَمَجٌ هَامِجُ
لَا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بِأَغْبَارِهَا
إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَنِ النَّاتِجُ
أَمَّا قَوْلُهُ الْحَازِي فَهُوَ الْكَاهِنُ ، وَ السَّاحِجُ الْغُرَابُ ، وَ الْخَالِجُ مَا يَعْتَرِي الْمَرْءَ مِنَ الشَّكِّ وَتَرْكِ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ ، وَرَقَّحَ مَعِيشَتَهُ أَيْ أَصْلَحَهَا ، وَ الشَّوْلُ النُّوقُ الَّتِي جَفَّتْ أَلْبَانُهَا ، وَكَسَعَتِ النَّاقَةُ إِذَا بَرَكَتْ وَفِي ضَرْعِهَا بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّبَنِ ، وَالْأَغْبَارُ هَاهُنَا بَقَايَا اللَّبَنِ ، وَ النَّاتِجُ الَّذِي يَلِي النَّاقَةَ فِي حِينِ نَتَاجِهَا . وَالْمُرَقِّشُ السَّدُوسِيُّ كَانَ أَيْضًا مِمَّنْ لَا يَتَطَيَّرُ ، وَهُوَ الْقَائِلُ :
وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا
أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ
فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا
مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ
وَكَذَاكَ لَا خَيْرَ وَلَا
شَرَّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ
الْوَاقِ : الصَّرْدُ ، وَالْحَاتِمُ : الْغُرَابُ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : قَدَّرَ اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ ، فَإِنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُمَيْرٍ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ ... فَذَكَرَهُ سَوَاءً . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ كَذَلِكَ الْفُضَيْلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ حَدِيثَ الشُّؤْمِ وَتَقُولُ : إِنَّمَا حَكَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقْوَالِهِمْ ، وَكَانَتْ تَنْفِي الطِّيَرَةَ وَلَا تَعْتَقِدُ شَيْئًا مِنْهَا ، حَتَّى قَالَتْ لِنِسْوَةٍ كُنَّ يَكْرَهْنَ الِابْتِنَاءَ بِأَزْوَاجِهِنَّ فِي شَوَّالٍ : مَا تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا فِي شَوَّالٍ ، وَمَا دَخَلَ بِي إِلَّا فِي شَوَّالٍ ، فَمَنْ كَانَ أَحْظَى مِنِّي عِنْدَهُ ؟ وَكَانَتْ تَسْتَحِبُّ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فِي شَوَّالٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ! فَطَارَتْ شُقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشُقَّةٌ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَتْ : كَذَبَ - وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفَرْقَانَ - عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِهَذَا ؟ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ، ثُمَّ قَرَأَتْ عَائِشَةُ
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ كَذَبْتَ بِمَعْنَى غَلِطْتَ فِيمَا قَدَّرْتَ وَأَوْهَمْتَ فِيمَا قُلْتَ وَلَمْ تَظُنَّ حَقًّا ، وَنَحْوَ هَذَا ; وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِهِمْ مَوْجُودٌ فِي أَشْعَارِهِمْ كَثِيرًا ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ :
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَتْرُكُ مَكَّةً
وَنَظْعَنُ إِلَّا أَمْرَكُمْ فِي بَلَابِلِ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْرا مُحَمَّدًا
وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ
وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ هَمْدَانَ :
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ لَا تَأْخُذُونَهَا
مُرَاغَمَةً مَا دَامَ لِلسَّيْفِ قَائِمُ
وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْعَبْسِيُّ :
أَفِي الْحَقِّ إِمَّا بِجْدَلٌ وَابْنُ بِجْدَلٍ
فَيَحْيَا وَإِمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَيُقْتَلُ
كَذَبْتُمْ - وَبَيْتِ اللَّهِ - لَا تَقْتُلُونَهُ
وَلَمَّا يَكُنْ يَوْمٌ أَغَرُّ مُحَجَّلُ
أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصِّدْقِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْغَلَطِ وَظَنِّ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ مَكَّةَ إِنْ لَمْ يَتْرُكُوا جِوَارَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ : كَذَبْتُمْ ؛ أَيْ غَلِطْتُمْ فِيمَا قُلْتُمْ وَظَنَنْتُمْ ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ الْهَمْدَانِيِّ وَالْعَبْسِيِّ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَارِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الرَّجُلِ يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التَّزْوِيجِ بِيَدٍ مِنَ الطَّلَاقِ ، قَالَ : بِيَدِ الْعَبْدِ . قُلْتُ : إِنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : بِيَدِ السَّيِّدِ ! قَالَ : كَذَبَ جَابِرٌ ؛ يُرِيدُ غَلِطَ وَأَخْطَأَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَبَرًا عَمَّا كَانَتْ تَعْتَقِدُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا عَلَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْقَوْمِ فِي قِصَّةِ الدَّارِ اتْرُكُوهَا ذَمِيمَةً فَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا رَآهُ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسَخَ فِي قُلُوبِهِمْ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَؤُوفًا بِالْمُؤْمِنِينَ ، يَأْخُذُ عَفْوَهُمْ شَيْئًا شَيْئًا ، وَهَكَذَا كَانَ نُزُولُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ حَتَّى اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ وَكَمُلَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اتْرُكُوهَا ذَمِيمَةً وَلِغَيْرِهِمْ وَلِسَائِرِ أُمَّتِهِ الصَّحِيحَ بِقَوْلِهِ لَا طِيَرَةَ وَلَا عَدْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .