الْحَدِيثُ الْخَامِسُ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ أَنْ لَا تُخَالِفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ أَنْ لَا تُخَالِفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي أَمْرِ الْحَجِّ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ - وَأَنَا مَعَهُ - فَصَاحَ بِهِ عِنْدَ سُرَادِقِهِ : أَيْنَ هَذَا ؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ - وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ - فَقَالَ : مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ فَقَالَ : الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ . فَقَالَ : أَهَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً ثُمَّ أَخْرُجُ . فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ ، فَصَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَأقْصِرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْمَا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : صَدَقَ . قَدْ ذَكَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْوَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِنَا ، وَأَمَّا الْحَجَّاجُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ ، أُمُّهُ فَارِعَةُ بِنْتُ هَمَّامِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، كَانَتْ قَبْلَ أَبِيهِ تَحْتَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . كَانَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَهْلًا أَنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ ، وَلَا يُؤْثَرُ حَدِيثُهُ ، وَلَا يُذَكَرُ بِخَيْرٍ لِسُوءِ سِرِّهِ وَإِفْرَاطِهِ فِي الظُّلْمِ ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَائِفَةٌ تُكَفِّرُهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَهُمْ فِيهِ بِذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لَهُ . وَلِيَ الْحِجَازَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَوَلِيَ الْعِرَاقَ عِشْرِينَ سَنَةً : قَدِمَ عَلَيْهِمْ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ . رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، قَالَ : لَمَّا أَتَى الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : إِنَّهُ شَقِيُّ بْنُ كَسِيرٍ . فَقَالَ : مَا أَنَا إِلَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، بِذَلِكَ سَمَّانِي أَبَوَايَ . قَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ . قَالَ : إِذًا أَكُونُ كَمَا سَمَّانِي أَبِي سَعِيدًا . وَقَالَ : دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . فَقَالَ الْحَجَّاجُ : وَجِّهُوهُ إِلَى قِبْلَةِ النَّصَارَى . فَقَالَ سَعِيدٌ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قَالَ : فَضَرَبَ عُنُقَهُ . قَالَ سُفْيَانُ : فَلَمْ يَقْتُلْ بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ يُخَرَّجُ فِي الْمُسْنَدِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجَّاجِ : الرَّوَاحُ هَذِهِ السَّاعَةُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ ، وَلِقَوْلِ سَالِمٍ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَأقْصِرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : صَدَقَ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا مَعَ سَالِمٍ وَأَبِيهِ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَعَ الْحَجَّاجِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهْمٌ مِنْ مَعْمَرٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : وَهِمَ فِي ذَلِكَ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ لَمْ يَرَ ابْنَ عُمَرَ وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ : قَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِمَّا لَا يُصَحِّحُهُ أَحَدٌ سَمَاعًا ، وَلَيْسَ لِابْنِ شِهَابٍ سَمَاعٌ مِنَ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ فَقَالَ : مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ قَدْ شَاهَدَ ابْنَ عُمَرَ مَعَ سَالِمٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ . وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَفِيهَا : فَرَكِبَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَفِيهَا : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا ، فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي حَدِيثِهِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَصَابَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ مِنَ الْحَرِّ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنَا مِثْلُهُ ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ عَنْبَسَةَ رَوَى عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : وَفَدْتُ إِلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ . قَالَ : وَمَرْوَانُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمَاتَ ابْنُ عُمَرَ ( فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ ) سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ( قَالَ : ) وَأَظُنُّ مَوْلِدَ الزُّهْرِيِّ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَمَوْتُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ شَاهَدَ ابْنَ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ ، فَلَسْتُ أَدْفَعُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ . هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الذُّهْلِيُّ . وذكر الحلواني قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ يَقُولُ : قَدْ أَدْرَكَ الزُّهْرِيُّ الْحَرَّةَ وهو بالغ وَعَقَلَهَا . أَظُنُّهُ قَالَ : وَشَهِدَهَا . وَكَانَتِ الْحَرَّةُ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ - فِيمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ - قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ اقْتَدِ بِابْنِ عُمَرَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَوْمَ عَرَفَةَ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَرُوحَ فَآذِنَّا . فَرَاحَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، فَوَقَفَ بِفَنَاءِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ : مَا يَحْبِسُهُ . فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْتَدِيَ بِكَ ، وَأَنْ آخُذَ عَنْكَ . فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ : إِنْ أَرَدْتَ السُّنَّةَ فَأَوْجِزِ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ اقْتَدِ بِابْنِ عُمَرَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمَا ، وَكُنْتُ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ : اقْتَدِ بِابْنِ عُمَرَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ ، قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمَا وكنت صائما فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : فَقُلْتُ لِمَعْمَرٍ : فَرَأَى الزُّهْرِيُّ ابْنَ عُمَرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَيْنِ ، فَسَلْنِي عَنْهُمَا أُحَدِّثْكَهُمَا . قَالَ : فَجَعَلْتُ أَتَحَيَّنُ خَلْوَتَهُ لِأَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُمَا وَلَا يَكُونُ مَعَنَا أَحَدٌ . قَالَ : فَلَمْ يُمَكِّنِّي ذَلِكَ حَتَّى أُنْسِيتَهُ ، فَمَا ذَكَرْتُ حَتَّى نَفَضْتُ يَدِي مِنْ قَبْرِهِ ، فَنَدِمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ : وَمَا ضَرَّنِي لَوْ سَمِعْتُهُمَا وَسَمِعَ مَعِي غَيْرِي . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ مَعْمَرٍ وَلَا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا عَلِمْتُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ فِي الْحَجِّ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ وَلَا يُعْرَفُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْحُلْوَانِيُّ : وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدِ ابْنِ أَخِي يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : وَفَدْتُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ . قَالَ الْحَسَنُ : وَمَاتَ ابْنُ مَرْوَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ فِي أَوَّلِهَا ، إِلَّا أَنَّهُ حَجَّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمَاتَ بَعْدَ الْحَجِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فِقْهٌ وَآدَابٌ وَعِلْمٌ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ كَثِيرٌ . فَمِنْ ذَلِكَ مَشْيُ الرَّجُلِ الْفَاضِلِ مَعَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا نَقِيصَةَ عَلَيْهِ فِيهِ . وَفِيهِ تَعْلِيمُ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ السُّنَنَ إِذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ ، وَلَعَلَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا وَتَصْرِفُهُ عَنْ غَيِّهِ . وَفِيهِ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْفَاجِرِ مِنَ السَّلَاطِينِ مَا كَانَ إِلَيْهِمْ إِقَامَتَهُ ؛ مِثْلَ الْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَجَّ يُقِيمُهُ السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُقِيمُهُ لَهُمْ عَلَى شَرَائِعِهِ وَسُنَنِهِ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا ؛ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا أَوْ مُبْتَدِعًا ، مَا لَمْ تُخْرِجْهُ بِدْعَتُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَوَاحَ الْإِمَامِ مِنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ بِعَرَفَةَ إِلَى مَسْجِدِهَا حِينَ نزُولُ الشَّمْسُ ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ سُنَّةٌ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَلْزَمُ كُلُّ مَنْ بَعُدَ عَنِ الْمَسْجِدِ بِعَرَفَةَ أَوْ قُرُبَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا مَوْضِعَ نُزُولِهِ بِالصُّفُوفِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَفَهِمَهَا فَلَا حَرَجَ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَزَلَ بِنَمِرَةَ مِنْ عَرَفَةَ ، وَحَيْثُ مَا نَزَلَ مِنْ عَرَفَةَ فَجَائِزَةٌ . وَكَذَلِكَ وُقُوفُهُ مِنْهَا حَيْثُمَا وَقَفَ فَجَائِزٌ ، إِلَّا بَطْنَ عرفة ، فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ بِعَرَفَةَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا مَعَ الْإِمَامِ ، عَلَى مَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ : أَيَّةُ سَاعَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُوحُ فِي هَذَا الْيَوْمِ ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ رُحْنَا . فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرُوحَ قَالَ : أَزَاغَتِ الشَّمْسُ ؟ قَالُوا : لَمْ تَزُغْ . ثُمَّ قَالَ : زَاغَتِ الشَّمْسُ ؟ فَلَمَّا قَالُوا قَدْ زَاغَتْ ، ارْتَحَلَ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقُصْوَى فَرَحَلَتْ لَهُ ، وَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي وَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ مَا لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، وَأَمَّا وَقْتُ الرَّوَاحِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَفةَ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِيهِ بِمَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ مَرَاسِلِ مَالِكٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ بِعَرَفَةَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَفِي جُلُوسِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ قَبْلَهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَخْطُبُ الْإِمَامُ طَوِيلًا ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ ، ثُمَّ يُصَلِّي . ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ صَدْرًا مِنْ خُطْبَتِهِ ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مَعَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ . وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ : الْأَذَانُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ وَيُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ . وَبِمِثْلِ ذَلِكَ سَوَاءً . قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْخُذُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ إِذَا قَامَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مِنَ الْأَذَانِ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ ( الصَّلَاةَ ) وَقَالَ مَالِكٌ ، وَسُئِلَ عَنِ الْإِمَامِ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ : أَيَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ طَوِيلًا ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ ثُمَّ يُصَلِّي . ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ . وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِمَّا قَدَّمْنَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْلِسُ ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَتَى الْإِمَامُ الْمَسْجِدَ خَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى . وَلَمْ يَذْكُرْ جُلُوسًا عِنْدَ الصُّعُودِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْأُولَى جَلَسَ جِلْسَةً خَفِيفَةً قَدْرَ ( قِرَاءَةِ )
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ خِطْبَةً أُخْرَى . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ( بِعَرَفَةَ ) لَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرِهَا ( وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ فَعَلَ ، لَمْ يَجْهَرْ ) وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ - إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا - رَكْعَتَيْنِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُسَافِرًا وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلَ عَمَلَ حَجِّهِ وَعَجَّلَ الِانْصِرَافَ . وَاخْتُلِفَ فِي قَصْرِ الْإِمَامِ إِذَا كَانَ مَكِّيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ مِنًى بِعَرَفَةَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ وَمِنًى بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا أَقَامُوا يَقْصُرُونَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ ، وَأَمِيرُ الْحَاجِّ أَيْضًا كَذَلِكَ ، إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَصَرَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَأَيَّامِ مِنًى . قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِمِنًى مُقِيمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ أَيْضًا . كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ . وَأَهْلُ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَأَهْلُ مِنًى يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ ، وَأَهْلُ عَرَفَةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ سَوَاءً . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يُصَلُّوا فِي تِلْكَ الْمَشَاهِدِ كُلِّهَا إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ( وَسَائِرُ الْأُمَرَاءِ هَكَذَا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ) فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَكِّيًّا وَغَيْرَ مَكِّيٍّ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَهْلِ مَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ . وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مُنْكَرٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِهِ وَنَكَارَتِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ : مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ صَلَّى بِمِنًى وَعَرَفَةَ أَرْبَعًا ، لَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا أَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا : الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ - الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ ( وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ ) هَلْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَهُ أَنْ يَجْمَعَ ( بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ يَجْمَعُ ) بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ . قَالَ : فَإِنِ احْتُبِسَ إِنْسَانٌ دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ لِمَوْضِعِ عُذْرٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : صَلِّ مَعَ الْإِمَامِ ( بِعَرَفَاتٍ ) الصَّلَاتَيْنِ إِنِ اسْتَطَعْتَ ، وَإِنْ صَلَّيْتَ فِي رَحْلِكَ فَصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَنْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِلَّا لِوَقْتِهَا . وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : جَائِزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا . وَعِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ ( جَمْعَ ) رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ وَلِكُلِّ مُسَافِرٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا جُمُعَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَذَانِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصلاتين بِعَرَفَةَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّيهِمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي صَلَاتَيِ الْمُزْدَلِفَةِ ، وَالْحُجَّةُ لَهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ : يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ : إِقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَرَوَى عَنْهُ الْكَوْسَجُ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ( أَيْضًا ) الْجَمْعُ بَيْنَ الصلاتين بِعَرَفَةَ بِإِقَامَةِ إِقَامَةً ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ شَاءَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ بِإِقَامَةِ إِقَامَةً . وَفِي لُبْسِ الْحَجَّاجِ الْمُعَصْفَرَ ، وَتَرْكِ ابْنِ عُمَرَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ مَعَ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِيَّاهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ( شَيْءٍ مِنْ ) أَمْرِ الْحَجِّ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ ، وَإِنْ ( كَانَ ) أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّهُ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ ، وَإِنَّمَا كَرِهُوهُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِضُ . وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ لُبْسِ الْمُصَبَّغَاتِ ؛ لِأَنَّهَا تَنْتَفِضُ ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَلَا يَحْيَى وَلَا مُطَرِّفٍ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمُصَبَّغَاتِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَكْرَهُ الْمُثْرَدَ بِالْعُصْفُرِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمُصَبَّغَاتِ بِالْعُصْفُرِ فِي الْإِحْرَامِ : الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ - يَعْنِي مُعَصْفَرَيْنِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَا أَخَالُ أَحَدًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ . فَسَكَتَ عُمَرُ . أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَخْرُجُ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ مُضَرَّجَانِ فِي الْحَرَمِ ( مَعَ ابْنِ عُمَرَ ) فَلَا يُنْكِرُ عَلَيَّ . وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ وَهْبٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَسْتَحِبُّ إِيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ الْمُعَصْفَرِ الْمُصَبَّغِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الطِّيبَ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَحِلُّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُحْرِمَ ) عَنِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَمَا صُبِغَ بِهِمَا مِنَ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَاتِ فِي الْإِحْرَامِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ خَوْفًا مِنَ التَّطَرُّقِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الصَّبْغِ مِثْلَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُعَدُّ طِيبًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا كَانَ ( ذَلِكَ ) مِنْ عُمَرَ إِلَى طَلْحَةَ لِمَوْضِعِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ ، وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ الشُّبْهَةِ لِئَلَّا يَظُنُّ ( بِهِ ) ظَانٌّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ بِمِثْلِهِ ، وَيَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَلِيلًا لِعَمَلٍ يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ ، مِثْلَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَفِيهِ الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْحَجَّاجِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً ، كَذَلِكَ كَانَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ . ذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ فَتْوَى الصَّغِيرِ بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ . أَلَا تَرَى أَنَّ سَالِمًا عَلَّمَ الْحَجَّاجَ السُّنَّةَ فِي قَصْرِ الْخُطْبَةِ وَتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ ، وَابْنُ عُمَرَ أَبُوهُ إِلَى جَانِبِهِ ؟! . وَقَصْرُ الْخُطْبَةِ فِي ذَلِكَ ( وَفِي غَيْرِهِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ) سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، ثُمَّ تُصَلِّي الْعَصْرَ بِإِثْرِ السَّلَامِ مِنَ الظُّهْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ . رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ طَيِّبَاتٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْعَلَاءُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِإِقْصَارِ الْخُطَبِ . وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْصُرَ الْخُطْبَةَ وَنُطِيلَ الصَّلَاةَ . وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قَصْرُ الْخُطْبَةِ وَطُولُ الصَّلَاةِ . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّى بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ ، وَأَنَّهُ يُقْصِرُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا وَإِنْ لَمْ يَخْطُبْ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِيهَا فَأَسَرَّ الْقِرَاءَةَ ، إِنَّمَا هِيَ ظُهْرٌ ، وَلَكِنَّهَا قُصِرَتْ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ ، فَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ ، وَقَالَ فِيهِ الْقَعْنَبِيُّ وَأَشْهَبُ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْوُقُوفَ . وَهُوَ عِنْدِي غَلَطٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِهِ ، وَتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ الْقَعْنَبِيُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْوُقُوفِ بَعْدَ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سُنَّةٌ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ ، وَذَكَرْنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ ، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَبِكُلِّ مِصْرَ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّهُ فَرْضٌ لَا يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَلَا حَجَّ لَهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحَصْرِهِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَقِفْ . فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : اللَّيْلُ هُوَ الْمُفْتَرَضُ ، وَالْوُقُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سُنَّةٌ ، دَلَّ عَلَى مَا أَضَفْنَا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ جَوَابُهُ فِي مَسَائِلِهِ فِي ذَلِكَ . ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ثُمَّ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهَا فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ ، ( فَيَقِفُ بِهَا ) أَنَّ حَجَّهُ قَدْ فَاتَهُ ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ ، وَالْهَدْيُ يَنْحَرُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ ، وَهُوَ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ . وَقَالَ مَالِكٌ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْهُ - أَنَّ مَنْ دَفَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا حَجَّ لَهُ ، وَهُوَ قَدْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَلَا رُوِّينَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ : كُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ عَرَفَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُمْ ، وَحَجُّهُ تَامٌّ . قَالَ الْكُوفِيُّونَ : فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : إِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ حَتَّى يَدْفَعَ بَعْدَ الْمَغِيبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يطلع الْفَجْرَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَجَّتُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ سَوَاءً إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّمِ - حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ ( حَدِيثِ ) الصَّلَاةِ بِالْمُزْدَلِفَةِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ مِنْ قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ مَا فِيهِ بَيَانٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْلًا هُوَ الْفَرْضُ دُونَ النَّهَارِ : حُكْمُ الْجَمِيعِ لِمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ اللَّيْلِ بِتَمَامِ الْحَجِّ ، وَإِنَّ إِدْرَاكَ أَوَّلِهِ كَإِدْرَاكِ آخِرِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُسَوَّى كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ حُكْمِ سَائِرِ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ مَا انْتَفَى فِي بَعْضِ الْجِنْسِ فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي سَائِرِهِ . وَذَكَرُوا كَلَامًا كَثِيرًا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي الْفَرَجِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْوُقُوفَ بِبَطْنِ عرَفةَ ( مِنْ عَرَفَةَ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عرفة ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ بِهَا وَلَمْ يَقِفْ مِنْ عَرَفَةَ بِغَيْرِهَا فَقَالَ مَالِكٌ : يُهَرِيقُ دَمًا وَحَجُّهُ تَامٌّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجْزِيهِ وَحَجُّهُ فَائِتٌ . وَبِهِ قَالَ أَبُو الْمَصَبِّ الَّذِي قَالَ : عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدَّيْلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فقد أَدْرَكَ ، وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَيَّامِ النَّاسِ ، مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَاتَ بِعَقِبِ هَذِهِ الْحَجَّةِ بِمَكَّةَ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ مَوْقِفٌ مَعْرُوفٌ بِعَرَفَةَ ، كَانَ قَدْ وَقَفَ فِيهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَقَفَ بِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَبَرَّكُ بِالْمَوْقِفِ فِيهِ وَكَانَ لَا يَدْعُ الْحَجَّ كُلَّ عَامٍ مُنْذُ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ ، فَانْطَلَقَ مَعَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدِي الْحَجَّاجِ ، فَأَمَرَ مَنْ نَخَسَ بِابْنِ عُمَرَ حَتَّى نَفَرَتْ بِهِ نَاقَتُهُ ، فَسَكَّنَهَا ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ أَيْضًا بِنَاقَتِهِ فَنُخِسَتْ فَنَظَرَتْ فَسَكَّنَهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سَكَنَتْ ، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ ، فَثَقُلَ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمْرُهُ ، فَأَمَرَ رَجُلًا مَعَهُ حَرْبَةً يُقَالُ : إنَّهَا كَانَتْ مَسْمُومَةً ، فَلَمَّا دَفَعَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ لَصِقَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَأَمَرَ الْحَرْبَةَ عَلَى قَدَمِهِ وَنَخَسَهُ بِهَا فَمَرِضَ مِنْهَا أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ بِمَكَّةَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ بِأَكْثَرِ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شُهُودَ عَرَفَةَ بِهِ يَنْعَقِدُ الْحَجُّ ، وَهُوَ الرُّكْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْحَجِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنَّهُ يَجْبُرُ فِعْلَهُ ذَلِكَ بِالدَّمِ ؟ وَمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ؟ وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِهَا حَتَّى انْصَدَعَ الْفَجْرُ فِي بَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِعَرَفَةَ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا مَعَ الْإِمَامِ وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا ، هُوَ الْمُفْتَرَضُ ، وَجَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ بِهَا سُنَّةٌ مَعَ الْإِمَامِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ خَالَفَهُ الْإِجْمَاعُ ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : قَلْتُ لِلثَّوْرِيِّ إنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، عَنْ سُوُيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا حَجَّ لَهُ . فَقَالَ لِي : إِنَّهَا قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ لَا يُؤْخَذُ بِهَا ، وَقَدْ تَرَكْتُ هَذَا مِنْهَا ، وَمَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَشْهَدُهَا مَعَ الْإِمَامِ ( بِعَرَفَةَ ) قَالَ الْكِشْوَرِيُّ : قُلْتُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ : أَتَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ( لِابْنِ عُيَيْنَةَ ؟ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْقَعْنَبِيِّ وَأَشْهَبَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ) وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْوُقُوفِ رَكِبَ مُعَجِّلًا وَرَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ كُلُّ مَنْ مَعَهُ مَا يُرْكَبُ ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا أَفْضَلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا ، وَمَنْ وَقَفَ رَاجِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .